في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تتجه الأنظار نحو المشهد الإيراني بعد موجة التصعيد العسكري الأخيرة، في وقت يحذر فيه خبراء عسكريون من احتمالات تجاوز المواجهة حدودها الجوية لتدخل طور العمليات البرية المحدودة أو حتى الموسعة.
ويكشف اللواء السابق في الجيش العراقي ماجد القيسي عن سيناريوهات محتملة للتدخل العسكري في إيران، مستندا إلى قراءة تحليلية للقدرات الإيرانية الدفاعية والهجومية، وفلسفة طهران في "التصنيع العكسي"، والمخزون العسكري الذي يمكن أن يحول أي مواجهة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.
تأتي هذه التحذيرات في ظل تصعيد عسكري متسارع شهدته المنطقة، حيث أعلنت إيران أنها استهدفت مقرات لمجموعات كردية معارضة في إقليم كردستان العراق بـ3 صواريخ، وأشارت وكالة فارس للأنباء إلى أن مقرات ما وصفتها طهران بـ"الأحزاب الانفصالية" في مدينة السليمانية تعرضت للاحتراق نتيجة القصف الصاروخي.
يأتي القصف الإيراني ردًا على تقارير إعلامية أمريكية تحدثت عن تحركات عسكرية لفصائل كردية إيرانية، ونقل موقع أكسيوس عن مسؤول أمريكي قوله إن مليشيات كردية إيرانية شنت هجوما بريا شمال غربي إيران، قبل أن تنفي كل من طهران وأربيل ذلك.
كما أفادت صحيفة نيويورك تايمز بأن القوات الكردية الإيرانية تعمل على تجهيز وحدات مسلحة للدخول إلى إيران، مما قد يفتح جبهة جديدة محتملة في الحرب الدائرة، مشيرة إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية زودت هذه القوات بأسلحة خفيفة ضمن برنامج سري يهدف إلى زعزعة استقرار إيران، وهي جهود بدأت قبل اندلاع الحرب الحالية.
وأمام هذه الأخبار ونفيها، يرسم القيسي خريطة معقدة للعمليات البرية المحتملة في إيران، منطلقا من قناعة إستراتيجية مفادها أن طهران تعتمد مبدأ "الدفاع المتدرج في العمق"، مستفيدة من تنوعها الجغرافي الفريد بين الجبال غربا وشمالا، والصحاري في الوسط، والسواحل الإستراتيجية على الخليج العربي وبحر عُمان.
وهذا التنوع الجغرافي يحوّل أي محاولة تدخل بري إلى مغامرة عسكرية محفوفة بالمخاطر، حيث تطول خطوط الإمداد لأي قوة مهاجمة، ويتحول أي تقدم محتمل إلى استنزاف طويل الأمد، حسب قوله.
والسيناريو الأكثر ترجيحا -حسب القيادي السابق في الجيش العراقي- لا يتمثل في تدخل بري شامل نظرا لضخامة المساحة الإيرانية والكلفة الباهظة، بل في عمليات برية محدودة ونوعية، متزامنة مع ضربات جوية وصاروخية مكثفة.
وتتخذ هذه العمليات عدة أشكال محتملة:
لكن القيسي يعود ويحذر من سيناريو الاعتماد على مجموعات مسلحة تنتمي إلى قومية محددة داخل إيران، مثل الأكراد أو العرب في خوزستان أو البلوش، رغم ما قد يحققه من مكاسب تكتيكية محدودة كفتح جبهة داخلية تربك الانتشار العسكري، واستنزاف القوات الأمنية في مناطق طرفية، وعمل ضغط سياسي وإعلامي إضافي.
ويرجع أسباب تخوفه من هذا السيناريو إلى أن مخاطره الإستراتيجية أعلى بكثير من المكاسب المحتملة، حيث قد يُنظر إلى الدعم الخارجي كمساس بالسيادة الوطنية، مما يؤدي إلى تعبئة قومية أوسع وبما يعزز تماسك الدولة بدل إضعافها.
وأضاف القيسي أن ارتباط هذه المجموعات بقوة خارجية قد يضعف حاضنتها الشعبية ويحولها إلى هدف أمني مشروع في نظر جزء من السكان، مما يفتح الباب أمام دوامة عنف داخلي يصعب احتواؤها، مع آثار ممتدة إقليميا.
ويذهب اللواء السابق إلى أن إيران تعتمد في مواجهة هذه السيناريوهات على تعزيز الخطاب الوطني لمواجهة أي تحرك ذي طابع قومي، مع انتشار أمني مكثف في المناطق الطرفية، وتوسيع الرد خارجيا عبر الحلفاء الإقليميين، والتركيز على منع تحول التحركات المحلية إلى تمرد واسع النطاق.
وهناك تحليلات عسكرية تظهر أن إيران لديها مخزون عسكري يمكنها من تحمل حرب استنزاف طويلة نتيجة ما تمتلكه من تصنيع ذاتي، وبفضل استفادتها من التكنولوجيا المتطورة في الأسلحة التي تستولي عليها على مدى السنوات الماضية.
فإيران تمتلك قدرة متقدمة نسبيا على تفكيك الأنظمة العسكرية المستولى عليها أو التي تصل عبر الحلفاء، وتحليلها تقنيا، ثم إعادة إنتاجها محليا مع تعديلات تتناسب مع طبيعة الحرب غير المتكافئة. وهذه الفلسفة -التي يسميها الخبراء "التصنيع العكسي"- تشكل أحد أعمدة القوة العسكرية الإيرانية في مواجهة العقوبات الدولية والحصار التكنولوجي.
ويستشهد القيسي بأمثلة واقعية تثبت نجاح هذه الإستراتيجية، فالاستيلاء عام 2011 على الطائرة الأمريكية المسيرة (RQ-170) أسهم لاحقا في تطوير عائلة طائرات "شاهد" التي باتت تشكل عنصرا أساسيا في الترسانة العسكرية الإيرانية.
وخلال حرب لبنان 2006، حصل حزب الله على تقنيات صواريخ مضادة للدروع إسرائيلية مثل "سبايك"، ويُعتقد أن ذلك أسهم في تطوير صاروخ "ألماس" المضاد للمدرعات.
هذه القدرة على التصنيع العكسي لا تقتصر على نسخ التكنولوجيا العسكرية فحسب، بل تتجاوزها إلى تطويرها وتكييفها مع احتياجات الإستراتيجية الإيرانية، مما يجعل من كل قطعة سلاح مستولى عليها فرصة لتطوير قدرات جديدة. وهذا النهج يحول الضعف الظاهر (العقوبات والحصار) إلى قوة إستراتيجية، حيث تصبح إيران قادرة على إنتاج أنظمة عسكرية بكلفة أقل بكثير من الأصلية، وبمواصفات مصممة خصيصا لطبيعة المواجهة غير المتكافئة.
ويعتمد المخزون العسكري الإيراني على مفهوم "هندسة الصمود" كركيزة أساسية، مع التركيز على إنتاج محلي موزّع ومحصّن، يهدف إلى الاستمرار رغم العقوبات والضربات العسكرية. هذا النموذج يجعل إيران قوة استنزاف غير متكافئة تعتمد على "اقتصاد نار" منخفض الكلفة نسبيا، خاصة في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، حسب ما قاله القيسي.
وفي سيناريو منخفض الكثافة، حيث الهجمات المتقطعة والضغط المستمر عبر الوكلاء، يمكن لإيران الحفاظ على قدرة إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والذخائر الانتحارية لسنوات، مع الإبقاء على قدرة كافية لتحويل النزاع إلى استنزاف نفسي واقتصادي طويل الأمد للخصم. وتعتمد طهران في هذا السياق على توزيع الضغط عبر الحلفاء الإقليميين، مما يخفف العبء عن المخزون المركزي ويعزز الاستمرارية العملياتية.
أما في حرب عالية الكثافة ضد قوة كبرى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، فتصبح القدرة على الإطلاق المكثف محدودة زمنيًا. لأن الإطلاق المنسق واسع النطاق قد يؤدي إلى استنزاف جزء كبير من المخزون خلال فترة قصيرة نسبيا، بتقديرات تتراوح بين أسبوعين و6 أسابيع تبعًا لشدة الاستهداف.
ومع ذلك، حتى بعد تراجع القدرة على الضربات الكثيفة، يمكن لإيران الانتقال إلى نمط ضغط منخفض ومستمر عبر شبكة الوكلاء الإقليميين مثل حزب الله اللبناني والحوثيين والفصائل المسلحة العراقية، مما يحافظ على مستوى من الاستنزاف الإستراتيجي طويل الأمد.
ويلخص القيسي تحليله بأن إيران تعتمد على منظومة متكاملة تشمل إنتاجا محليا موزعا ومحصنا، واقتصادا عسكريا منخفض الكلفة، وشبكة وكلاء إقليميين، ودفاعا متدرجا في العمق، وقدرة على الاستفادة التقنية من الأنظمة المستولى عليها.
ومن ثم يصبح أي رهان على تفكيك الداخل الإيراني عبر بُعد قومي يحمل مخاطر عالية وقد يؤدي إلى نتائج عكسية، لا سيما إذا تحوّل النزاع إلى قضية سيادة وطنية جامعة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة