السبت الماضي، 7 مارس، كان رئيس الحكومة العراقية، محمد شياع السوداني، في ضيافة رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان.
وبينما كان الرجلان يناقشان في منزل زيدان الذي يقع خلف السفارة الأميركية بالمنطقة الخضراء، الإسراع في تشكيل الحكومة، والحرب، وأهمية حصر السلاح بيد الدولة، استُهدفت السفارة بصواريخ وطائرات مُسيرة، وفقا لمصدر خاص تحدث لـ”الحرة”.
أحرجت الضربة الحكومة العراقية. وجاءت بعد نحو 10 أيام من هجمات طالت مقار تابعة للتحالف الدولي وفنادق ومقار عسكرية عراقية ودولية ومطارات ومنشآت نفطية في بغداد والبصرة وأربيل تبنتها فصائل مسلحة موالية لطهران “تضامنا” مع حربها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.
وصفت الحكومة العراقية قصف السفارة الأميركية بـ” العمل الإرهابي ” وتوعدت بملاحقة مطلقي الصواريخ والمسيرات وتقديمهم إلى “العدالة”.
وفي 10 مارس أصدر مجلس القضاء الأعلى بيانا عقب مباحثات بين رئيسه ووزير الخارجية فؤاد حسين، تناول فيه الإجراءات القانونية المرتبطة باستهداف البعثات الدبلوماسية والمؤسسات والمواطنين داخل البلاد.
أشار البيان إلى أن استهداف البعثات الدبلوماسية والمرافق المدنية يُعد من “الجرائم الإرهابية” التي تستوجب الملاحقة القضائية وفق القوانين النافذة، وأكد اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتورطين في هذه الهجمات.
استخدام هذا الوصف القانوني يعكس توجها قضائيا للتعامل مع هذه الهجمات ضمن إطار قانون مكافحة الإرهاب، وليس بوصفها أحداثا أمنية معزولة أو ذات طابع سياسي.
ويستند هذا التوصيف إلى قانون مكافحة الإرهاب العراقي رقم 13 لسنة 2005، الذي ينص في مادته الرابعة على عقوبات مشددة قد تصل إلى الإعدام بحق مرتكبي الأعمال المصنفة إرهابية أو المشاركين فيها.
ربط البيان بين ثلاث فئات اعتبرها مستهدفة في هذه العمليات: البعثات الدبلوماسية الأجنبية، والمؤسسات الرسمية، والمواطنين المدنيين. ويشير هذا الربط إلى أن الهجمات التي تستهدف مواقع دبلوماسية غالبا ما تقع في مناطق مأهولة أو قريبة من مرافق مدنية، ما يرفع من احتمالات تعريض السكان والممتلكات العامة للخطر.
مختصون قانونيون يرون أن تفعيل هذه المادة يفتح المجال أمام ملاحقات قضائية أوسع تشمل الفاعلين والشركاء في تنفيذ هذه الهجمات أو التخطيط لها.
وفي حديث مع “الحرة”، قال حسام الحاج وهو خبير قانوني ومقدم برامج عراقي إن “القضاء سيكون في رأس الحربة لعملية المواجهة المقبلة مع الفصائل”. وأضاف أن “إجراء القضاء الأخير، سيعزز دور الحكومة في ملاحقة هذه الجماعات”.
جاء بيان القضاء العراقي في سياق تصعيد أمني شهدته البلاد خلال الشهر الحالي، حيث سجلت عدة هجمات استهدفت مواقع دبلوماسية ومنشآت مرتبطة ببعثات أجنبية.
ففي 10 مارس، تعرض مركز الدعم الدبلوماسي القريب من مطار بغداد الدولي لهجوم بطائرات مسيّرة، وفق تقارير أمنية، ما أدى إلى أضرار في أحد أبراج الحراسة وإطلاق تحذيرات أمنية للعاملين في الموقع.
وقبل ذلك بيوم واحد، سقطت بقايا طائرة مسيّرة قرب مبنى القنصلية الإماراتية في أربيل، في حادثة أثارت إدانات رسمية من عدة دول في المنطقة.
ويتعرض مقر الدعم الدبلوماسي القريب من مطار بغداد الدولي إلى هجمات يومية، بالإضافة إلى قاعدة حرير التي تضم التحالف الدولي في مدينة أربيل شمالي البلاد.
وقال المحلل السياسي عائد الهلالي إن “إطلاق الصواريخ على البعثات الدبلوماسية أو المقار العسكرية أو حتى الأهداف المدنية لا يمكن النظر إليه بوصفه عملا سياسيا أو احتجاجيا، بل هو فعل يندرج ضمن الأعمال التي تهدد الأمن الوطني والسلم المجتمعي”.
وأضاف خلال مقابلة مع “الحرة” أن “إخضاع هذه الأفعال إلى أحكام قانون مكافحة الإرهاب العراقي يبعث برسالة واضحة مفادها أن الدولة لن تتسامح مع أي سلوك مسلح خارج إطار المؤسسات الرسمية”.
وتأتي هذه الهجمات في ظل تصاعد التوترات الإقليمية بعد الضربة العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران أواخر فبراير 2026، وهو تطور انعكس على الأمن الإقليمي وأعاد العراق إلى دائرة التوترات المرتبطة بالصراع بين أطراف إقليمية ودولية.
ليست هذه المرة الأولى التي تحاول فيها السلطات العراقية التعامل قضائيا مع الهجمات التي تستهدف البعثات الدبلوماسية. ففي يونيو 2020 نفذ جهاز مكافحة الإرهاب العراقي عملية مداهمة في منطقة الدورة أسفرت عن اعتقال عدد من الأشخاص المتهمين بالتحضير لإطلاق صواريخ باتجاه المنطقة الخضراء حيث المقار الحكومية والبعثات الدبلوماسية.
وشكلت الحكومة العراقية عام 2020 لجنة تحقيق ضمت مسؤولين في الأجهزة الأمنية والاستخبارية، وتوصلت إلى معلومات أولية بشأن جهات يشتبه بوقوفها خلف بعض الهجمات. غير أن تلك النتائج لم تتحول إلى ملفات قضائية مكتملة.
وفي عام 2023 أصدر القضاء العراقي حكما بالسجن المؤبد بحق ضابط في الحرس الثوري الإيراني بعد إدانته باغتيال المواطن الأميركي ستيفن ادوارد ترول، الذي قُتل في نوفمبر 2022 عندما كان في العاصمة العراقية، وهو حكم لاقى ترحيبا رسميا من الولايات المتحدة.
لكن قضية ترول كانت حالة فردية، والتطور الفعلي اليوم، هو باعتبار هذه الجماعات “إرهابية” رغم قوتها ونفوذها وسلاحها الذي يهدد مؤسسات الدولة العراقية.
قال المحلل السياسي نبيل العزاوي خلال مقابلة مع “الحرة” إن “الإجراءات التي ستتخذ بحق مطلقي الصواريخ ستكون إحراءات صارمة، وموقف القضاء العراقي أنهى مرحلة أنصاف الحلول في التعامل مع هذه الجماعات”.
وشهد عام 2025 مؤشرات على تغير في مواقف بعض الفصائل المسلحة، مثل ميليشيا “عصائب أهل الحق” و”حركة أنصار الله الأوفياء” استعدادها للتعاون مع جهود حصر السلاح بيد الدولة والانتقال إلى العمل السياسي.
في المقابل، بقيت فصائل أخرى، من بينها كتائب حزب الله العراقية، متمسكة بموقفها الرافض لنزع السلاح قبل انسحاب القوات الأجنبية من العراق، في إشارة إلى قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية.
ودخل القضاء العراقي في اختبار حقيقي وخطير يتعلق بالقدرة على تطبيق القوانين الخاصة بمكافحة الإرهاب على جميع الأطراف المتورطة في الهجمات، بغض النظر عن انتماءاتها أو غطائها السياسي، فلطالما قيل إن الفصائل المسلحة الموالية أو القريبة من إيران، لا أحد يقوى على محاسبتها.
المصدر:
الحرة