آخر الأخبار

“التحلية” في زمن الحرب | الحرة

شارك

في خطوة تعكس القلق المتزايد بشأن أمن الإمدادات المائية في ظل التطورات المتعلقة بإيران، عقدت الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي، في 3 مارس الجاري، اجتماعًا استثنائيًا للجنة الموارد المائية.

الاجتماع، الذي عُقد عبر تقنيات الاتصال المرئي بمشاركة ممثلي الدول الأعضاء، ناقش أحدث التطورات في قطاع المياه، وقيّم مستوى الجاهزية لدى دول المجلس، إلى جانب بحث آليات التنسيق المشترك لضمان استدامة الإمدادات وتعزيز منظومات الأمن المائي في ظل الظروف الإقليمية الراهنة.

وتُعد منطقة الخليج العربي من أكثر مناطق العالم اعتمادًا على تحلية المياه، إذ تشير تقارير متخصصة إلى أنها تنتج نحو 40 في المئة من إجمالي المياه المحلاة عالميًا.

وبفعل هذا الاعتماد الكبير، أصبحت محطات التحلية جزءًا أساسيًا من البنية التحتية في دول الخليج، إذ ترتبط الإمدادات المائية مباشرة بتشغيل هذه المحطات، إضافة إلى منظومات الضخ وشبكات النقل ومصادر الطاقة اللازمة لتشغيلها.

وتؤكد تقارير البنك الدولي أن استدامة الإمدادات المائية في المنطقة ترتبط بقدرة الدول على الحفاظ على تشغيل هذه المنظومة المعقدة، إلى جانب إدارة الطلب المتزايد على المياه.

غير أن هذه المنظومة الحيوية تواجه تحديات أمنية متزايدة في ظل التطورات العسكرية الأخيرة في الشرق الأوسط. فمنذ اندلاع العمليات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وجدت دول الخليج نفسها في قلب تداعيات الصراع، بعد أن ردّت طهران بإطلاق مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه عدد من دول المنطقة، مستهدفة قواعد عسكرية أميركية على أراضيها إلى جانب منشآت مدنية وبنى تحتية مرتبطة بقطاع الطاقة.

وأدى ذلك إلى اضطرابات في قطاع النفط والغاز الذي يشكل ركيزة أساسية لاقتصادات المنطقة، كما أثار تساؤلات متزايدة بشأن احتمالات اتساع دائرة الاستهداف لتشمل مرافق حيوية أخرى، من بينها محطات تحلية المياه.

وفي هذا السياق، يعتبر الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور عايد المناع، في حديث لموقع “الحرة”، أن استهداف محطات تحلية المياه في دول الخليج “سيكون ضربة مؤلمة للغاية وقد يمثل ضربة قاضية”.

لكن الكاتب والمتخصص في الاتصال السياسي أحمد الشيزاوي يستبعد حدوث ذلك، ويقول لـ”الحرة” إن دول الخليج تُعد في هذا الصراع “طرفًا ثالثًا وليست طرفًا مباشرًا في الحرب”، متسائلاً عن جدوى استهداف منشآت المياه التي تمثل شريان الحياة للمدنيين ولا تحمل بعدًا عسكريًا مباشرًا.

أهداف محتملة

لم تكن البنية التحتية للمياه في منطقة الخليج بعيدة عن دائرة الاستهداف في الصراعات المسلحة. ففي يونيو 2019 أعلن “التحالف العربي” أن الحوثيين أطلقوا مقذوفًا باتجاه محطة تحلية في جنوب السعودية. كما أعلنت قطر، خلال الأيام الماضية، تعرّض خزان مياه تابع لمحطة توليد كهرباء في مسيعيد جنوب الدوحة، لهجوم بطائرة مسيّرة.

ويرى المناع أن استهداف منشآت الطاقة، أخيراً، قد يفتح الباب أمام ضرب البنية التحتية للمياه، ويوضح أن “دول الخليج تعتمد بدرجة كبيرة على المياه المحلاة كمصدر رئيس لمختلف الاستخدامات، ما يعني أن أي تهديد يطال منشآتها ينعكس بشكل مباشر على هذ الدول، رغم احتمال وجود إجراءات احترازية أُعدّت لمواجهة مثل هذه السيناريوهات”.

وتواجه دول مجلس التعاون واحدة من أعلى درجات الندرة المائية في العالم، نتيجة محدودية الموارد الطبيعية للمياه، وانخفاض معدلات هطول الأمطار، وغياب الأنهار الدائمة في معظم دول المنطقة.

وتقول بولمبيرغ، في تقرير نشرته في الرابع من مارس الجاري، إن منشآت المياه في دول الخليج كبيرة الحجم، وتقع بالقرب من الساحل، وتعمل بالنفط والغاز، مما يجعلها شديدة القابلية للاشتعال ويصعب الدفاع عنها، لافتة إلى إن محطة جبيل وحدها كانت تتحكم بـ90% من مياه الشرب لمدينة الرياض.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة في العديد من دول الخليج يقل عن 500 متر مكعب سنويًا، وهو مستوى يقل كثيرًا عن حد الفقر المائي العالمي المحدد بنحو 1000 متر مكعب للفرد سنويًا.

وبسبب هذه الظروف، أصبحت تحلية مياه البحر المصدر الأساسي لمياه الشرب في معظم دول الخليج، إذ تعتمد بعض الدول على التحلية لتوفير ما بين 50 في المئة إلى أكثر من 90 في المئة من احتياجاتها من المياه الصالحة للشرب.

لذلك، يعتبر الشيزاوي أن دول الخليج لا تمتلك، حتى الآن، منظومة مكتملة للأمن المائي، لكنها بدأت خلال السنوات الماضية في التعامل مع هذا الملف على مستوى استراتيجي، عبر مشاريع الربط المائي بين الدول، وتطوير تقنيات تحلية أكثر كفاءة، والبحث عن مصادر بديلة للمياه.

“التحلية تمثل العمود الفقري للأمن المائي في المنطقة، نظرًا لندرة الأنهار وضعف الموارد الجوفية، وأيّ تعطّل كبير في عمل محطات التحلية سينعكس مباشرة على حياة السكان والخدمات الأساسية”، يضيف الشيزاوي.

تحديات الأمن المائي

يحظر القانون الدولي الإنساني صراحة استهداف المنشآت الضرورية لبقاء السكان المدنيين. وتنص المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف على حظر مهاجمة أو تعطيل منشآت مياه الشرب وشبكات الإمداد وأعمال الري.

لكن النزاعات حول العالم في السنوات الماضية أظهرت تزايد استهداف البنية التحتية المدنية من قبل دول أو جماعات مسلحة غير حكومية.

على أن مصادر التهديد لا تقتصر على العمليات العسكرية المباشرة فحسب، إذ تشير دراسات أخرى إلى أن منشآت تحلية المياه في الخليج قد تكون عرضة أيضًا لمخاطر غير عدائية، مثل التسربات النفطية أو الحوادث النووية في المنطقة.

وتشير تحليلات إلى أن أي تسرب إشعاعي محتمل قد يؤدي إلى وصول سحب ملوثة إلى دول مجلس التعاون خلال نحو 15 ساعة فقط، ما يبرز حساسية البنية التحتية المائية في الخليج وارتباطها الوثيق باستقرار الحياة المدنية في المنطقة.

وفي هذا السياق، يرى الشيزاوي أن “استهداف محطات تحلية المياه في الخليج، إن حدث، قد يترتب عليه ثمن سياسي وقانوني باهظ”، مشيرًا إلى أن مثل هذه الخطوة قد تلحق ضررًا كبيرًا بسمعة إيران الدولية، وتدفع المجتمع الدولي إلى الاصطفاف ضدها بشكل أوسع.

كما قد يندرج هذا النوع من الاستهداف ضمن جرائم الحرب أو صور العقاب الجماعي. ومع ذلك، يرى الشيزاوي أن هذا السيناريو يظل غير مرجح، لكنه يحذر من أن حدوثه، في حال وقوعه، قد يفتح الباب أمام أزمة إنسانية وأمنية واسعة.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا