تحت ضغط المواجهة العسكرية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، عادت إلى الواجهة تساؤلات “قديمة” حول مدى قدرة النظام العربي على بناء منظومة دفاع جماعي قادرة على مواجهة التهديدات الإقليمية.
وزادت هذه التساؤلات مع الهجمات الإيرانية التي استهدفت دولًا عربية، وما تبعها من ردود دفاعية شاركت فيها دول خليجية إلى جانب العراق والأردن، وبرزت مجددًا دعوات لإحياء مشروع “القوة العربية المشتركة”، بوصفه أحد الخيارات المطروحة لتعزيز الأمن الإقليمي.
وفي هذا السياق، دعا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال اجتماع لمجلس جامعة الدول العربية عُقد عبر تقنية الفيديو كونفرانس، في 8 مارس الجاري، إلى ضرورة تفعيل مفهوم الأمن القومي العربي وتفعيل أطر التعاون العربي المشترك للتعامل بفاعلية مع التهديدات القائمة، بما في ذلك إعادة طرح فكرة تشكيل “قوة عربية مشتركة”.
وليست هذه الدعوة الأولى من نوعها؛ إذ سبق أن طرحت مصر الفكرة خلال القمة العربية التي عقدت في شرم الشيخ عام 2015، حيث رحبت القمة بالمبادرة ودعت جامعة الدول العربية إلى وضع بروتوكول لتأسيس هذه القوة.
وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حينها، الحاجة إلى إنشاء قوة عربية مشتركة لمواجهة ما وصفه بـ”تهديد غير مسبوق”، يتمثل في تصاعد نشاط الجماعات الإرهابية والنزاعات المسلحة في المنطقة.
ظهرت فكرة القوة العربية المشتركة أساسًا في سياق أمني معقد شهدته المنطقة خلال العقد الماضي، مع تصاعد نشاط التنظيمات المسلحة ذات الطابع الراديكالي مثل تنظيم تنظيم داعش وجبهة النصرة وغيرهما من الجماعات التي مارست العنف ضد المدنيين في عدة دول عربية.
وتمحورت الفكرة حول بناء آلية عربية قادرة على حماية الأمن الداخلي للدول العربية عبر إطار بروتوكولي ينظم عمل القوة ويحدد مهامها.
غير أن ترجمة هذه الفكرة على أرض الواقع تعطّل نتيجة وجود خلافات بين الدول العربية، أبرزها خلاف حول مسألة القيادة، كما يوضح المستشار في كلية القادة والأركان المصرية اللواء أسامة محمود كبير.
وانصب الجدل حول الدولة التي ستقود هذه القوة، ومن سيتولى منصب رئيس الأركان، إضافة إلى قطاع العمليات، وهو هيكل وظيفي كبير يشمل عناصر التسليح والتنظيم.
وإذ يؤكد كبير أن مصر تُعد من أبرز الدول المؤهلة لقيادة المكون العسكري في مثل هذا المشروع، يشير إلى أزمة أخرى برزت لاحقًا، تتعلق بمدى ارتباط هذه القوة بالقانون الدولي وما قد يترتب على ذلك من أبعاد خارجية.
كما لفت إلى أن هناك مخاوف ظهرت آنذاك بشأن كيفية الحفاظ على استقلالية هذه القوة، بحيث لا تتعرض لتدخلات خارجية، وألا تتمكن أي قوى عظمى من منعها من تنفيذ مهامها إذا تعارضت مع مصالح بعض هذ الدول.
عقب الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قادة من حركة حماس في قطر في سبتمبر عام 2025، عاد موضوع الدفاع العربي المشترك إلى الواجهة مرة أخرى مع انعقاد قمة عربية-إسلامية عاجلة في الدوحة لبحث تداعيات الهجوم.
ورغم طرح فكرة “القوة العربية المشتركة” خلال النقاشات، فإن البيان الختامي للقمة لم يتضمن مشروعًا نهائيًا لتأسيس هذه القوة، واكتفى بالتأكيد على الالتزام الثابت بسيادة واستقلال وأمن جميع الدول الأعضاء والمسؤولية الجماعية في مواجهة أي اعتداء يمس أمن الدول الأعضاء.
ومع ذلك، لم تصدر عن القمة قرارات تنفيذية واضحة تحدد آليات عملية للدفاع المشترك أو خطوات محددة لتفعيل هذا الالتزام.
ويرى الدكتور محمد الحبابي، الباحث السعودي في العلاقات الدولية، أن فكرة إنشاء قوة دفاعية عربية ليست جديدة، بل ترتبط تاريخيًا بمفهوم الدفاع العربي المشترك داخل جامعة الدول العربية.
ويشير إلى أن العديد من الأزمات التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، مثل الانقسام في ليبيا والصراع في السودان والأزمة اليمنية، تعكس الحاجة إلى آلية دفاع جماعي أكثر فاعلية للتعامل مع الأزمات الأمنية المعقدة.
ويستشهد الحبابي بتجربة “قوات درع الجزيرة” التابعة لمجلس التعاون الخليجي، والتي تأسست عام 1981 كقوة دفاعية مشتركة بين دول الخليج، مؤكداً أن التدريبات العسكرية المشتركة والتنسيق الدفاعي بين الجيوش العربية يمكن أن يمثل نواة لتأسيس جيش عربي دفاعي في المستقبل.
يشكك مراقبون وخبراء عسكريون في نجاح محاولات إنشاء قوات عربية مشتركة بسبب العقبات السياسية.
ويشير الخبير الاستراتيجي اللبناني العميد الركن جورج نادر إلى تجربة قوات الردع العربية، التي أُنشئت في سبعينيات القرن الماضي، لكنها لم تستمر طويلًا بسبب انسحاب معظم القوى المشاركة فيها.
ويعتبر نادر أن المشكلة الأساسية لا تكمن في الجانب العسكري بقدر ما ترتبط بغياب قرار سياسي عربي موحد، “إذ أن كثيرًا من قرارات الجامعة العربية ظلت حبرًا على ورق بسبب الخلافات بين الدول الأعضاء”، ويرى أن هذه الانقسامات تمثل العقبة الرئيسة أمام أي مشروع لتشكيل قوة عربية مشتركة، حتى وإن توافرت القدرات العسكرية اللازمة.
ومع اتساع ساحات الصراعات المسلّحة في المنطقة، يرى كبير أن إعادة طرح فكرة القوة العربية المشتركة تعكس إدراكًا متزايدًا لدى بعض الدول العربية بإمكانية انتقال تداعيات الصراعات الإقليمية إلى دول أخرى.
“هذا الواقع يعزز الحاجة إلى قوة عربية تمتلك الشرعية السياسية والقدرة العسكرية للتدخل في حالات الطوارئ، بما يسهم في منع الفوضى وحماية الأمن الإقليمي”، يضيف كبير.
وبين الدعوات المتجددة لإحياء مشروع “القوة العربية المشتركة” ومحاولات تجاوز التعقيدات التي عطّلت تنفيذها حتى الآن، يبقى السؤال مطروحًا: هل تدفع التحولات الأمنية المتسارعة في المنطقة الدول العربية إلى تجاوز خلافاتها وبناء منظومة دفاع عسكري مشترك، أم أن المشروع سيظل فكرة تتجدد مع كل أزمة دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ؟
المصدر:
الحرة