آخر الأخبار

قد يصطدم ترمب مع شبح القائد "بيروس"

شارك

في مقال بالـ"واشنطن بوست"، تناول المحلل فريد زكريا، تعقيدات الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، ويأتي في صدارتها أن للبلدين مخططات إستراتيجية مختلفة، بل متضاربة.

فإسرائيل لا ترى ضيرا أن تسود الفوضى في إيران، وأن تتحول إلى سيناريو شبيه بسوريا تحت حكم بشار الأسد، دون أن تأبه للتداعيات المحتملة على المنطقة.

أما الولايات المتحدة، فلا تريد أن تكون المنطقة مرتعا لفوضى تكون أشد وطأة من تلك التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين في العراق، وفي ذلك تلتقي ودول الجوار في الخليج. أمريكا تريد عملية جراحية استئصالية، أما إسرائيل فتروم بترا، ولو أدى إلى تعفن.

ولا يمكن لهذا التضارب بين الحليفين الإستراتيجيين، ألا يؤثر سلبا على الغموض الإستراتيجي الذي يلف الحرب، ولم تعد كبريات الصحف العالمية الأمريكية، ومراكز البحث تغض الطرف عنه، أو تتستر عليه.

لنقل، بدءا، إن السيناريو الذي دخلت به الولايات المتحدة الحرب، والذي يستحضر سابقة الإطاحة برئيس فنزويلا نيكولاس مادورو- أو إسقاط رأس النظام، مع الإبقاء على النظام- لم يعد قائما، وإن خطة الصدمة والترويع لم تحدث أثرها، رغم اغتيال المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي، وقياديين عسكريين واستخباراتيين، وآخرين من الحرس الثوري.

كما أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، استطاعت أن تمتص الضربة، من خلال جهوزية تنظيمية للحرس الثوري، أو ما يسمى بتنظيم الفسيفساء؛ أي استقلالية وحدات التنظيم في القرار والمبادرة، استنادا للمرجعية الأيديولوجية، وكذلك الانتهاء من اختيار المرشد الأعلى الجديد، بتعيين نجل المرشد الراحل علي خامنئي، آية الله مجتبى مرشدا أعلى.

تغلب الرموز، في هذا الطور، إذ لن يستطيع مجتبى أن يملأ مكانة والده، ولا أن يرث كاريزماه، ولكن المهم في هذا التعيين، هو أن يكون مجتبى الغطاء الذي يتدثر وراءه الحرس الثوري؛ لكي يظل الفاعل الأساسي في بؤرة القرار والتوجيه، ويضمن استمرارية التوجه الراديكالي.

إعلان

كما أنه رسالة للولايات المتحدة التي تحنّ لاستنساخ سابقة الإطاحة برئيس الوزراء الإيراني السابق محمد مصدق، وإعادة الشاه محمد رضا بهلوي، في خمسينيات القرن الماضي، وهو ما لن يقبل به الإيرانيون، حتى من هم في المعارضة. فهم لن يقبلوا، أيا كانت مشاربهم، أن تختار واشنطن، أو تل أبيب من يتولى أمرهم.

المخطط الرديف للصدمة والترويع، كان هو دفع الشارع إلى التظاهر، ولكن الذي حدث هو سكون المعارضة بعد استهداف المدنيين، كما وقع في مدرسة في مدينة ميناب التي أودت فيها ضربة أمريكية بعشرات من الفتيات في عمر الزهور، وإلحاق الأضرار بالبنى التحتية المدنية، ومنها مصافي البترول، مما أقدمت عليه إسرائيل، وما يلحق ذلك من إضرار بالشعب الإيراني، فضلا عن مخاطره البيئية.

يضاف إلى ذلك الخطأ الإستراتيجي الذي اقترفته الولايات المتحدة بالسعي لتحريك الأكراد، ما جعل المعارضة تحجم عن التحرك، سواء داخل إيران أو خارجها. وفرق بين أن توصم حركة بمعارضتها نظاما، وبين أن يتم توظيفها لتفكيك وحدة بلد ما.

وما زاد الطين بلة تصريح للرئيس ترمب حول إمكانية إعادة النظر في الهندسة الترابية لإيران؛ أي وحدة البلد، ولذلك يظل النظام، بكل مكوناته العسكرية والأمنية، هو الحامي لوحدة البلاد، ولا يمكن للمعارضة أن تركب مخططات من شأنها أن تفكك البلاد، أو تقترن بتجزيئها. ولذلك فشل مخطط تأجيج الشارع.

عسكريا، فرغم أن النظام في إيران تلقى ضربات موجعة، في بناه العسكرية ومنصات الصواريخ ومخزونها، ومضادات الطائرات، ومصانع الأسلحة، وإغراق السفن، فإنه استطاع أن يوجّه ضربات دقيقة لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، ما أثار دهشة الأمريكيين والإسرائيليين من دقة إصابة الأهداف، وهو التطور الملحوظ قياسا مع حرب الـ12 يوما.

سعى النظام، أو جناحه المتشدد، إلى أن يوسع دائرة المواجهة، باستهداف دول الخليج، والعراق، والأردن، وأن يذهب أبعد في دائرة المواجهة مستهدفا أذربيجان، وتركيا، وقبرص.

ينطوي طبعا هذا الخيار على مخاطر، ويذهب إلى الحد الأقصى، أو مغامرة غير محسوبة، وينمّ عن يأس.. وليس واردا، لا تكتيكيا ولا إستراتيجيا، أن ينطوي على أصول؛ أي إيجابيات، ومن شأنه أن يرهن مستقبل إيران ومحيطها، وبالأخص مع دول الخليج، أو حتى مع تركيا.

نقل الحرس الثوري المعركة إلى الجانب الاقتصادي، بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، أو استهداف سلاسل إمدادات البترول والغاز، من أجل إحداث أزمة وصدمة نفطية. وتحرك حزب الله، على الجبهة اللبنانية، في معركة الإسناد، لكن ذلك لن يحدث توازنا عسكريا.

فالحرب الأمريكية الإيرانية هي من الحروب غير المتكافئة، والحروب غير المتكافئة لا يحسمها بالضرورة العامل العسكري. من هنا تسارع الولايات المتحدة في ضبط الزمن، وتراهن إيران على استطالة أمد المواجهة. فكلما طال أمد الحرب، تضاعفت الآثار السلبية لها، على المستوى الاقتصادي، وأثر ذلك سلبا على الأسواق العالمية وأسهم في التضخم، وتأثر العالم على المستوى الجيو سياسي.

القاعدة الانتخابية لترمب حركة ماغا (أمريكا أولا) لم تعد تخفي موقفها من الحرب بل صار تشجبها بصوت عالٍ، والتصدعات بدأت تسري في الحزب الجمهوري، وهو ما سيوظفه الحزب الديمقراطي في أفق الانتخابات المرحلية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

إعلان

فكيف يمكن لترمب أن يدير دفة الحكم، هو الذي اعتاد ألا ينازعه مركز قوة آخر، مع كونغرس لا يسيطر عليه الجمهوريون؟ هل يمكن أن ينطوي التفوق العسكري الأمريكي، الذي ليس موضع جدال، على هزيمة إستراتيجية ليس للرئيس ترمب وحده، بل للولايات المتحدة؟ أليس من المستفيدين من الحرب الدائرة رحاها ما بين الولايات المتحدة وإيران، غريما الولايات المتحدة: الصين، وروسيا؟

أما إيران، مع سيادة الحرس الثوري، وبحكم توجهه الثوري، وثقافته الاستشهادية، فلا يرى ضيرا في تمدد لهيب المواجهة، وانتشار أوارها. لكنه خيار تكتيكي فاشل، ينطوي على مخاطر إستراتيجية من شأنها أن ترتد على إيران، وتؤثر سلبا على الشعب.

في خضم الحرب، أعاد بنيامين نتنياهو مخطط هندسة شرق أوسط جديد، يقوم على عناصر متداخلة:


* أولا؛ إسقاط النظام في إيران، المدخل لإعادة صياغة خريطة الشرق الأوسط.
* ثانيا؛ إسرائيل كبرى.
* ثالثا؛ إعادة رسم الخرائط بداخل دول الشرق الأوسط، وطبعا الإجهاز النهائي على القضية الفلسطينية بالضم الكامل للضفة الغربية، وتحويل غزة إلى محمية "بانتوستان"على غرار ما جرى في جنوب أفريقيا إبان نظام الأبارتيد، مع حلم ريفييرا يراود ترمب؛ أي أرض خلاء، أو عقار على الأصح، من دون أصحابها.

هل يمكن للأمن والسلم أن يسودا المنطقة، مع شبح مخططات أسوأ من سايكس بيكو؟ هل سيكون نصر ترمب العسكري- لأن لا أحد يجادل في القوة الضاربة للولايات المتحدة- نصرا على شاكلة القائد الروماني بيروس "Pyrrhus"، الذي انتصر في المعركة، ولكن ثمن المناجزة كان القضاء على جيشه، وأضحى التعبير وصفا لنصر عسكري وهزيمة إستراتيجية؟

هل يمكن للعالم أن يبقى من دون ضوابط قانونية وأخلاقية؟ يمكن ذلك مرحليا، ولكن غياب مرجعية قانونية هو ما يفتح الباب على مصراعيه لشريعة الغاب، ويؤثر سلبا على مقتضيات التعاون، وهو ما قد يتهدد حتى الكبار.

نعم سقطت المنظومة العالمية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وآن الأوان للتفكير في ضوابط جديدة.

أما العالم العربي، بكل مكوناته، فيوجد أمام تحدٍ وجودي، أن يكون أو لا يكون. هل يمكن أن يرتهن لقوى عالمية لا تراعي إلا مصالحها الإستراتيجية؟ وهل يقبل أن يكون موضوعا لقوى إقليمية، تتنازعه، وتتحكم فيه؟

شأن إيران يخص الإيرانيين، ولكن إيران المقبلة، حتى مع استمرار النظام الحالي، مطالبة بثورة جديدة، تنهي أحلام الهيمنة، وتتأسى بالواقعية والبراغماتية، والتفاعل الحضاري مع جيرانها عوض المواجهة أو الوصاية، بل وربما كتابة قواعد جديدة في دفاتر الحكم، باستحضار ما كان غائبا، وهو السيادة الشعبية، أو إن شئنا بريستريوكا (إعادة تنظيم) جديدة، لصالح إيران وتاريخها وشعبها، في وئام مع شعوب المنطقة في الخليج والجزيرة العربية، بل العالم العربي. ولا تزال الحاجة ماسة للوساطة لما بعد الحرب، أثناء الحرب.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا