"أنا جارة الأقصى وممنوعة من الوصول إليه وحتى من الصلاة على أبوابه، وفوق ذلك أُلاحق وأُمنع من السفر"، ليس هذا فقط ما تعانيه الفلسطينية خديجة خويص، بل تحدثت للجزيرة نت عن سياسة إسرائيلية تستهدف تصفية وجودها المدني والاجتماعي في القدس وصلت حد حرمانها وأبناءَها من حقوق صحية ومالية.
فليست الطريق إلى المسجد الأقصى وحدها ما أُغلق في وجه المعلمة والمرابطة المقدسية خديجة خويص، فمع كل قرار جديد تتسلمه، تضيق المساحة حول حياتها أكثر، إبعاد عن الأقصى وعن الضفة الغربية ، ومنع من السفر، ومنع من التواصل مع بعض الشخصيات.
تحمل هذه القرارات تواقيع عدد من المسؤولين الإسرائيليين، كان آخرها قرار منع السفر الذي تسلمته الأربعاء الماضي ويحمل توقيع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو -المطلوب للمحكمة الجنائة الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب- والذي يُسيّر بعض أعمال وزير الداخلية المستقيل موشيه أربيل من حزب شاس، وتعتبر خديجة هذه القرارات محطات في رحلة طويلة من الرباط تحاول إكمال المسير في دروبها لتواصل سرد حكايتها مع القدس ومسجدها.
ويأتي قرار منع خديجة من السفر من قبل نتنياهو، بعد أقل من شهر من قرار مماثل بحق المقدسية هنادي الحلواني.
وُلدت خديجة عام 1977 في بلدة الطور بالقدس، وتلقت تعليمها في 3 مدارس بالمدينة، لكن محطة التعليم الأبرز تلك التي قضتها في مدرسة ثانوية الأقصى الشرعية للبنات الواقعة داخل ساحات أولى القبلتين، وخلالها اطّلعت أكثر على وضع المسجد، بحكم التواجد الدائم والمكثف خاصة في فترة الثانوية العامة.
التحقت خديجة بجامعة القدس للحصول على شهادة البكالوريوس متخصصة في القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، وحازت بعدها على شهادة الماجستير في أصول الدين من قسم التفسير بجامعة الخليل، وعلى شهادة الدكتوراه مؤخرا من جامعة النجاح الوطنية بالتخصص ذاته.
مع الانشغال بوظيفتها كمعلمة للتربية الإسلامية، وفي منزلها كزوجة وأم بات تواصلها مع الأقصى أقل، ولذلك اتخذت قرارا بترك التعليم في المدارس والانطلاق في رحلة الرباط في الأقصى في الوقت الذي شعرت فيه أن حدة الاقتحامات والاعتداءات تصاعدت.
وفي الأول من مارس/آذار من عام 2014 بدأت علاقتها كمرابطة في المسجد، و"كامرأة تعرف واجبها تجاه المقدسات" وفق حديثها للجزيرة نت.
"في الوضع الذي غُيّب فيه الرجل بالإبعاد والتضييق عليه، أو بسبب سعيه لكسب رزق أسرته، لا يعني ذلك أن المرأة تُعفى من العبء، وعلى ذلك أمثلة كثيرة في الإسلام من مريم عليها السلام إلى الكثير من الصحابيات والتابعات والمناضلات اللاتي كان لهن دور في حماية الأرض والعرض والمقدسات" تقول خديجة.
في حديثها أبحرت في رحلة الرباط هذه، وغاصت في تفاصيل لم تُسأل عنها خديجة من قبل، ومن بينها سؤالها عن أول موقف شعرت فيه أن وجودها في الأقصى أصبح شكلا من أشكال المواجهة أو الدفاع عنه.
وفي نبشها لذاكرتها عادت أكثر من عقد إلى الوراء، عندما كانت تمرر حلقة علم للنساء على إحدى مصاطب المسجد في 15 سبتمبر/أيلول من عام 2014، وكان ضباط من مخابرات الاحتلال يحومون حولها، وبمجرد خروجها من باب الحديد أخبروها أنها موقوفة، وبعد اعتقالها والتحقيق معها سُلمت قرار إبعاد عن المسجد لمدة 15 يوما.
لم يكن ذلك الإبعاد سوى حلقة الملاحقة الأولى في مسيرة الرباط، وتلتها عشرات القرارات التي أثرت على حياة السيدة الفلسطينية وعلاقتها بالمكان، تقول "أنا جارة الأقصى ولا يبعد منزلي سوى كيلومتر واحد عنه، ولا يمكنني الوصول إليه ولا حتى إلى أبوابه لأن الصلاة أمامها باتت ممنوعة أيضا بعد الحرب، ونُضرب ونعتقل ونطرد في حال وصلنا إليها".
تقول خديجة إن ما يجري معها دليل على ارتباط النساء بالمسجد، وعلى أنهن لم يُبعَدن إلا لوضوح أثرهن في الأقصى، ولأن الاحتلال لاحظ هذا الأثر وقيمته في تعزيز الارتباط بالمقدسات وحشد الناس للإتيان للأقصى وتوصيل قضيته، "ولأثرنا العظيم والراسخ قرروا (الإسرائيليون) ترسيخ مسألة الإبعاد بحقنا، ولم يزدنا الإبعاد إلا قُربا وإصرارا".
أسهبت خديجة في السرد عندما سألناها عن أصعب العقوبات خلال سنوات الرباط:
وفوق كل ما سبق، مرت خديجة بظروف صعبة عند مرض الزوج ولاحقا وفاته بسبب مرض السرطان قبل نحو عام ونصف، وهو "السند الأصلي والظهير، وسخره الله لي ليكون معينا لي في مسيرة الرباط".
أسهبت خديجة في حديثها عن عقوبة منع السفر التي ارتبطت بطبيعة أسفارها التي خُصصت للعبادة أو الدعوة أو لنشر قضية القدس والمسجد الأقصى و فلسطين والتوعية بها، فهي لا ترى في السفر متعة، ولا ترحالا بل تراه واجبا عليها تأديته، خاصة أنه شكل تعويضا عن منعها من الوصول إلى الأقصى "إذا منعوا أجسادنا من دخوله فألسنتنا لن تكف عن الحديث عنه".
سلمت سلطات الاحتلال خديجة أول قرار منع من السفر أواخر عام 2015 قبل ساعات من توجهها إلى الأردن للحصول على إجازة جديدة في القرآن الكريم، واستمر المنع حتى عام 2018.
وبعد رفعه لعامين متتاليين انطلقت هذه المرابطة في بث رسالة الأقصى إلى أرجاء العالم، فحلقت إلى تونس والكويت والبحرين والسعودية و تركيا والأردن وغيرها، بالإضافة إلى مشاركتها الافتراضية في كثير من المؤتمرات والندوات حول العالم.
مع بداية جائحة كورونا جُددت العقوبة ثم سُمح لخديجة بالسفر لمدة عام، لكن هذه العقوبة التعسفية تتجدد بحقها منذ أكثر من 3 أعوام بشكل دائم.
"يعتقدون أن منع السفر يقطع رسالة الأقصى لكن من يريد أن يخدم الأقصى لا يعدم الوسيلة، وهذه العقوبة قد تحدّ أو تؤخر من وظيفتنا، لكنها في النهاية جزء من الضريبة التي تفرض علينا لأننا نحب الأقصى وندافع عنه، ومنع السفر لا شيء مما يقدم في سبيل المقدسات والمسجد".
كان من بين الأسئلة التي لا بدّ من طرحها على المرابطة المقدسية، هو ما إذا شعرت في أي مرحلة أن هذه الإجراءات قد تدفعها للتراجع، فأجابت دون تردد "أبدا، والدليل أن مسيرتنا ما زالت مستمرة.. نحن مقيدون جدا ومع ذلك مستمرون لو بكلمة أو برأي، وإذا غبنا نحن فذرياتنا في الأقصى، وفي كل محافلنا ومواقعنا من أفراح وأتراح ومدارس وتجمعات. الأقصى هو العنوان، فلا تراجع، ولكن الحكمة تقتضي أن نحافظ على أنفسنا قدر الإمكان كي نستمر".
وهناك أوقات تجد خديجة نفسها قادرة على العطاء بشكل كبير، وأحيانا يكون العطاء مقيدا بسبب القيود المجحفة التي تقع عليها، وبالتالي "نحن نسدد ونقارب، ولسنا في مرحلة سكون وسبات الآن، بل في مرحلة تعامل حذر مع كل ما حولنا".
فالعلاقة هي ذاتها مع الأقصى والقدس، لكن التحرك قبل سنوات كان سلسا، أما اليوم فمخيف ومحفوف بالمخاطر، "فقبل يومين كنت في طريقي إلى مركز تحقيق المسكوبية للمثول لجلسة استماع لتجديد عقوبة منع السفر، وبمجرد وصولي إلى باب العمود أوقفني ضابط مخابرات وأخبرني أنني موقوفة، وتم اقتيادي إلى مركز شرطة القِشلة، وهناك تم تسليمي أمر إبعاد جديدا عن الأقصى، وتوجهتُ لاحقا للمسكوبية لأستلم القرار الآخر".
صور وعبارات كثيرة تمر بمخيلتها، تقول خديجة منها: "الأقصى عقيدة" و"نبيع للأقصى حياة" و"تُرد لنا روحنا وشبابنا بمجرد دخول الأقصى".
وتضيف "الأقصى عقدة انعقدت في قلوبنا ولا يوجد مجال للتراجع، ووصلنا إلى نقطة يجب ألا نلتفت فيها إلى الوراء، ولا يكون التقدم بطيئا رغم الظروف والتقييدات والظروف التي تحيط بنا".
نبشنا أيضا مشاعرها للحديث عما تشعر به حينما تسمع صوت الأذان من الأقصى، أو عندما تمر بمركبتها في الشوارع القريبة منه، تغيرت نبرة صوتها إلى نبرة خافتة حزينة وقالت: مشاعر مختلطة بين الغضب والحزن والمرارة، "فالأذان يرفع على مسامعي ولا أستطيع تلبيته سواء للصلاة أو التواجد في الأقصى، لكنْ عزاؤنا أن الأجر على النية أيضا وأننا ننال أجر العمل حتى لو بنيتنا تأديته".
ودّعنا المرابطة الصابرة ليس قبل أن نسألها عن أول ما تحرص على فعله عندما تنجح في دخول الأقصى لأيام أو لساعات بين الإبعاد والآخر، فقالت "أسجد سجود الشكر لأن الله رد إليّ روحي وراحتي، وأشعر أنني أمه التي غابت عنه لفترة طويلة ولا بدّ من تفقد كل ما فيه، وبالفعل أتفقد المصليات والمشارب والمصاطب".
كلما أتيحت الفرصة تحرص خديجة على الدخول إلى مصلى باب الرحمة أولا، وتتفقد جدرانه وسجاده وإضاءته وأبوابه وساحته وكل ما فيه لأنها تشعر أنه "مظلوم ويتيم ومقهور وحزين".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة