إسلام قلعة- لم يعد معبر " إسلام قلعة" الحدودي بين أفغانستان و إيران مجرد بوابة تجارية غربية هادئة، بل تحول خلال الأيام الأخيرة إلى نقطة ترقّب إقليمية، مع امتداد تداعيات الهجوم العسكري الأمريكي الإسرائيلي على إيران إلى محيطها الجغرافي والاقتصادي.
فبعد الهجمات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل على الأراضي الإيرانية، وما تبعها من تهديدات بردود عسكرية واسعة، ورفع مستويات التأهب في المنطقة، بدأت المخاوف تتصاعد من تأثير المواجهة على حركة التجارة والطاقة وطرق النقل الإقليمية، خاصة في الدول المجاورة لإيران.
وعلى الرغم من أن أفغانستان بعيدة عن مسرح العمليات العسكرية المباشرة، فإن معبر "إسلام قلعة" في ولاية هرات غربي أفغانستان يمثل أحد أول المواقع التي تتأثر بأي توتر إقليمي، باعتباره الشريان التجاري الأهم الذي يربط البلاد بالأسواق الإيرانية وممرا رئيسيا لواردات الوقود والمواد الغذائية والسلع الاستهلاكية.
في ساعات الصباح الأولى، تصطف عشرات الشاحنات على جانبي الطريق المؤدي إلى المعبر، بينما يتحرك السائقون والتجار بحذر واضح، يتابعون الأخبار القادمة من إيران بقلق، خشية أن تتحول التطورات العسكرية إلى قيود مفاجئة على حركة العبور أو اضطرابات في الإمدادات.
هنا، لا تُسمع أصوات الصواريخ أو الطائرات الحربية، لكن أصداء التصعيد الإقليمي حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية على الحدود، حيث يراقب المسؤولون والتجار والسكان المحليون المشهد الإقليمي بخوف، مدركين أن أي تغير في المعادلات السياسية قد ينعكس سريعًا على الاقتصاد الأفغاني.
داخل المعبر الحدودي، تبدو الحركة التجارية مستمرة، لكنها محاطة بحالة واضحة من الحذر والترقب.
وعلى امتداد الطريق المؤدي إلى البوابة الحدودية، تصطف عشرات الشاحنات المحملة بالوقود والمواد الغذائية ومواد البناء في طوابير طويلة، ينتظر سائقوها دورهم لعبور الحدود وسط إجراءات تفتيش دقيقة وتدقيق متزايد في الوثائق.
ويقول سائقو شاحنات إن زمن الانتظار ازداد مقارنة بالأيام الماضية نتيجة ضغط حركة النقل وحرص الجهات المعنية على متابعة الأوضاع المرتبطة بالتطورات الإقليمية.
بعض السائقين يقضون ساعات طويلة داخل مركباتهم يتابعون عبر هواتفهم الأخبار القادمة من إيران، في محاولة لتقدير ما إذا كانت التطورات العسكرية قد تؤثر على حركة العبور خلال الأيام المقبلة.
وفي الساحة الجمركية، يواصل العمال تفريغ البضائع وتحميلها بوتيرة اعتيادية، غير أن أحاديث التجار تدور حول احتمالات ارتفاع تكاليف النقل وأسعار الوقود في حال اتسعت دائرة التصعيد العسكري.
ويقول الخبير الاقتصادي من ولاية هرات، عبد الناصر رشاد، للجزيرة نت إن "معبر إسلام قلعة يمثل الرئة التجارية لغرب أفغانستان، وأي توتر أمني في إيران ينعكس سريعا على الأسواق المحلية بسبب اعتماد البلاد الكبير على الواردات القادمة عبر هذا المنفذ، خصوصا الوقود والمواد الغذائية ومواد البناء".
ورغم أن أفغانستان ليست جزءا مباشرا من المواجهة العسكرية الدائرة في المنطقة، فإن موقعها الجغرافي وتشابكها الاقتصادي مع الجوار الإقليمي يجعلانها عرضة للتأثر غير المباشر لأي تصعيد.
فعلى امتداد الحدود الغربية، لا تظهر مؤشرات أمنية استثنائية، لكن حالة الترقب تسود بين التجار والسكان المحليين الذين يدركون أن استقرار الاقتصاد الأفغاني مرتبط باستمرار تدفق التجارة عبر إيران.
ويرى الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة هرات، محمد حنيف رضائي، أن التوترات العسكرية تؤثر حتى دون وقوع أي إغلاق فعلي للمعابر، إذ ترتفع تكاليف التأمين والنقل وتزداد المخاوف في الأسواق، مما يدفع التجار إلى اتخاذ إجراءات احترازية تنعكس مباشرة على الأسعار داخل البلاد.
يؤكد مسؤولون محليون في ولاية هرات أن العمل في معبر "إسلام قلعة" مستمر بصورة طبيعية حتى الآن، مع متابعة مستمرة للتطورات الإقليمية، مشيرين إلى عدم صدور أي قرارات تقيد حركة العبور أو التجارة عبر الحدود.
ويضيف أحد المسؤولين في المعبر، الذي فضل عدم ذكر اسمه، للجزيرة نت "نراقب الوضع عن كثب، ونتخذ كل الإجراءات لضمان استمرارية الحركة التجارية، لأن أي توقف للمعبر سيؤثر مباشرة على الاقتصاد المحلي وأسعار المواد الأساسية في الأسواق".
ويشير المسؤول إلى أن التعاون مع الجهات الإيرانية على الحدود مستمر، مع تعزيز الرقابة والتنسيق بين السلطات، لضمان أن تكون أي تداعيات للتصعيد الإقليمي تحت السيطرة، وبالتالي حماية السكان والتجار من أي صدمات اقتصادية مفاجئة.
ويقول أحد السائقين الأفغان المنتظرين على الحدود، ويُدعى رحمت الله صهيب، للجزيرة نت، إن "القلق هنا لا يتعلق بالسياسة بقدر ما يتعلق بلقمة العيش. أي توقف في حركة الشحن يعني خسائر يومية لنا وللتجار، خصوصا مع ارتفاع أسعار الوقود وطول الانتظار على المعبر".
ويضيف سائق آخر، واسمه سليمان عزيز، للجزيرة نت "نتابع كل تطور عسكري، لأن أي خبر عن توتر أو تصعيد ينعكس مباشرة على حركة البضائع. حتى الآن نحاول الالتزام بالعمل، لكن الجميع يشعر بعدم اليقين".
على مقربة من المعبر، تتكشف صورة أخرى لتأثير التصعيد الإقليمي على الحدود الأفغانية، حيث موجات متزايدة من العائدين الأفغان من إيران.
تنتظر عشرات العائلات الأفغانية تسجيل دخولها في نقطة البداية لعودتهم إلى وطنهم بعد شهور أو سنوات من الإقامة خارج أفغانستان.
وداخل المعبر، يتم تنظيم عبور العائدين بعناية من قبل السلطات المحلية بالتعاون مع منظمات الإغاثة، حيث تُخصص مناطق استقبال توفر وجبات أساسية، ومياه للشرب، ومرافق صحية مؤقتة.
أحد موظفي المعبر قال للجزيرة نت "نسجل العائدين يوميا، ونحرص على تقديم الحد الأدنى من الخدمات الإنسانية لتسهيل عبورهم، خصوصا الأطفال وكبار السن".
وتقول فاطمة خانم للجزيرة نت، وهي إحدى العائدين، إن العودة ليست سهلة، "لكن علينا أن نعود إلى وطننا. الأطفال متعبون، والأمل هو ما يدفعنا للمضي قدمًا".
ويضيف أحد المسؤولين المحليين للجزيرة نت أن التوترات الإقليمية أدت إلى موجات خروج من إيران في فترات قصيرة، وهذا يشكّل ضغطا إضافيا على الموارد والخدمات عند المعبر.
وتُظهر المشاهد الميدانية للمعبر العائلات تحمل حقائبها، والأطفال يسيرون إلى مناطق التسجيل، ومتطوعي الإغاثة يقدمون وجبات الطعام، لتوضح كيف تتحول الحدود التجارية إلى خط إنذار إنساني، حيث يتقاطع الاقتصاد والتجارة مع حياة الناس اليومية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة