كابل- عند معبر إسلام قلعة الحدودي، جلس عبد الله عزيز فوق حقيبة سفر مهترئة بينما كان أطفاله الثلاثة يتشبّثون بوالدتهم، بعد أن عبروا الحدود عائدين من إيران، في انتظار وسيلة تُقلّهم إلى قريتهم في ولاية هرات غرب أفغانستان، حالهم يشبه مئات العائلات الأفغانية التي فرّت من نار الحرب عائدة إلى بلدها.
قبل أيام قليلة فقط، كانت هذه العائلة تعيش حياة مستقرة نسبيا في مدينة قُم الإيرانية، حيث عمل رب الأسرة عبد الله لسنوات في ورشة للبناء وتمكّن بالكاد من إعالة أسرته.
ولكنْ، مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة وتصاعد الهجمات على إيران وما رافقها من توترات واسعة في المدن الإيرانية اضطُرّت العائلة إلى اتخاذ قرار لم يكن في الحسبان: مغادرة إيران والعودة إلى أفغانستان على عجل.
وفي المكان، حيث تجولت الجزيرة نت تترقب أحوال العائدين تحدّث عبد الله عزيز بينما كان ينظر إلى أطفاله قائلا "لم نكن نخطط للعودة الآن. تركنا خلفنا كل شيء تقريبا؛ العمل والبيت وحتى بعض الأثاث".
ثم ما لبث أن أخبرنا عن الأيام الأخيرة التي عاشها في مدينة قُم والتي اتسمت بقلق متزايد بين العمال الأفغان، خاصة مع تصاعد التوترات بفعل كثافة الهجمات الإسرائيلية الأمريكية، وبات التفكير جديا لديه وللكثير من العائلات بالعودة إلى أفغانستان خشية تدهور الأوضاع فجأة.
تنفّس عبد الله الصعداء وواصل روايته بصوت بدا عليه الخوف والقلق: "كنا نتابع الأخبار باستمرار، ونرصد يوميا تطورات جديدة في إيران، وشعرنا أن البقاء قد يصبح أكثر صعوبة، فقررنا العودة قبل أن تتفاقم الأحداث".
وتشير شهادات عائدين آخرين إلى أن حالة من الفوضى والإرباك خيّمت على المدن الإيرانية بفعل القصف، ومنهم عطا الله نوري (31 عاما) الذي غادر العاصمة الإيرانية طهران على وقع "صراخ الجميع وبكائهم، وكان الناس يركضون خوفا مع زوجاتهم وأطفالهم، وبعضهم ترك الأطفال عند جانب الطريق أثناء الهروب".
وهو حال رصده أيضا، رشيد نظري (20 عاما) بتأكيده أن "معظم الناس كانوا يتجهون نحو البلدات الصغيرة لأن الوضع في المدن كان سيئا، وكان الإيرانيون يبحثون عن المؤن الأساسية".
وحتى القادم من مدينة أصفهان، وسط إيران وأكثر مدنها خطرا باعتبارها تضم مواقع نووية، رحمة الله سيد زاده (58 عاما) غادر المدينة عندما "رأينا الوضع يزداد سوءا، بدأنا نحن أيضا بالعودة. لم نتمكن من البقاء أكثر" يقول للجزيرة نت.
ووصف العائدون الازدحام في الأسواق ومحطات الوقود وأماكن بيع المواد الغذائية الإيرانية، حيث كانت الحشود غفيرة، وسط خوف واضح من استمرار الهجمات وتدهور الوضع الأمني.
ولم يكن قرار العودة سهلا لكثير من العائلات الأفغانية، فقد عاش معظمهم سنوات طويلة في مدن مثل قُم وطهران، وعملوا في البناء والزراعة وغير ذلك.
وعن ذلك تروي فاطمة كيلاني، وهي أم لخمسة أطفال للجزيرة نت حياة الهدوء التي عاشوها هناك، وذهاب أطفالهم إلى المدرسة، "وكنا نكسب قوت يومنا بصعوبة لكنْ بانتظام". لتأتي أخبار الحرب وتفزعهم وتزيد من قلق الحي بأكمله "فشعرنا أن البقاء قد يكون أخطر على أولادنا".
واضطر الكثيرون، كعامل البناء محمد رسول، إلى ترك جزء كبير من ممتلكاتهم خلفهم، بما فيها أثاث منازلهم وأدوات عملهم، بسبب ضيق الوقت وصعوبة النقل لمسافات طويلة.
وعلى عجلة حزم محمد حقائبه وغادر إيران دون أن يأخذ كل ممتلكاته، وكذلك حال "بعض العائلات التي كانت تبكي عند أبواب منازلها، وهي تترك وراءها سنوات من التعب والمجهود" يقول للجزيرة نت وهو منشغل بتجميع شتات أغراضه ليقصد المكان الذي يريد.
وتقول منظمات إنسانية إن موجة العودة الأخيرة تختلف عن سابقاتها، إذ تشمل عائلات كاملة تضم نساء وأطفالا وكبار سن، بعضهم عاش في إيران أكثر من عقد من الزمن.
ومنهم: ليلى رحماني، الأم لعائلة مكونة من 6 أفراد، والتي كانت تعيش حياة بسيطة وهادئة بدّدها تسلل الخوف والرعب إلى الحي والمدينة حيث كانت تسكن، ولم تتمكن من الانتظار أكثر، ولم يكن متاحا إلا "الرحيل، الخيار الأصعب. تركنا الكثير خلفنا".
وذكر المسؤول في جمعية المواساة الخيرية في ولاية هرات غربي أفغانستان، أحمد رحماني أن "عودة هذه العائلات بأعداد كبيرة تضع ضغطا كبيرا على المجتمعات المحلية، خاصة فيما يتعلق بتوفير السكن المؤقت والخدمات الأساسية مثل الغذاء والمياه والرعاية الصحية".
وأضاف للجزيرة نت "النساء والأطفال هم الأكثر هشاشة، ونحن نسعى لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لهم، بينما يكافح الكبار لإيجاد فرص عمل تُمكّنهم من إعادة بناء حياتهم".
وتشير أحدث بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمنظمات الإنسانية إلى أن موجة العودة من إيران و باكستان تُمثّل حركة ضخمة على مستوى السكان.
ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى الآن، عاد نحو 5.4 ملايين شخص من الدول المجاورة إلى أفغانستان، منهم حوالي 86 ألفا عادوا من إيران وحدها في أول شهرين من 2026. وأكبر موجات العودة كانت في 2025، حين رجع نحو 2.9 مليون أفغاني من إيران وباكستان.
لكنّ العودة إلى أفغانستان لا تعني نهاية المعاناة، فالعائلات التي أمضت سنوات طويلة في إيران تجد نفسها أمام واقع جديد يتطلب إعادة بناء حياتها من الصفر.
والبحث عن العمل أكثر ما يشغل عبد الله عزيز وأمثاله من العائدين، فهناك في إيران كانوا يعملون ويكسبون قوت يومهم "أما هنا فنبدأ من الصفر. أهم شيء الآن أن نجد عملا ونؤمِّن مستلزمات الأطفال". يقول عبد الله مضيفا "المهم أننا عدنا سالمين والباقي سنحاول تدبيره".
ويواجه العائدون تحديات كبيرة فيما يتعلق بالسكن والعمل والخدمات الأساسية، وسط محدودية الموارد وتزايد عدد العائدين في مدن مثل هرات و كابل وقندهار.
وتشير التقارير الإنسانية إلى أن تزايد أعداد العائدين يشكل ضغطا إضافيا على البنية المحلية والخدمات في أفغانستان، بما في ذلك المدارس والمراكز الصحية والمساعدات الغذائية.
ومع استمرار التوترات الإقليمية والهجمات المستمرة على إيران، يخشى كثير من العائدين أن تتواصل موجة العودة خلال الفترة المقبلة، ما قد يزيد من التحديات الاقتصادية والإنسانية داخل أفغانستان.
وبين الخوف من المستقبل والحاجة إلى الاستقرار، تظل العائلات العائدة أمام رحلة إعادة بناء حياتها وسط تحديات كبيرة، بينما تتابع المنظمات الإنسانية والمجتمع المحلي محاولة تقديم الدعم بأفضل شكل ممكن.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة