في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
على الرغم من رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في إقناع العالم بحسن إدارته للحرب على إيران، ودعم الأمريكيين لها، فإن الصحف والمواقع الأمريكية رسمت صورة مختلفة تماما لبلد مزقته اختلافات الآراء، وأكد معظم سكانه معارضة قرار رئيسهم المتسرع ببدء حرب مكلفة ذات أهداف متذبذبة، وآثار خطيرة على المدى الطويل.
ويبدأ الانقسام من أعلى الهرم القيادي بين ترمب ونائبه جيه دي فانس، الذي عرف يوما من الأيام بانتقاده الشديد لانخراط البلاد في حروب أجنبية، ويمتد التوتر ليصل إلى أوساط الأمريكيين عامة، وأنصار " حركة ماغا" خاصة، حيث يهاجم بعض أعضائها بعضا بسبب سياسات الرئيس.
ويزيد من حدة هذه الانقسامات قلق حقيقي وعميق يسيطر على قلوب الأمريكيين حول أهداف ترمب الإستراتيجية من الحرب، فما يلبث ترمب أن يطرح حجة لتبرير إنفاق مليارات الدولارات على حرب لا تهم الشعب، حتى يقفز إلى حجة أخرى.
كما يزيد الوضع سوءا الاختلافُ الظاهر بين ما يود تحقيقه من الحرب، وأهداف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فبينما يود الأول إنهاء الحرب سريعا بعد تأمين الاستفادة من إمدادات النفط الإيراني، يذهب الأخير إلى أبعد من ذلك ساعيا للإطاحة بالحكومة الإيرانية.
وبين هذه الحسابات المختلفة والروايات المتضاربة، برزت عدة أصوات مناهضة للحرب على إيران، ليس بالضرورة لأسباب فلسفية أو أخلاقية، بل لأنها تُعدّ في نظرهم متعارضة مع المصالح القومية الأمريكية، وتزج بالجنود في حرب غير مبررة في نظر جل المجتمع الأمريكي.
وكان ترمب قد أقرّ بأن فانس كان أقل حماسا للحرب في بدايتها، لكنه أكد في الوقت نفسه أنه لم يكن هناك خلاف حقيقي بينهما. وقال ترمب إن "رؤيتنا الفلسفية اختلفت في البداية، وربما كان أقل حماسا للحرب مني قليلا، لكنه كان متحمسا أيضا ولم يكن بيننا خلاف".
مصلحة أمريكا "تكمن في عدم الدخول في حرب مع إيران، فهكذا حرب ستكون مكلفة للغاية وتشكل استنزافًا كبيرًا للموارد"
بواسطة جيه دي فانس في عام 2024
غير أن سجل تصريحات فانس خلال السنوات الأخيرة يظهر موقفا أكثر تعقيدا اتجاه التدخلات العسكرية الخارجية.
فبعد اندلاع الحرب، دافع نائب الرئيس عن الضربات الأمريكية، مؤكدا أن الهدف الرئيسي هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
وفي محاولة للتمييز بين الحرب الحالية والتجارب السابقة، رفض مقارنتها مع حرب العراق التي خدم فيها عام 2005 حين كان صحفيا عسكريا. وقال إن التدخل في العراق جرى دون هدف واضح، بينما أكد أن الإدارة الحالية حددت أهدافها بدقة فيما يتعلق بإيران.
لكن تصريحاته السابقة تعكس موقفا مختلفا تماما، مما يثير الشكوك بشأن مدى انسجام موقفه مع الرئيس، وفق التقرير.
ورصدت المجلة تقلب موقفه وتصريحاته، وفيما يلي قائمة تلخص تحول موقفه من الرفض الكامل للانخراط في حرب خارجية والإشادة بترمب بصفته رئيس "سلام"، إلى الدفاع عن منطق إشعال حرب إقليمية:
وقد أثار هذا التباين في التصريحات انتقادات داخل بعض أوساط "ماغا"، خاصة من مارجوري تايلور غرين -التي كانت من حلفاء ترمب في مجلس النواب قبل استقالتها في بداية هذا العام- حيث تساءلت عن سبب صمت فانس النسبي مقارنة بمواقف الرئيس ومسؤولين آخرين في الإدارة.
وخلصت المجلة إلى أن موقف فانس من الحرب على إيران مر بمراحل متعددة بين التحفظ والدعم، مما يعكس التوتر القائم داخل التيار السياسي الذي وعد خلال حملة 2024 بتجنب الحروب الخارجية والتركيز على الداخل الأمريكي.
ويبدو أن الانقسام داخل القيادة ليس سوى انعكاس لانقسام أوسع داخل المجتمع الأمريكي، حيث تكشف استطلاعات الرأي أن الحرب الحالية تحظى بأضعف دعم شعبي مقارنة ببدايات معظم الحروب الأمريكية السابقة.
يرى خبراء أن من أسباب ضعف دعم الحرب الحالية عدم وجود حملة سياسية واضحة لشرح أسبابها للرأي العام قبل اندلاعها
فبعد أيام قليلة من إطلاق الولايات المتحدة ضربات عسكرية ضد إيران، أظهرت استطلاعات الرأي أن غالبية الأمريكيين تعارض هذه العملية.
وأكدت نيويورك تايمز أنه حتى أعلى مستويات الدعم المسجلة للحرب الحالية تبقى أقل بكثير من مستويات التأييد التي شهدتها الولايات المتحدة عند بداية صراعات سابقة.
فعقب الهجوم الياباني على بيرل هاربر عام 1941، أيد 97% من الأمريكيين دخول الحرب العالمية الثانية. كما أظهر استطلاع غالوب عام 2001 أن 92% من الأمريكيين دعموا إرسال قوات إلى أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول.
وحتى الحروب التي أصبحت لاحقا غير شعبية بدأت بدعم واسع في البداية بحسب الصحيفة؛ فالحرب على العراق عام 2003 حظيت بتأييد 76% من الأمريكيين في اليوم التالي لبدئها، كما أيد 80% التدخل العسكري في بنما عام 1989.
أما تدخل الولايات المتحدة في كوسوفو عام 1999 فقد حصل على دعم بلغ 58%، وأقل من ذلك بلغت نسبة تأييد التدخل في ليبيا عام 2011 نحو 47%.
ويرى خبراء أن من أسباب ضعف دعم الحرب الحالية عدم وجود حملة سياسية واضحة لشرح أسبابها للرأي العام قبل اندلاعها؛ ولفتت الباحثة في العلاقات الدولية سارة ماكسي إلى أن الإدارات الأمريكية السابقة كانت تمضي وقتا طويلا في تبرير الحروب وإقناع الجمهور بضرورتها، كما حدث قبل غزو العراق عام 2003.
إلى جانب ذلك، أكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد ماثيو باوم للصحيفة أن للاستقطاب السياسي دورا مهمّا في تراجع ما يُعرف بتأثير "الالتفاف حول العلم"، وهو الميل التقليدي لدى الأمريكيين لدعم الرؤساء في بداية الحروب.
وأوضح الباحث أن هذا التأثير تراجع بشدة خلال العقود الثلاثة الماضية، مع ازدياد الانقسام الحزبي في الولايات المتحدة.
كما أن جزءا من قاعدة ترمب السياسية انتخبه أساسا على أساس وعوده بتجنب الحروب الخارجية والتركيز على الداخل الأمريكي، مما جعل اندلاع حرب جديدة موضع انتقاد وتشكيك حتى بين داعميه التقليديين، بحسب نيويورك تايمز.
وفي هذا الصدد، كشفت مواقع أمريكية عن انقسام غير مسبوق داخل التيار المحافظ في الولايات المتحدة، إذ لم يعد الجدل حول الحرب محصورا بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل امتد إلى داخل معسكر الرئيس نفسه، وخصوصا بين شخصيات إعلامية وسياسية بارزة في حركة "ماغا".
أبرز مظاهر هذا الانقسام هو المواجهة المتجددة بين السيناتور الجمهوري تيد كروز والمذيع المحافظ تاكر كارلسون، حيث تبادل الطرفان الهجمات بسبب الحرب على إيران وموقف الولايات المتحدة من إسرائيل، بحسب موقع بوليتيكو الأمريكي.
فقد وصف كروز كارلسون بأنه "أخطر ديماغوجي في البلاد"، متهما إياه بنشر معاداة السامية داخل اليمين الأمريكي. وقال خلال ندوة حول معاداة السامية في واشنطن إن أكثر الأصوات تأثيرًا في نشر هذه الأفكار هو كارلسون.
وجاءت تصريحات كروز ردا على تعليقات أدلى بها كارلسون في برنامجه، سخر فيها من السياسيين الذين يثقون في المعلومات الاستخبارية الإسرائيلية، واصفًا بعضهم، ومنهم كروز، بأنهم "سذّج"، وفق الموقع.
ويمثل هذا الخلاف، طبقا للتقرير، جزءا من صراع أوسع داخل الحزب الجمهوري حول العلاقة مع إسرائيل ودور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. كما يُنظر إليه بوصفه مواجهة مبكرة محتملة بين شخصيتين قد تسعيان للترشح للرئاسة في انتخابات 2028.
الحرب أحدثت شرخا واسعا داخل أوساط "ماغا" الإعلامية، حيث انقسم أبرز المعلقين المحافظين بين مؤيدين لسياسة ترمب ومعارضين لها
في الوقت نفسه، يشير تقرير آخر نشره موقع هيل الأمريكي إلى أن الحرب نفسها أحدثت شرخا واسعا داخل أوساط "ماغا" الإعلامية، حيث انقسم أبرز المعلقين المحافظين بين مؤيدين لسياسة ترمب ومعارضين لها.
فالمذيعان السابقان في فوكس نيوز ميغين كيلي وكارلسون كانا من أبرز المنتقدين للحرب في أيامها الأولى، إذ حذر كارلسون من مخاطر التصعيد مع إيران، واعتبرت كيلي أن محاولة تغيير النظام في طهران قد تتحول إلى خطأ سياسي كبير.
جو روغان استخدم منصته المشهورة على تطبيق يوتيوب ومنصات التواصل لانتقاد الحرب على إيران (أسوشيتد برس)ووجهت كيلي انتقادات حادة إلى السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام وإلى مذيع فوكس نيوز شون هانيتي بسبب دعمهما القوي للحرب، واصفة تصريحات غراهام المتشددة بأنها "مقززة"، وفق ما نقله هيل.
كما انضم المذيع الشهير جو روغان إلى منتقدي الحرب، بحسب الموقع، مشيرا إلى أن الكثير من الأمريكيين يشعرون بأنهم خُدعوا حين خاض ترمب حملته الانتخابية على أساس إنهاء الحروب الخارجية.
في المحصلة، تكشف هذه الخلافات أن الحرب على إيران لم تفتح جبهة عسكرية فقط، بل فجرت أيضا صراعا سياسيا وإعلاميا داخل المعسكر المحافظ الأمريكي، قد تكون له تداعيات بعيدة المدى على مستقبل الحزب الجمهوري والانتخابات الرئاسية المقبلة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة