آخر الأخبار

شاهد.. حين تتحول الأرصفة لمراكز إيواء للنازحين بلبنان

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بيروت- لم يكن فادي بلحس يتخيَّل أن سيارته الصغيرة ستتحول يوما إلى غرفة نوم لعائلته، فقد غادر بيته في الضاحية الجنوبية ل بيروت على عجل حين كثَّفت إسرائيل غاراتها وضرباتها العسكرية، تاركا خلفه فجأة حياة اعتاد عليها، مثل آلاف العائلات التي وجدت نفسها بلا خيار سوى النزوح، تحمل ما استطاعت من أغراض، وتبحث عن ملاذ يحميها.

كان فادي يظن أن الأمر مؤقت في البداية، ساعات قليلة، ثم العودة إلى روتين يومي؛ تعج فيه البيوت والمدارس بالحياة، لكن الأيام امتدت، ومعها بدأت رحلة مختلفة تماما، عنوانها القلق الدائم ومحاولات التكيّف مع واقع صارخ وقاس، حيث كل لحظة تشبه تحديا جديدا.

ولدى فادي 3 أولاد، لكل واحد منهم مخاوفه في هذا النزوح الكبير، لكن القلق الأكبر يرافق ابنه الأوسط، ذو التسعة أعوام ويعاني من الربو، حيث أصبح كل نَفَس عميق معركة بحد ذاتها.

ويشرح فادي للجزيرة نت، التي زارت المكان وعاينت أوضاع النازحين عن قُرب، سبب لجوئه إلى الرصيف والنوم داخل سيارته قائلا "أماكن الإيواء مزدحمة جدا، وهناك عشرات وربما مئات الأشخاص في مساحة واحدة، يغرقون بالضجيج والروائح والتدافع، ويمكن أن يتحول كل هذا بالنسبة لطفلي الذي يجد صعوبة في التنفس إلى خطر حقيقي".

مصدر الصورة سيارات تحولت إلى غرف نوم مؤقتة لعائلات هجّرتها الحرب من بيوتها (الجزيرة)

عمق المأساة

وليس بعيدا عما يعيشه فادي، جلست مريم شهاب على رصيف عين مريسة القريب من ساحل العاصمة بيروت، والبرد يتسلل بخفة بين خيوط معطفها البالي، عيناها الحزينتان بأثقال رحلة نزوح لم تكتمل بعد تحملان التعب، وكل خطوة قطعتها تركت أثرا لا يمحى على وجهها وفي قلبها. تقول مريم للجزيرة نت، إن المدينة نفسها تعكس مأساة النازحين الذين لا يجدون مأوى، وكأن الطرقات لا تعرف الرحمة.

ولجأت مريم وعائلتها إلى كل مكان يمكن أن يمنحهم سقفا، لكن كل الأبواب أغلقت في وجوههم، وكل الغرف الموعودة كانت مزدحمة حتى الاختناق، وتشير إلى أن الأماكن المخصصة للإيواء، مثل المدينة الرياضية، لم تكن أكثر من سراب، وعد بلا أرضية صلبة، وحلم بمأوى تحوّل إلى وهم.

إعلان

واليوم، تقيم مريم مع 22 شخصا في حافلة صغيرة، كل زاوية فيها مكتظة بالناس.

وحتى الانتقال إلى فندق يُفترض أنه مأوى لم يكن حلا، بحسب مريم، فالمبنى كان مجرد هيكل محطم، بلا ماء أو كهرباء، ودون أي مقومات للحياة الأساسية؛ فالاستحمام أصبح حلما بعيد المنال، وغسل الملابس رفاهية مفقودة. والأطفال، في مواجهة التعب والبرد، يسقطون ضحايا لحمّى ترتفع في أجسادهم الصغيرة كل يوم، لتزيد المعاناة عمقا، وتترك مريم محاصرة بين رغبة حماية عائلتها وواقع قاس لا يرحم.

معاناة الكل

وعلى رصيف آخر، جلست الحاجة زينب داخل سيارة قديمة تحوّلت لمأوى مؤقت لها ولأسرتها. وهي تنحدر من بلدة الطيبة، وتهجّرت مع عائلتها من برج البراجنة. اليوم، داخل السيارة ينام 12 شخصا، بينهم طفلان صغيران، في مساحة ضيقة لا تكاد تتحرك فيها أجسادهم، "لا نوم مريح، ولا راحة، في ظل شعور دائم بالقلق وعدم الأمان".

وعن سبب عدم انتقالهم إلى مراكز الإيواء، تقول الحاجة زينب إن المدينة الرياضية فُتحت كملجأ، لكن الحمّامات هناك بلا تجهيزات صالحة للاستخدام، لا نظافة، ولا أدوات أساسية، وكأن الإنسان قد نُسي تماما في تفاصيل المكان. كل يوم يمر، وهم يحاولون العيش بما تبقّى من صبر وأمل.

مصدر الصورة الأرصفة شكلت مأوى للنازحين الفارين من الضاحية الجنوبية بفعل القصف الإسرائيلي (الجزيرة)

وبعد الحديث مع زينب، بدا واضحا أن هذه المعاناة ليست حالة فردية، بل واقع يعيشه العديد من النازحين. انتقلنا إلى المدينة الرياضية وسط بيروت، حيث تواجه الأسر التحديات نفسها لكن في نطاق مؤسساتي.

وهناك قابلنا زهوة، القادمة من بعلبك وسكان الضاحية الجنوبية، التي صُدمت فور دخولها الخيمة برائحة خانقة وعدم وجود أي تجهيزات أساسية. إذ تعكس قصتها الصورة الكبرى لما شهدته زينب على الرصيف: إرهاق، واكتظاظ، وانعدام أي خدمات تضمن حياة كريمة، رغم وعود المراكز الرسمية.

والمدينة الرياضية، بهذا المعنى، ليست أكثر من امتداد لمعاناة الشوارع، ولكن في مساحة مؤسساتية مكتظّة، حيث تظل الاحتياجات الأساسية غائبة، والآمال معلقة على الصبر والانتظار.

مصدر الصورة المدينة الرياضية امتداد لمعاناة الشوارع مكتظة ودون احتياجات أساسية (الجزيرة)

وتقول زهوة، وهي تتنقل بعينيها بين وجوه الأطفال وأقاربها، لا يوجد فرش مريح، ولا تدفئة، ولا كهرباء، ولا أي تجهيزات تجعل المكان صالحا للبقاء فيه.

ومنذ بداية الغارات، وهم على هذا الحال، بلا اهتمام أحد والطعام يأتي متأخرا، ساعات بعد الغروب، ومعه مناقيش (مخبوزات) يابسة لا تصلح للأكل، بينما هم صائمون وينتظرون مجرّد لقمة دافئة.

وبين الغضب والحزن، تتمنى زهوة شيئا واحدا: أن يجدوا مكانا يعيشون فيه بكرامة، فالخيمة لم تعد ملجأ، بل سجنا صغيرا يختصر معاناة كل من تهجّر من بيته.

وفي هذه المدينة التي لا تهدأ، تتحول الشوارع إلى مرايا للمأساة، والسيارات والخيام إلى بيوت مؤقتة، بينما تظل المدينة الرياضية رمزا للوعد الذي لم يتحقق، ومركزا يعكس حجم الأزمة: ضعف الموارد، واكتظاظ المراكز، وغياب الخدمات الأساسية، وإهمال الدولة لاحتياجات النازحين.

جهود بما توفّر

من جانبه، يقول المدير العام لمؤسسة مخزومي، سامر الصفح، للجزيرة نت "بدأنا بتجهيز أول بلوك (قسم) لاستقبال أهلنا النازحين، وتمكّنا من استضافة أول 500 شخص الآن ونعمل على تجهيز بقية المساحات لاستيعاب المزيد".

إعلان

والجهود لا تقتصر على المؤسسة وحدها، ف اللجنة الدولية للصليب الأحمر ووزارة الشؤون الاجتماعية وغرفة الطوارئ، إلى جانب جمعيات محلية ودولية، تعمل جميعها على تلبية الاحتياجات الإنسانية، في ظل حجم طلبات يفوق القدرة الاستيعابية، وأي خطوة تتطلب تنسيقا دقيقا وساعات طويلة من العمل المضني.

مصدر الصورة المدينة الرياضية تفتح أبوابها لاستقبال أول 500 نازح وتحاول توفير احتياجاتهم قدر الإمكان (الجزيرة)

وأضاف الصفح "المكان لم يكن مهيأً لاستقبال هذا العدد الكبير، فإعداد الحمامات وتأمين المياه والكهرباء استغرق ساعات من العمل المكثّف، ومع ذلك نواصل تجهيز المدينة بأسرع وقت ممكن لضمان راحة الناس والحفاظ على كرامتهم".

وعن انقطاع الكهرباء والخيم، أوضح "تمكّنا من تشغيل مولد كهرباء، لكنه لا يكفي وحده لأنه يحتاج إلى مازوت دائم، ونعمل على تأمين مصادر طاقة إضافية، وهناك جمعيات تساعد في توفير الطاقة الشمسية بسرعة".

حتى الخيم نفسها شهدت تحديثا سريعا، بعد أن تبين أن أول دفعة لم تكن في المستوى المطلوب، تابع الصفح قائلا "استبدلنا بها خيما أفضل، بفضل جهود الصليب الأحمر، لأن هدفنا أن يشعر الناس بالراحة والكرامة، حتى في أصعب الظروف".

مصدر الصورة المركبات تحولت لمساكن تؤوي النازحين في ظل عدم وجود مراكز للإيواء (الجزيرة)

طفلة نازحة تلهو داخل خيمة عائلتها في المدينة الرياضية في بيروت (الجزيرة)

المدينة الرياضية التي اكتظت بالنازحين تحاكي معاناة الشوارع حيث الازدحام وغياب للاحتياجات (الجزيرة)
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا