في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في ظل التصعيد العسكري بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أثار اعتذار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لدول الجوار جدلا خليجيا بين من رآه محاولة لخفض التوتر ومن اعتبره خطوة تكتيكية لإعادة ترتيب حسابات طهران.
وأعلن بزشكيان، في كلمة متلفزة، اعتذاره لدول المنطقة التي طالتها هجمات إيرانية خلال الأيام الماضية، مؤكدا أن مجلس القيادة المؤقت قرر وقف استهداف دول الجوار ما لم تُستخدم أراضيها أو أجواؤها منصة لشن هجمات على إيران.
وشدد الرئيس الإيراني على أن بلاده لا تُكنّ العداء لدول المنطقة، داعيا إلى العمل المشترك لضمان الأمن والاستقرار الإقليمي، كما أكد أن إيران لن تستسلم لما وصفه بالضغوط الأمريكية والإسرائيلية، وأنها ستواصل الدفاع عن سيادتها.
لكن توقيت الاعتذار أثار شكوكا واسعة، إذ لم تمض دقائق على كلمة بزشكيان حتى وردت تقارير عن هجمات في الخليج، مع تعليق العمليات مؤقتا في مطار دبي بعد سقوط شظية اعتراض صاروخي، وتقارير عن مسيّرات استهدفت البحرين وقطر.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور عبد الله بندر العتيبي الأستاذ المساعد في قسم الشؤون الدولية بجامعة قطر أن الاعتذار الإيراني يحمل رسائل مزدوجة، إذ يبدو في ظاهره خطوة تهدئة، لكنه يتضمن في الوقت نفسه تهديدا مبطنا لدول المنطقة.
وأوضح العتيبي أن صيغة الاعتذار جاءت مشروطة بشكل واضح، إذ ربطت طهران وقف الهجمات بعدم استخدام أراضي دول الجوار في أي عمليات عسكرية ضدها، وهو ما يعكس -برأيه- محاولة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك مع دول الخليج.
ويضيف أن المشكلة الأساسية تكمن في تفسير إيران لما تصفه بـ"القواعد الأمريكية" في المنطقة، إذ إن العديد من المنشآت العسكرية في الخليج هي قواعد وطنية تستضيف قوات أجنبية، وهو ما قد يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة قد تبرر استهدافها.
وبحسب العتيبي، فإن الضربات التي طالت منشآت مدنية وبنية تحتية حيوية في المنطقة خلال الأيام الماضية أثارت شكوكا واسعة بشأن وجود تنسيق فعلي بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية داخل إيران.
ويرى أن استهداف مرافق مدنية مثل المطارات والموانئ يعكس غياب ضبط واضح لإيقاع العمليات العسكرية، وهو ما قد يشير إلى اختلاف في الرؤى بين الجناحين السياسي والعسكري داخل النظام الإيراني.
وفي السياق ذاته، يشير رئيس مركز المدار للدراسات السياسية الدكتور صالح المطيري إلى أن الاعتذار في العرف الدبلوماسي يُعد خطوة مهمة، لأنه يتضمن اعترافا بالمسؤولية وقد يترتب عليه التزامات قانونية أو معنوية.
لكن المطيري يلفت إلى أن قيمة الاعتذار ترتبط عادة بالحوادث العرضية، في حين أن الهجمات التي طالت بعض الدول الخليجية جاءت في سياق تصعيد عسكري مباشر، وهو ما يجعل الاعتذار المشروط محل تساؤل سياسي وقانوني.
ويضيف أن صيغة الاعتذار التي ربطت وقف الهجمات بتفسيرات غير واضحة لمفهوم "استخدام الأراضي ضد إيران" قد تفتح الباب أمام تفسيرات عسكرية واسعة، ما يحدّ من قدرة دول المنطقة على الوثوق بالضمانات الإيرانية.
كما علّق المطيري على وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الاعتذار الإيراني بأنه "استسلام"، معتبرا أن هذا التوصيف لا يعكس بالضرورة حقيقة الموقف الإيراني، بل يندرج في سياق القراءة السياسية الأمريكية للتطورات.
ويؤكد أن اللهجة التصالحية التي ظهرت في تصريحات بزشكيان لا تعني استسلاما، بل قد تكون تكتيكا لخفض التوتر وكسب الوقت في ظل الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تواجهها طهران.
ويرجح المطيري أن تسعى إيران عبر هذا الخطاب إلى إبعاد دول الخليج عن الانخراط في أي تحالف عسكري ضدها، أو على الأقل تقليص احتمالات توسيع المواجهة الإقليمية.
بدوره، يرى أستاذ دراسات إيران والشرق الأوسط في الجامعة الوطنية الأسترالية الدكتور علم صالح أن الاعتذار الإيراني يحمل دلالات دبلوماسية مهمة، لأنه يتضمن قبولا ضمنيا بالمسؤولية عن بعض الهجمات التي وقعت.
ويشير صالح إلى أن اللافت في الموقف الإيراني هو التمييز الذي قدمه بزشكيان بين المسار السياسي والمسار العسكري، وهو ما يعكس -بحسب تقديره- وجود تباين داخل مؤسسات صنع القرار في طهران.
ويضيف أن تصريحات بزشكيان تبعها تأكيد من الجيش الإيراني، في حين لم يصدر موقف واضح من الحرس الثوري، وهو ما يعزز فرضية استمرار الخلافات داخل المؤسسة العسكرية بشأن إدارة الصراع.
كما يلفت إلى أن تطبيق هذا الموقف على أرض الواقع سيظل مرتبطا بتفسيرات عسكرية معقدة، خصوصا في ما يتعلق بتحديد ما إذا كانت بعض المنشآت أو الأنظمة الدفاعية في دول المنطقة تُستخدم بالفعل لدعم عمليات ضد إيران.
المصدر:
الجزيرة