آخر الأخبار

"ساعة إسرائيل الذهبية".. لماذا ضُربت إيران الآن؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لماذا ضربت إيران في هذه اللحظة تحديدا، بهذه الشدة وبهذه الضراوة وعلى ذلك المستوى من العمق الذي وصل إلى حد استهداف المرشد الإيراني وهو حاجز لم تقترب منه الولايات المتحدة رغم كل عدائها مع النظام الإيراني على مدار عقود؟ يعد هذا أحد الأسئلة التي تحتاج إلى إجابة بشأن الحرب الحالية، ويكمن مفتاح الجواب في أن ثمة فاعلا أساسيا وجد فرصة ذهبية سانحة لم يكن ليحصلها إلا في ذلك الوقت بالذات.

هذا الفاعل هو إسرائيل لم تكف عن دعوتها إلى حرب تسقط النظام الإيراني لكنها لم تكن قادرة عليها بمفردها؛ كانت تكررها بإصرار، وتنتظر نافذة تتسع بما يكفي للاندفاع. وحين بدأت بعض ملامح الهشاشة تظهر، لا في طهران وحدها بل في أطراف شبكتها الإقليمية، صار النداء الإسرائيلي أصخب صوتا. فعلى مدار الأشهر الأخيرة، تلقى "محور المقاومة" ضربات متلاحقة، وكانت الضربة الأثقل تلك التي أصابت حزب الله -الحليف الأهم لإيران في المنطقة منذ الثمانينيات- كأنها إشارة تقول إن السقف الذي كان مرتفعا انخفض، وأن الجدار الذي كان صلبا بدأ يتشقق بالفعل.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 "ذئاب في طهران".. شبكة الجواسيس التي مهدت الطريق لقتل خامنئي
* list 2 of 2 درس في الحرب.. هل تستطيع إيران إغراق حاملة طائرات أمريكية؟ end of list

غير أن إصرار تل أبيب على ضرب إيران مدفوع في الوقت نفسه بتصور عن الوضع الإقليمي المتغير، مفاده أن المنطقة في حالة تقلب إثر الانكماش المفاجئ للدور الإيراني، وأنها تخوض إعادة ترتيب لأوراقها لموازنة التمدد والتحركات العسكرية الأحادية الإسرائيلية، حتى من جهة دول امتلكت علاقة دبلوماسية إيجابية مع الولايات المتحدة، وبدأت تتوجس من الضوء الأخضر الممنوح للسياسات الإسرائيلية الجديدة، التي تخل بوضوح بالتوازنات القائمة سابقا وبالسياسة التقليدية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

"تجد إسرائيل نفسها منذ صيف عام 2024 وحتى اللحظة، في وضع شبيه بما حدث عام 1967، حيث الظفر بمغامرة الحرب الآن، أو فقدان كل شيء".

يعني ذلك أن التحرك السريع لجني مكتسبات ضرب محور المقاومة وترسيخها قد لا يكون ممكنا في المستقبل القريب، وبخاصة في ظل اضطراب صورة إسرائيل في الرأي العام الغربي، بل وتململ قطاعات واسعة من القواعد الشعبية اليمينية في الغرب، وفي الولايات المتحدة على وجه التحديد، من الدعم غير المشروط لإسرائيل، كما تشي بذلك حالة الشد والجذب داخل معسكر داعمي الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي تعهد أمام الناخب الأمريكي بإيقاف المغامرات العسكرية الأمريكية، لكنه أظهر اصطفافا صريحا مع حكومة اليمين الإسرائيلي بقيادة بنيامين نتنياهو.

إعلان

ولذا تجد إسرائيل نفسها منذ صيف عام 2024 وحتى اللحظة، في وضع شبيه بما حدث عام 1967، حيث الظفر بمغامرة الحرب الآن، أو فقدان كل شيء إذا انتظرت وعود المستقبل المجهول الذي قد لا يفي بالثمار والمكاسب الممكنة للحظة الراهنة.

النار للأعداء.. والحديد للبقية

لم تكن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن تشكل محور سني إلى جانب المحور الشيعي المتآكل، على حد وصفه، من قبيل المبالغة المحضة. فقد شهدت المنطقة تحركات فردية وثنائية من جانب مصر والسعودية وتركيا على مدار العام الماضي فيما يمكن اعتباره رغبة في موازنة السياسات العدائية الإسرائيلية المتزايدة، وأبرز معالمها ارتفاع سقف تحركات الجيش الإسرائيلي في جواره العربي، سواء في الضفة الغربية أو لبنان أو سوريا أو اليمن أو العراق، وهي حرية حركة غير مسبوقة لم يحظ بها منذ نشأة الدولة العبرية عام 1948، وشكلت عبئا واضحا على معادلة التوازن التقليدية التي رعاها الأمريكيون أنفسهم طيلة عقود.

لقد دأبت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على التوفيق بين التحالف الإستراتيجي مع إسرائيل، والتحالف السياسي والاقتصادي القوي مع الدول العربية الأبرز في المنطقة. وهذا التحالف القديم، الذي بدأ منذ نهاية السبعينيات، جمعت أطرافه تخوفات واضحة من الثورة الإيرانية الوليدة، التي أثارت هواجس ضخمة، ليس من حيث إمكانية تأثيرها في الحركات الإسلامية في العالم العربي فحسب، بل وكذلك من حيث الوزن الذي منحته للدولة الإيرانية في السعي لتشكيل مشروعها الإقليمي الخاص، وهو مشروع ولد مناوئا على طول الخط للولايات المتحدة وتحالفاتها.

"لم يحظ الجيش الإسرائيلي بذلك السقف المفتوح للحركة منذ نشأة الدولة العبرية عام 1948، ما شكل عبئا واضحا على معادلة التوازن التقليدية التي رعاها الأمريكيون أنفسهم طيلة عقود".

أما وقد انحسر هاجس الحركات الإسلامية بعد تقويض معظمها على مدار العقد الماضي، وكذلك تراجع الدور الإيراني تدريجيا بعد إلغاء الاتفاق النووي بواسطة ترمب في ولايته الأولى، والتصعيد الأمريكي الإسرائيلي المستمر ضد حلفاء إيران، الذي بدأ باستهداف القائد السابق لفيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني في العراق عام 2020 في تحول لم تأخذه إيران بجدية كافية؛ فإن القوى العربية الرئيسية لم تعد تحمل المخاوف نفسها تجاه الحركات الإسلامية كما كانت قبل عشر سنوات، ولا حتى تجاه النظام الإيراني نفسه على الأغلب.

على العكس، وفيما يتعلق بإيران تحديدا، أبدى حلفاء الولايات المتحدة العرب تحفظا على الانفلات الإسرائيلي في استهداف إيران بشكل يهدد بإسقاط النظام منذ حرب يونيو/حزيران 2025، وهو سقوط بات ينظر إليه أنه سيدفع إيران نحو حالة من الفوضى في ظل غياب بدائل واضحة، مما يؤثر سلبا على استقرار المنطقة. مثلا، أكد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في 27 يناير/كانون الثاني الماضي، للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في اتصال هاتفي، أن المملكة لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها في أي ضربة لطهران.

على نفس المنوال، نددت تركيا بالضربات الإسرائيلية، وكانت العلاقات بين الطرفين متوترة بالفعل على خلفية صدامات مكتومة بسبب تباين أهداف البلدين في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وكذلك بسبب تحالف إسرائيل مع اليونان وقبرص، غريمي تركيا التقليديين، في منطقة شرق المتوسط.

إعلان

وفي الوقت نفسه، تنظر تل أبيب إلى مصر وتركيا بوصفهما تحديا قادما بالنظر لكونهما الجيشين المتماسكين الباقيين في المنطقة، والعائق أمام مشروعها الإقليمي الجديد الذي يسعى لبسط شكل من أشكال الهيمنة الخشنة على جوارها العربي المباشر، مما يعني الصدام حيال ملفات غزة والقرن الأفريقي مع مصر، والصدام في شرق المتوسط وسوريا مع تركيا.

بالنظر إلى أن كلاً من مصر وتركيا لديهما علاقات دبلوماسية إيجابية بالولايات المتحدة فإن تشكل علاقة قوية بينها على المدى البعيد يمكن أن يشكل مصدر إزعاج لتل أبيب، لا سيما إن نجحت الدولتان (ربما بالتفاهم مع المملكة العربية السعودية) في إقناع واشنطن باستعادة سياسة التوازن القديمة، أو الأسوأ، نجحت الدول الثلاث بذاتها في تشكيل عائق أمام القوة الإسرائيلية.

ولذا فإن إرهاصات التحالف المصري السعودي التركي (أو حتى محاولات التقارب الثنائي بين الدول الثلاث)، الذي وصفه نتنياهو بالمحور السني، تظهر بوصفها تطورا مقلقا لا تريد إسرائيل أن تنتظر تشكله أو ما يمكن أن يسفر عنه من تقييد حرية حركتها الحالية في المنطقة، أو الأسوأ، التأثير على طبيعة الدعم الأمريكي لها. ومن ثم كان تسريع التصعيد ضد إيران في ظل تفاهمات لم تنضج بعد بين القاهرة والرياض وأنقرة هو الخيار المثالي لتل أبيب كي ترسخ مكتسباتها من حروب العامين الماضيين، وتوجه ضربة قاصمة لإيران، وترسل ربما "رسالة تحذيرية" لسائر دول المنطقة.

الغد الضبابي في أمريكا

علاوة على خوفها من تأثير القوى الإقليمية الأخرى على علاقتها بواشنطن، ثمة تقلبات في الرأي العام الأمريكي والغربي عموما تشي بأن الدعم الذي يحصل عليه الإسرائيليون لم يعد مستداما ومضمونا بالقدر نفسه كما كان في السابق، وهو أمر لم ينعكس فقط مع صعود الحركات اليسارية والخضراء التي تفصح عن تضامنها الصريح مع القضية الفلسطينية، بل وفي داخل المعسكر اليميني الجمهوري بالولايات المتحدة ذاته.

لقد كان الديمقراطيون في يوم من الأيام هم الداعم الأبرز للدولة اليهودية، بالنظر للانحيازات الديمقراطية التي غلبت على يهود الولايات المتحدة، وبخاصة في مدينة نيويورك. ولكن التحول حدث تدريجيا بعد صعود ريتشارد نيكسون في نهاية الستينيات، وبات الانحياز الأشد لإسرائيل راسخا في الحزب الجمهوري وقواعده، رغم أن تصويت اليهود ظل ديمقراطيا بدرجة كبيرة.

مع صعود دونالد ترمب في فترته الرئاسية الأولى، تبلور نمط جديد من التحالف بين واشنطن وتل أبيب ارتكز بالأساس على العلاقة الشخصية بين ترمب ونتنياهو، ولحماسة المقربين من ترمب للصهيونية المتطرفة التي ما انفكت تسيطر على المشهد السياسي في إسرائيل، وهو ما نجم عنه إعلان الولايات المتحدة نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس عام 2017، واعترافها بـ"السيادة" الإسرائيلية على الجولان في عام 2019.

"تبلور نمط جديد من التحالف بين واشنطن وتل أبيب ارتكز بالأساس على العلاقة الشخصية بين ترمب ونتنياهو، ولحماسة المقربين من ترمب للصهيونية المتطرفة".

بيد أن طبيعة القواعد الشعبية للحزب الجمهوري شهدت تقلبات عنيفة بعد حرب غزة الأخيرة، إذ برز تيار ضخم داخل حركة "ماغا" الداعمة لترمب معاديا للعلاقة غير المشروطة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وازداد هذا التيار حضورا بعد الضربة على إيران في يونيو/حزيران 2025، إذ رأوا في تل أبيب عبئا على عقيدة "أمريكا أولا"، وباتوا ينظرون إلى التزامات واشنطن تجاهها بوصفها ثقلا غير مقبول على الدولة الأمريكية.

جاء أبرز تجلٍ لهذا التحول مع تاكر كارلسون، أحد أبرز الإعلاميين المحافظين والمؤيدين للرئيس ترمب، والذي أطلق العنان لانتقادات لاذعة لإسرائيل، كما أجرى حوارا حادا مع السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هكابي قبل أيام، مما أسفر عن تململ بعض قواعد "ماغا"، التيار المناصر لترمب، مما اعتبروه انحيازا غير مقبول لإسرائيل من رجل من المفترض أن يمثل المصالح الأمريكية. قبل أن يطلق كارلسون تصريحا جديدا، السبت، أكد فيه دون مواربة فيه أنه يرى الضربة لإيران "مقززة وشريرة".

إعلان

لم يقتصر التنديد على كارلسون، بل شمل شخصيات أخرى محسوبة على تيار ماغا، مثل مارجوري تيلور غرين، النائبة السابقة بالكونغرس عن ولاية جورجيا والعضوة بالحزب الجمهوري، التي وصفت ما فعله ترمب بأنه نقض لوعوده بألا تدخل واشنطن حروبا أخرى، ومثل أليكس جونز، الإعلامي اليميني، الذي وصف الضربة الأمريكية في تغريدة على موقع إكس قائلا: "إن مقامرة ترمب تسرع مسار العالم نحو حرب عالمية نووية".

علاوة على ذلك، برزت داخل صفوف اليهود في الولايات المتحدة اتجاهات ناقدة للسياسات الإسرائيلية، وفي بعض الأحيان وصلت إلى نبذ المشروع الصهيوني كله، وذلك على خلفية شيوع الاتجاهات اليسارية والخضراء في صفوف يهود المدن الكبرى بالولايات المتحدة، الذين تتأثر الأجيال الجديدة منهم مثل غيرهم من الأمريكيين بالأفكار الجديدة على يسار الحزب الديمقراطي، مما ينذر بتفكك العلاقة الراسخة بين إسرائيل ويهود الولايات المتحدة.

على المستوى الشعبي، أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب في فبراير/شباط الماضي أن المتعاطفين مع فلسطين في الولايات المتحدة فاقت نسبتهم لأول مرة نسبة المتعاطفين مع إسرائيل، فجاءت النسبة الأولى 41%، في حين وقفت الثانية عند 36%. المثير للانتباه أن التحول يجري بالأساس عند الشباب ومن هم في دون الأربعين، ويشمل ذلك الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء. فقد انخفضت نسبة دعم إسرائيل بين الشباب الجمهوري من 69% إلى 51% بعد حرب غزة، في حين تقبع النسبة لدى الشباب الديمقراطي عند 11%، وسط تقارير صدرت مؤخرا تحمل موقف إدارة بايدن الداعم لإسرائيل في حرب غزة مسؤولية هزيمة الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية.

في خضم هذا المشهد الضبابي غير المسبوق بالنسبة لصورة إسرائيل لدى الرأي العام الأمريكي، الذي يملك مفاتيح الطريق نحو البيت الأبيض كل أربع سنوات، يبدو مستقبل العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية مبهما رغم متانته الحالية، والتي تعتمد على الجيل الحالي المهيمن على المؤسسات العسكرية والأمنية، وهي هيمنة يمكن أن تتغير مع الوقت، لا سيما في ظل وضع سياسي متقلب على طرفي الحياة السياسية.

وبما أن الحزب الجمهوري وقواعده صاحبة الانحياز التقليدي لإسرائيل رجحت كفتها في إدارة ترمب الحالية، وفي ظل حداثة عهد تيار ماغا بالسلطة على عكس التيار الصهيوني القديم في الحزب، فإن قرار إسرائيل بجر إدارة ترمب الحالية للحرب مع إيران في هذا التوقيت وبتلك الطريقة تلبي بالأساس أهداف إسرائيل وحكومتها اليمينية، وتستنزف كل ما يمكن استنزافه من الرصيد الإسرائيلي في واشنطن، أيا كانت العواقب في المستقبل غير المضمون على أي حال.

مشهد إقليمي لم يتبلور بعد

لم تأتِ الضربة الإسرائيلية الأمريكية بالتزامن مع ضعف النظام الإيراني غير المسبوق والتفاهمات الجديدة بين مصر والسعودية وتركيا فحسب، بل أتت للمصادفة بعد ثلاثة أيام على زيارة تاريخية لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى تل أبيب، وبعد يوم واحد من دخول باكستان في حالة حرب مع نظام طالبان في أفغانستان، صاحب العلاقة الجيدة بالنظام الإيراني، ما يسلط الضوء عللا شبكة من التحالفات والعداوات الإقليمية في تلك المنطقة متداخلة وإن لم تكن متطابقة مع نظيرتها في المنطقة العربية.

لعل العلاقة الوطيدة مع الهند واحدة من أبرز مكتسبات إسرائيل من صعود مودي إلى السلطة في الهند منذ عام 2014، إذ لطالما لعبت الهند دورا كبيرا في دعم القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، بل ولم تعترف أصلا بإسرائيل إلا عام 1992، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي واعتراف منظمة التحرير الفلسطينية ذاتها بإسرائيل في أعقاب اتفاق أوسلو.

"ضمنت إسرائيل الدعم الهندي، في الوقت الذي حيدت فيه العلاقات الأمريكية الباكستانية القوية موقف باكستان".

تاريخيا، كانت الولايات المتحدة أقرب إلى باكستان منها إلى الهند، ومع ذلك شهدنا تقاربا هنديا–إسرائيليا لم يتأثر بهذه الحقيقة. وحتى مع اضطراب العلاقات الهندية الأمريكية بسبب ملفات التعريفات، فإن هذا الاضطراب لم ينعكس على علاقة الهند بإسرائيل. بل استفادت إسرائيل في الحقيقة من الجهتين، إذ شكلت علاقتها بمودي رصيدا إضافيا، بجانب علاقة واشنطن القوية بإسلام آباد، والتي ازدادت متانة تحت إدارة ترمب بسبب نجاح رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير في تشكيل علاقة شخصية جيدة مع الرئيس الأمريكي.

إعلان

لقد ضمنت إسرائيل الدعم الهندي، في الوقت الذي حيدت فيه العلاقات الأمريكية الباكستانية القوية موقف إسلام آباد. على جانب الهند، أصدرت وزارة الخارجية الهندية بيانا قالت فيه إنها تشعر "بالقلق العميق تجاه التطورات الأخيرة في إيران ومنطقة الخليج، وتحث كل الأطراف على ضبط النفس وعدم الانجرار للتصعيد وإعطاء الأولوية لأمن المدنيين، مع انتهاج الدبلوماسية والحوار".

هكذا، ودون الإشارة لإسرائيل من الأساس، عقبت الهند على الضربة الإسرائيلية التي شنتها تل أبيب بعد أيام من استضافة مودي في الكنيست، وهو بيان لا يرقى حتى لبيانها الذي أصدرته في يونيو/حزيران 2025، بعد الضربة الأمريكية على المواقع النووية الإيرانية، والذي عبرت فيه عن قلقها من "التطورات بين إيران وإسرائيل"، بما في ذلك "الهجمات على المواقع النووية"، في إشارة واضحة لإسرائيل، وإلى أن إيران وأراضيها هي الطرف المستهدف.

أما باكستان، وعكس حماستها في التضامن مع إيران على مستوى الخطاب أثناء حرب يونيو/حزيران 2025، بدت أكثر تحفظا هذه المرة بسبب انشغالها بمعاركها مع أفغانستان، وبسبب استهداف "الرد الإيراني" لدول الخليج، التي تمتلك باكستان علاقات قوية معها. لذا، أمسكت باكستان بالعصا من المنتصف هذه المرة، لا سيما وقد وقعت اتفاقية دفاع مشترك مع السعودية في سبتمبر/أيلول 2025، مما دفعها لإعلان تضامنها مع الدول العربية المتضررة والتنديد بالضربة الإسرائيلية الأمريكية ببيان مقتضب.

في غضون ذلك، تبدو الدائرة الإقليمية الأوسع مواتية أيضا للتحركات الإسرائيلية في أكثر من منطقة، وأبرزها القوقاز، حيث تتمتع أذربيجان حاليا بعلاقة إستراتيجية وثيقة مع إسرائيل، رغم أن تحالفها الأساسي كان ولا يزال مع تركيا، في حين تعاني أرمينيا من عزلة نسبية بعد تراجع الدعم الروسي، وتبقى إيران حليفها الوحيد.

تجني إسرائيل أيضا ثمار علاقة قوية مع إثيوبيا في شرق أفريقيا، التي زارها الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ مؤخرا، وحضورا في منطقة القرن الأفريقي قد يتيح لها على الأقل تحييد الأطراف التي يمكن أن تشكل مصدر متاعب حال اتسع نطاق الحرب بفعل انخراط الحوثيين على جبهة البحر الأحمر. فقد اعترفت تل أبيب بإقليم أرض الصومال دولة مستقلة، ولا يزال بإمكانها استخدام علاقاتها هناك لترسيخ وجود في المنطقة، في ظل محاولات مصرية وتركية لتدعيم حكومة مقديشو والتعاون مع إريتريا لإحداث التوازن في مواجهة تمدد إسرائيل وحلفائها.

الحرب الآن

بينما تشتعل المواجهة من جديد في المنطقة، يبدو جليا أن الدافع الرئيسي وراءها هو الرغبة الإسرائيلية العارمة في شن الحرب، والإصرار على استخدام كل ما تبقى لتل أبيب من أوراق ورصيد لتطويق النظام الإيراني. أبرز تلك الأوراق التحالف الفعال وغير المشروط مع واشنطن، الذي لا يزال حيا وضامنا لتدفق السلاح والمال، لكنه ليس مضمونا بالدرجة نفسها على المدى البعيد إذا انشغلت الولايات المتحدة بمعركة مع الصين أو انجذب فيها الحزبان الديمقراطي والجمهوري إلى قواعد شعبية جديدة تراجع معها الدولة الأمريكية طبيعة التحالف مع حليفها الصهيوني.

"ثمة مناخ عالمي موات لإسرائيل في ظل غياب أي ند حقيقي للولايات المتحدة، فليس للصين بعد أي توجه واضح في المنطقة يتجاوز مصالحها الاقتصادية، في حين تظل روسيا منشغلة بمعاركها الرئيسية في شرق أوروبا".

ومن تلك الأوراق أيضا الفراغ الجيوسياسي في المنطقة، في ظل انحسار الدور الإيراني، وتشكل بطيء لتفاهمات مصرية سعودية تركية لا ترقى إلى أن تصبح تحالفا بعد، ولا تزال تخرج بالتدريج من صدامات الماضي القريب السياسية. وهي تفاهمات بدأت تتشكل بعد أن قفزت واشنطن صراحة فوق ضماناتها القديمة بأن تبقي قدرا من التوازن السياسي بين تحالفها مع إسرائيل، وعلاقتها التاريخية مع حلفائها الآخرين في المنطقة. وأخيرا، ثمة مناخ عالمي موات في ظل غياب أي ند حقيقي للولايات المتحدة، فليس للصين بعد أي توجه واضح في المنطقة يتجاوز مصالحها الاقتصادية، في حين تظل روسيا منشغلة بمعاركها الرئيسية في شرق أوروبا.

في نهاية المطاف، تدرك تل أبيب أنها أمام معركة طويلة، ومصاعب ليس أقلها الاستهداف المفتوح لأراضيها من جديد، وهي التي تعاني حساسية متزايدة تجاه ترسيخ صورتها بوصفها دولة غير آمنة لمواطنيها منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، وكذلك التأثير السلبي على صورتها لدى الرأي العام العالمي بالنظر إلى أنها الدولة التي بادرت بالعدوان.

وهناك أيضا المزيد من التعقيدات في علاقاتها بالدول الإقليمية صاحبة العلاقات الدبلوماسية معها، مثل مصر وتركيا، وهي دول يزداد توجسها من التحركات الأحادية الإسرائيلية في المحيط العربي، ومن الفراغ الناجم عن تقويض النظام الإيراني الذي أثمر تبلور مشروع إقليمي إسرائيلي منفرد برعاية أمريكية تجاوز المسلمات السياسية التاريخية في المنطقة.

الحرب الآن إذن هي استراتيجية إسرائيل، والمغامرة بكل ما تملك هو خيارها الأوحد اليوم، في مقابل محاولات احتواء لمشروعها، وقوى إقليمية وعالمية بعيدة لم تنخرط بما فيه الكفاية، أو نأت بنفسها عن الانخراط، وكل ذلك أمام حضور أمريكي لا يزال راسخا في دعمه لإسرائيل رغم ما مر به من تحولات. أما إيران، فهي كما كانت منذ عام 1979، وحيدة تقريبا، ويبدو أنها لا تمتلك خيارا سوى المغامرة بكل ما تستطيع، قبل أن تفقد كل شيء مرة واحدة، بلا رجعة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا إيران اسرائيل أمريكا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا