في أحد أيام الحرب العالمية الثانية الدموية، وتحديدا في 3 مارس عام 1945، ارتكبت القوات الجوية الملكية البريطانية خطأً كارثياً خلّدته الذاكرة الهولندية.
في غمرة الصراع الضاري مع آلة الحرب النازية، قصفت الطائرات البريطانية بالخطأ حي "بيزويدنهوت" السكني في مدينة لاهاي، ليلقى مصرعه نتيجة هذا الخطأ 511 مدنيا، بين لاجئ وسكان أصلي، في مأساة لا تزال ذكراها حية مثقلة بالأحزان.
كانت مهمة سرب القاذفات البريطانية في ذلك اليوم موجّهة في الأساس نحو غابة "لاهاي" القريبة، حيث نصب الألمان منصات إطلاق سرية لصواريخ "في-2" الباليستية، تلك الصواريخ بعيدة المدى التي شكلت تهديدا للعاصمة البريطانية لندن. في منتصف عام 1944، نقل الألمان هذه المنصات إلى الأراضي الهولندية المحتلة، ومنها انطلق أول صاروخ باتجاه لندن في الثامن من سبتمبر. استمر وابل الصواريخ حتى السابع والعشرين من مارس 1945، حين أطلقت ألمانيا النازية 1115 صاروخا باتجاه بريطانيا، استقر 517 منها داخل حدود لندن، مخلفة وراءها دمارا ورعبا كبيرين.
واجه البريطانيون منذ البداية صعوبات كبيرة في تحديد مواقع إطلاق هذه الصواريخ بدقة. كانت التقديرات المعتمدة على الرادار ومحطات الرصد الضوئية والصوتية غير مضبوطة، إذ كان هامش الخطأ يصل في أحسن الأحوال إلى كيلومترين. لم تفلح محاولات الاستعانة بأفراد المقاومة السرية، أو المعلومات التي تجمعها طائرات الاستطلاع، في رسم صورة دقيقة تماما عن المواقع الحقيقية لهذه المنصات المموهة بإحكام. مع ذلك، وبناء على هذه المعلومات غير الكاملة، كثف الحلفاء غاراتهم الجوية على البنية التحتية الألمانية في هولندا، مستهدفين خطوط الإمداد والمصانع والمنشآت المشبوهة.
في فبراير 1945، نفذت القوات الجوية البريطانية 933 طلعة جوية وألقت 192 طنا من القنابل على مواقع صواريخ "في-2" في محيط لاهاي. زعمت التقارير البريطانية أن هذه الغارات كبّدت وحدات الصواريخ الألمانية خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، إلا أن هذه الضربات، التي كانت السلاح الوحيد المتاح لمواجهة الصواريخ الباليستية، كانت تُنفذ غالبا بطريقة "القصف بالسجاد"، ما يعني تدمير كل شيء على مساحة واسعة، دون القدرة على تمييز الأهداف العسكرية بدقة عن المباني المدنية.
جاءت الكارثة الكبرى في صباح الثالث من مارس. بسبب سوء الأحوال الجوية والغيوم الكثيفة، وقراءة خاطئة للخرائط من قبل الطيارين، إضافة إلى أخطاء في تقدير سرعة الرياح واتجاهها، انحرفت القنابل عن هدفها المقصود في حديقة "هاغسي بوس" المجاورة، لتسقط كالمطر على حي بيزويدنهوت المكتظ بالسكان. كان الوضع الإنساني في الحي في غاية الصعوبة، إذ كان يؤوي لاجئين هولنديين فروا من مناطق أخرى تحت وطأة الاحتلال النازي. الأدهى من ذلك، أن المدينة كانت تعاني آنذاك من نقص حاد في معدات الإطفاء والرجال القادرين على مكافحة الحرائق، ما جعل النيران المشتعلة تلتهم المباني دون أن تجد من يقف ضدها.
بين الساعة الثامنة والتاسعة صباحا، ألقت القاذفات البريطانية 67 طنا من القنابل على الحي المسالم، فإذا به يتحول في لحظات إلى جحيم لا يطاق. لم تقتصر الخسائر على الأرواح البشرية، بل طالت البنية التحتية بشكل مروع، حيث تحولت المتاجر والمدارس والكنائس إلى أكوام من الركام. تشرد عشرات الآلاف من السكان، وأجبروا على العيش في مساكن مؤقتة بائسة.
وصفت صحيفة "تراو"، التي كان يصدرها أعضاء المقاومة الهولندية سرا، المشهد المرعب قائلة: "رأينا عمودا هائلا من الدخان يزحف نحو الجنوب. سمعنا صفير القنابل وهي تنهال على بيزويدنهوت، بعضها سقط على بعد مئات الأمتار فقط، ناشرا الموت والمعاناة. المباني تحترق والمدينة تختنق والدخان يملأ الأرجاء، والرجال يجرون أثاثهم في الشوارع في محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه". زادت الرياح الغربية القوية الطين بلة، فوسعت رقعة الحرائق وزادت من عدد الضحايا الذين احترقوا تحت الأنقاض.
أمام فداحة الكارثة وحجم الخسائر البشرية التي ذهبت ضحية خطأ فادح، أسرعت السلطات البريطانية إلى الاعتراف بخطئها، وفي محاولة لتقديم نوع من الاعتذار، أسقطت منشورات فوق مدينة لاهاي تعرب فيها عن خالص تعازيها للشعب الهولندي، معترفة بأن المدنيين الذين سقطوا كانوا ضحايا خطأ غير مقصود.
اليوم، لا تزال هذه الذكرى الأليمة حية في وجدان الهولنديين. في يوم الأحد الأول من شهر مارس من كل عام، يتوافد أهالي لاهاي والمسؤولون إلى "نصب الخطأ البشري"، حيث يقام حفل تأبين مهيب يتضمن وضع أكاليل الزهور تكريما لأرواح الضحايا الذين سقطوا في أحد أكثر أخطاء الحرب مأساوية، تخليدا لذكرى مدينة، غيّرها القصف إلى الأبد.
المصدر: RT
المصدر:
روسيا اليوم
مصدر الصورة
مصدر الصورة