أثارت واقعة توقيف خمس سيدات في محافظة الشرقية جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد انتشار مقطع فيديو اعتُبر مسيئًا للشعائر الدينية. وسرعان ما تحوّل الفيديو المنتشر إلى قضية رأي عام، ليعيد تسليط الضوء على وضع المرأة المصرية في الفضاء الرقمي، ويفتح نقاشًا جديدًا حول حدود حرية التعبير، ومعايير الرقابة، وكيفية التوفيق بين القوانين التقليدية ومتطلبات العصر الرقمي .
بعد الانتشار السريع للفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، وتداوله على نطاق واسع عبر صفحات وحسابات مختلفة خلال وقت قصير، كشفت وزارة الداخلية المصرية، وفق ما نقلته صحيفة المصري اليوم، ملابسات المقطع الذي تظهر فيه صانعة محتوى وعدد من السيدات وهنّ يؤدّين مشهدًا تمثيليًا يُنظر إليه على أنه يسخر من سلوكيات الصلاة. وتمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط المتهمات بمدينة العاشر من رمضان بمحافظة الشرقية .
ونشرت وزارة الداخلية الفيديو على صفحتها الرسمية، مؤكدة أن التحريات انتهت إلى تحديد صانعة المحتوى والمشاركات معها، وأن نشر المقطع جاء بهدف المزاح وزيادة المشاهدات وتحقيق مكاسب مالية. وأضافت الوزارة أنه جرى اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهن.
وقالت صانعة المحتوى نور نجيب في بيان توضيحي عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي إن "الفيديو كان تعليميًا ضمن إطار كوميدي، ويهدف إلى تسليط الضوء على بعض السلوكيات الخاطئة لدى بعض الأفراد أثناء الصلاة". وأضافت أنها أوضحت الغرض من المقطع بشكل صريح، وكتبت تنويهًا أعلى الفيديو يشرح مضمونه ويتضمن إشارة إلى آداب الصلاة، مشددة على أن الموضوع زاد عن حده بسبب اجتزاء المقطع وتداوله خارج سياقه.
وحذّرت نور نجيب من إعادة نشر الفيديو بعد قصّه أو تحريف مضمونه، مؤكدة أنها ستتخذ إجراءات قانونية ضد أي جهة تنشر محتوى مشوّهًا أو معلومات غير صحيحة، معتبرة ذلك ضمن التشويه أو نشر أخبار كاذبة أو التحريض.
وفقًا لموقع "نيوز روم"، تمكنت الأجهزة الأمنية من تحديد وضبط صانعة المحتوى وشقيقتها وثلاث فتيات من أقاربها، . واعترفن بأنهن صورن الفيديو ونشرنه على صفحة صانعة المحتوى للمزاح وزيادة المشاهدات وتحقيق أرباح مالية.
يذكرأن نور نجيب قد أقامت لفترة مع زوجها وطفليها في ألمانيا، وكانت تنشر مقاطع فيديو عن حياتها في ألمانيا، قبل أن تعود إلى مصر، حيث استقرت لاحقًا في مدينة العاشر من رمضان وواصلت من هناك نشاطها كصانعة محتوى على منصات التواصل الاجتماعي.
وفي سياق متصل،كان مجلس النواب المصري منح تطبيق تيك توك مهلة ثلاثة أشهر لتعديل محتواه بما يتوافق مع المعايير الاجتماعية والأخلاقية المصرية، وفقًا للنائب أحمد بدوي، عضو لجنة الاتصالات بمجلس النواب.
من جانب آخر، طالبت منظمة العفو الدولية السلطات المصرية بوقف "حملتها ضد مستخدمات تيك توك" اللواتي تُحاكمن بتهم مثل "خدش الحياء العام" و"انتهاك قيم الأسرة".
وأشارت المنظمة إلى أن هذه المحاكمات تأتي في وقت تنتشر فيه حوادث العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي ضد النساء والفتيات في مصر، محذرة من أن التركيز على مراقبة المحتوى الرقمي للنساء يشتت الجهود عن معالجة القضايا الأكثر خطورة المتعلقة بحمايتهن.
في السنوات الماضية، أُحيلت عدة مؤثرات مثل حنين حسّام ومودة الأَدهَم للمحاكمة أو حُكم عليهن بالسجن والغرامات بسبب "انتهاك القيم الاجتماعية ونشر محتوى فاضح"، وهو ما أثار جدلًا واسعًا حول حرية التعبير عبر الإنترنت في مصر.
كما دعت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وزارة الداخلية والنيابة العامة إلى التوقف عن ملاحقة صانعات وصانعي المحتوى الإلكتروني قضائيًا، خصوصًا "باستخدام اتهامات مبهمة تحمل تحيزًا أخلاقيًا واجتماعيًا" مثل "انتهاك القيم الأسرية المصرية”. وجاءت هذه الدعوة في سياق حملة أمنية مكثفة تُظهر نمطًا انتقائيًا في تطبيق القانون على المحتوى الرقمي، والتي بدأت منذ عام 2020 ولا تزال مستمرة حتى اليوم.
وكانت السلطات المصرية في 29 أغسطس/آب 2025 قد اعتقلت عددًا من صانعي وصانعات المحتوى على منصة تيك توك ضمن حملات مماثلة، بدعوى حماية القيم الأسرية والتصدي لما تصفه بالجرائم الإلكترونية والانحرافات الأخلاقية عبر الإنترنت.
وشملت تلك الحملات توجيه اتهامات بنشر محتوى مخالف للآداب العامة أو تحقيق أرباح بطرق غير مشروعة، إلى جانب اتخاذ إجراءات قانونية مثل الحبس الاحتياطي، والتحفظ على الهواتف وأجهزة التصوير، وفرض حظر سفر على بعض المتهمين، فضلًا عن تتبع مصادر الدخل المرتبطة بنشاطهم على المنصات الرقمية وتجميد الأصول في بعض الحالات.
المصدر:
DW