الحرب تخلق اقتصاد كهرباء موازياً في غزة بقيمة نصف مليار شيكل سنوياً..
منذ أكتوبر 2023، نشأ في قطاع غزة اقتصاد كهرباء موازٍ تقدر قيمته بنحو نصف مليار شيكل سنوياً، تقوده مولّدات خاصة بعد انهيار شبكة الكهرباء العامة نتيجة الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ قرابة ثلاث سنوات.
قبل اندلاع المواجهة، كان التيار الكهربائي يصل إلى منازل غزة نحو 8 ساعات يومياً مقابل 8 ساعات فصل، ويتحسّن أحياناً في الفصول المعتدلة. لم يكن الوضع مستقراً، لكن الشبكة العامة كانت قائمة، والعجز معروف، وكانت الكهرباء حقاً عامّاً يُوزّع بالتقنين.
لكن اليوم، وبعد أكثر من عامين، لم يعد هناك جدول تقنين أصلاً. فقد أعلنت شركة توزيع كهرباء غزة أن القطاع حُرم من نحو 2.1 مليار كيلوواط ساعة من الكهرباء وذلك منذ 7 أكتوبر 2023 تاريخ هجوم حركة حماس على جنوب إسرائيل. وقد تم تسجيل خسائر أولية تتجاوز 728 مليون دولار في قطاع التوزيع وحده.
وتعرضت أكثر من 70% من شبكات الكهرباء للتدمير الكلي أو الجزئي، ودُمرت 5080 شبكة توزيع و2235 محولاً كهربائياً، إضافة إلى نحو 235 ألف عدّاد، وهو رقم يعكس العدد الكبير للمنازل والمنشآت التي خرجت فعلياً من منظومة القياس والتوزيع. كما دُمّرت 90% من المخازن و80% من الآليات، وتوقفت 100% من المصادر التجارية المغذية للقطاع.
يحتاج قطاع غزة ما بين 400 و600 ميغاواط لتغطية الطلب، وهو لم يعد يتلقى عملياً أي إمداد مستقر بعد توقف محطة التوليد وانقطاع خطوط التغذية. ومع انهيار المنظومة العامة، نشأ اقتصاد كهرباء موازٍ تقوده مولدات خاصة تعمل بنظام “الأمبير”.
وإذا اعتمدت 150 ألف أسرة فقط على هذا النظام بمتوسط 250 شيكلاً شهرياً، فإن حجم السوق يبلغ نحو 37.5 مليون شيكل شهرياً، أي أكثر من 450 مليون شيكل سنوياً. وإذا ارتفع المتوسط إلى 300 شيكل، فإن السوق قد يتجاوز نصف مليار شيكل سنوياً.
في ظل اقتصاد انهار فيه الإنتاج الصناعي وتراجعت القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة، فقد أصبحت الكهرباء البديلة أحد أكبر مجالات التداول النقدي المتبقية.
الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر يقول ليورونيوز إن ما يحدث هو "تحوّل بنيوي من خدمة عامة تُدار مركزياً إلى سلعة خاصة تُشترى بالقدرة على الدفع". ويضيف أن عدد الأمبيرات أصبح مؤشراً اقتصادياً بحد ذاته. “الورشة التي تملك عشرة أمبير ليست كمنزل يملك أربعة. الأول قادر على الإنتاج، الثاني بالكاد ينير غرفتين. هذا يعيد رسم الفجوة الاجتماعية بشكل يومي”.
ويشير أبو قمر إلى أن معدلات الفقر تجاوزت 90%، فيما تعاني القطاعات الإنتاجية من شلل واسع، ما يجعل فاتورة الكهرباء البديلة عبئاً ثقيلاً. كما يلفت الخبير إلى كلفة غير مرئية للأزمة، مثل تلف الأجهزة بسبب عدم استقرار الجهد الكهربائي وارتفاع أسعار السلع نتيجة كلفة الطاقة.
في مخيم المغازي وسط القطاع، يشرح أصحاب المهن كيف تغيرت معادلة العمل في هذه الظروف.
محمد البحيري، صاحب ورشة حدادة، كان يشغّل مولداً بقدرة 15 كيلوواط يستهلك كميات كبيرة من السولار. يقول إن الكهرباء البديلة وفرت عليه تشغيل الماتور في كل مرة، ومكّنته من تنفيذ أعمال اللحام فور وصول الطلب. ورغم اعترافه بارتفاع السعر، يشير إلى أن أصحاب المولدات يتحملون بدورهم كلفة الوقود والزيوت والصيانة والعمالة أيضا.
بهجت إسماعيل، خياط في ذات المخيم، اعتمد في بداية الحرب على الطاقة الشمسية والبطاريات، لكن تعطل المعدات وصعوبة إدخال البدائل دفعاه للاشتراك في الكهرباء البديلة. وقد أكد ليورونيوز أن ورشته كانت ستغلق أبوابها لولا استمرار التيار، وأن التوقف غالباً يرتبط ب نقص الوقود أو أعطال فنية.
محمود زقوت، أحد المواطنين المستفيدين من هذه الخدمة، يرى أن الكهرباء البديلة وفرت عليه عناء شحن البطاريات خارج المنزل، لكنه يشير إلى أن سعر الكيلوواط، الذي يتراوح بين 15 و20 شيكلاً أحياناً، يشكل عبئاً يصعب تحمله، داعياً إلى تدخل يخفف الكلفة على المواطنين.
أما أحمد العاروقي، صاحب شركة تقدم خدمة الكهرباء البديلة في المخيم، فيوضّح ليورونيوز أن الشركة بدأت العمل بعد توقف الشبكات العامة بالكامل. ويشير إلى أن نقص قطع الغيار وارتفاع كلفة الزيوت والوقود يمثلان أبرز التحديات، موضحاً أن الخدمة تقدم حالياً من السابعة صباحاً حتى العاشرة مساء، مع طموح للتوسع إذا توفرت الموارد.
تؤكد شركة توزيع كهرباء غزة أن مبادرات الكهرباء البديلة خففت جزءاً من المعاناة اليومية، لكنها لا يمكن أن تحل محل شبكة عامة مستقرة.
محمد ثابت، مدير العلاقات العامة في الشركة، يقول ليورونيوز إن إعادة تشغيل محطة التوليد تتطلب إدخال محولات وكوابل ومعدات ثقيلة لإعادة تأهيل آلاف الكيلومترات من الشبكات المدمرة، إضافة إلى الوقود اللازم للتشغيل المستدام. ويشير إلى أن التيار المستقر ضروري لتشغيل آبار المياه ومحطات الصرف الصحي و المستشفيات ، ولا يمكن للمولّدات التجارية تعويض ذلك على نطاق واسع.
يرى أحمد أبو قمر أن استعادة المنظومة العامة لا ترتبط بالجاهزية الفنية فقط، بل بقرار سياسي. "طالما بقي إدخال الوقود وقطع الغيار والمعدات الثقيلة خاضعاً لقيود إسرائيلية وأمنية، فإن التعافي سيظل هشاً"، يقول.
ويضيف أن استمرار الاعتماد على اقتصاد الأمبير يعمّق نموذج الطوارئ ويؤجل إعادة بناء قطاع إنتاجي مستقر. فالكهرباء ليست مجرد خدمة، بل قاعدة تشغيل للمياه والصحة والصناعة والتعليم.
قبل الحرب، كان التيار يُقنّن لكنه حقّ عام ضمن شبكة مركزية، وإن كان بقدرة محدودة. أما اليوم، فالتيار متاح، لكنه أصبح سلعة تُشترى بالوحدة. وبين نموذجين للطاقة، يتحدد شكل التعافي المقبل في غزة.
السؤال لم يعد متى تعود الكهرباء فحسب، بل ما إذا كانت ستعود كخدمة عامة تعيد توزيع الطاقة بعدالة، أم أن اقتصاد الضوء الخاص سيترسخ كنموذج دائم في قطاع يعيش على الحد الأدنى من القدرة والطاقة والسيادة.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة