آخر الأخبار

درس في الحرب.. هل تستطيع إيران إغراق حاملة طائرات أمريكية؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي


"مفتاح الهيمنة الصينية في المياه المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي يكمن في إغراق حاملتي طائرات أمريكيتين.. وقتها سنرى كيف يكون رعب الأمريكيين بخسارة حوالي 10 آلاف بحار".

بواسطة الأدميرال الصيني لو يوان - خطاب عام 2018

من المؤكد أن فكرة إغراق حاملة طائرات ضخمة هي حلم داعب مخيلة السياسيين والعسكريين من خصوم الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه هاجس طالما أرق المسؤولين الأمريكيين. فحاملات الطائرات الحديثة ليست مجرد سفن ضخمة باهظة التكلفة لكنها الرمز الأهم للهيمنة العسكرية الأمريكية وقدرة الجيش الأمريكي على الإمساك بتلابيب العالم. ليس عجيبا إذن أن تُناقش تلك الفكرة "النظرية" في الأروقة العسكرية في واشنطن نفسها، وفي بكين وموسكو، ومؤخرا في طهران أيضا.

ففي خضم التصعيد العسكري الراهن بين أمريكا وإيران، وقبل أيام من شن الضربات الأمريكية الإسرائيلية، أقر المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، الذي قُتل بضربة إسرائيلية أمس السبت، أن حاملات الطائرات التي تحركت نحو إيران هي سلاح خطير، لكنه أشار إلى أن الأخطر منها هو السلاح القادر على إغراقها إلى قعر البحر، محذرا أن أقوى جيش في العالم قد يتلقى أحيانًا صفعةً تخرُّه صريعا غير قادر على النهوض مجددا.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 علي خامنئي.. مرشد إيران الذي صالَح بين عبد الناصر وسيد قطب
* list 2 of 2 مومباي – حيفا.. كيف يغير تحالف مودي ونتنياهو الشرق الأوسط؟ end of list

لم يكن تهديد خامنئي الوحيد في هذا السياق، فقد سبقه العديد من المسؤولين والعسكريين الإيرانيين إلى التلويح بقدرة بلادهم على الإطاحة برمز القوة الأمريكية. وهو ما يدفعنا إلى التساؤل: ما الذي يتطلبه الأمر حقا لإغراق حاملة طائرات؟ وهل تستطيع إيران فعل ذلك أم أن الأمر يدخل في رسائل التصعيد المتبادل أكثر مما يعبر عن قدرة فعلية؟

قبل الجواب، من المهم الإشارة إلى أن الجيش الإيراني والحرس الثوري يمتلكان بالفعل طيفا واسعا ومتنوعا من وسائل الدفاع والهجوم البحري، التي صُمِّمَت بالأساس لرفع تكلفة أي عمل بحري ضدها داخل مسرح عمليات ضيق مثل مضيق هرمز وما حوله. في الواقع، يشير تقرير صادر من وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية إلى أن هذه الحزمة قادرة على تعطيل حركة الملاحة وفرض "تهديدات تشبعية"، أي إغراق أنظمة الدفاع لدى الخصم بعدد كبير ومتزامن من الهجمات، عبر أسراب الزوارق والألغام والصواريخ، مهما كان الفارق في القدرات التقنية بين طهران وخصمها، وحتى لو كان ذلك الخصم هو الولايات المتحدة نفسها.

إعلان

غير أن السؤال عن استهداف حاملات طائرات أمريكية يتطلب تمييزا واضحا بين "إغراق الحاملة" و"تعطيل الحاملة". فإغراق الحاملة يعني إخراجها من المعركة نهائيا عبر تحطيم هيكل الحاملة بصورة تمنع إصلاحه، وهو ما لم يحدث منذ عام 1945 حين غرقت حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس بيسمارك" في المعارك مع اليابان (وهي أصغر بكثير من الحاملات الحالية). أما تعطيل الحاملة فيتحقق عبر طرق متنوعة، مثل إتلاف مدرج الطائرات، أو أنظمة الإقلاع والهبوط، أو التسبب في حرائق وانفجارات تعيق الدورة الجوية لإقلاع الطائرات، أو عبر إحداث ضرر في أجهزة الدفع والتوازن، مما يؤدي إلى تقليل السرعة والمناورة بما لا يسمح بعمليات طيران آمنة.

من الناحية النظرية، فإن حاملة الطائرات شأنها شأن أي سلاح، تمتلك نقاط ضعف ما يجعل إغراقها ممكنا نظريا، لكنها تمتلك عناصر حصانة عالية ومنظومات دفاعية متعددة الطبقات تجعل المهمة شبه مستحيلة وتتطلب توفر ظروف صعبة أولها أن تخوض الحاملة معركة متكافئة في عرض البحر. لذلك، غالبا ما يدور النقاش العملي حول تعطيل مهمة الحاملة أكثر من إغراقها كليا. والواقع أنه من منظور اقتصاد الحرب والقرار السياسي، فإن تعطيل حاملة طائرات لعدة أسابيع قد يحقق لإيران أثرا استراتيجيا إيجابيا، لأنه يغير حسابات الحضور الأمريكي ويهز الثقة في أمن الممرات البحرية الحيوية في المنطقة، ويكلف الأمريكيين الكثير من المال.

أصبح هذا السيناريو مطروحا بشكل أكبر بالنظر إلى عمق الضربات التي أطاحت بالمرشد الإيراني نفسه وكبار القادة الإيرانيين، ما خلق سقفا مفتوحا للتصعيد. حيث يرجح أن تستخدم طهران الآن جميع الأوراق المتاحة لفرض تكاليف باهظة لمواجهة العدوان الأمريكي الإسرائيلي بحقها.

منظومة متكاملة.. ودفاع متعدد الطبقات

للحديث عن "إغراق" أو حتى "تعطيل" حاملة طائرات، يجب توضيح أن حاملة الطائرات ليست مجرد سفينة ضخمة تسير وحدها، بل هي منظومة قتال متكاملة بُنيَت كي تجعل اختراقها مكلفا وصعبا. وتصف البحرية الأمريكية المجموعة عادة بأنها فريق يتدرب وينتشر كوحدة واحدة، ويتكون من حاملة بمحركات نووية، مع جناحها الجوي الذي ينطلق من على سطحها، وسفن قتال سطحي مجهزة للدفاع الجوي والصاروخي، وتتكون عادة من طراد أو مدمرة ذات صواريخ موجهة، ومدمرات مرافقة إضافية، وسفينة إمداد.

الفكرة هنا أن القوة الكلية لهذه الفرقة أكبر بكثير من مجموع أجزائها، لأن كل منصة تُكمِّل الأخرى في الهجوم والدفاع والقيادة والسيطرة. ومربط الفرس هو أن الحاملة تمتلك درعا دفاعيا مكونا من طبقات متتالية متلاحمة، فهناك طبقة الإنذار المبكر مثلا، حيث تلعب طائرة "إي-2 دي- هوك آي" (E-2D Hawkeye) دور العين الراصدة المحمولة جوا، وتستطيع رصد التهديدات الجوية والصاروخية مبكرا قبل أن تقترب الأخطار من السفينة.

بالتوازي تعمل أدوات الحرب الإلكترونية كخط دفاع غير مرئي، فهناك طائرة "إي إيه-18 جي غراولر" (EA-18G Growler) المخصصة للتشويش والتأثير على رادارات واتصالات الخصوم، مما قد يربك توجيه الصواريخ المعادية أو يقلل دقتها. أما العمود الفقري للدفاع الصاروخي فهو نظام "أيجيس" (Aegis)، الذي تصفه البحرية بأنه منظومة آلية للقيادة والسيطرة يمكنه تتبع أهداف متعددة في وقت واحد وتوجيه صواريخ الاعتراض المناسبة.

إعلان

ووفق تقارير خدمة أبحاث الكونغرس، تتدرج الصواريخ في المهام من الصواريخ المخصصة للاعتراض داخل الغلاف الجوي، مثل "إس إم-2″ (SM-2) و"إس إم-6" (SM-6)، والصواريخ المخصصة لاعتراض الصواريخ الباليستية خارج الغلاف الجوي، مثل "إس إم-3" (SM-3). وإذا نجح أي تهديد في الاقتراب أكثر، تظهر طبقة الدفاع القريب، وأبرزها نظام "سي رام" (SeaRAM)، المصمم لاعتراض الصواريخ والمُسيَّرات السريعة قرب السفينة، وهو خط الحماية الأخير عندما تتجاوز المقذوفات الطبقات الأبعد.

في الأخير، فإن "تهديدا" يحاول الوصول للحاملة لا يواجه طبقة دفاعية واحدة، بل شبكة دفاع مركبة تتوزع فيها الأدوار. ومن أسباب صعوبة الاختراق الإضافية أن الدفاع ليس منعزلا عن رادار سفينة واحدة، فهناك أنظمة شبكية تمكن السفن والطائرات من تبادل بيانات الاستشعار لحظة بلحظة لبناء صورة متكاملة للمجال القتالي، وتسريع اتخاذ القرار وتحسين مدى الاشتباك، بما يزيد عمق النيران ويحسن زمن رد الفعل.

بجانب هذه المنظومة الدفاعية المركبة، هناك بعد آخر يجعل اختراق الحاملة أصعب، وهو تصميم السفينة نفسه، فهي تتكون من بدن ضخم مع تقسيم داخلي كثيف إلى مقصورات محكمة الإغلاق وأبواب مانعة للماء، وأنظمة متعددة للكهرباء والاتصالات والقدرة الدافعة، وشبكات إطفاء ومكافحة حرائق وتسربات مصممة للعمل حتى مع تضرر جزء من السفينة. هذا التقسيم والبناء الشبكي يعني أن الإصابة، مهما كانت مؤلمة، غالبا ما يكون تأثيرها "جزئيا" بحيث يمكن عزلها وإدارة آثارها، بدلا من أن تتحول بسرعة إلى تهديد للسفينة بأكملها، بالإضافة إلى وجود فرق متخصصة في السيطرة على الأضرار تعمل وفق إجراءات وتمارين مستمرة لإبقاء السفينة مستقرة وقابلة للقتال.

مصدر الصورة شركة لوكهيد مارتن الأميركيو تعرض نماذج لمروحية "إم إتش-60 آر" وسفينة مزوّدة بنظام "إيجيس (ASEV) ونظام راجمات الصواريخ المتعددة "إم إل آر إس إم270 أي2" خلال معرض معدات الأمن والدفاع الدولي (غيتي)

الطريق لـ"تحييد" حاملة طائرات

عند التعامل مع حاملة الطائرات، ليست الفكرة العامة إسقاط منظومة الحاملة كليا عبر سلاح واحد قاتل، بل تعطيلها وإخراجها من المعركة عبر حزمة استهدافات متعددة ومتنوعة الأسلحة تسعى إلى الإرباك أولا، وتحقيق التشبع ثانيا، أي محاولة إغراق الدفاع الجوي الخاص بمجموعة حاملة الطائرات.

يعدد تقرير وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية سالف الذكر عناصر تشمل الصواريخ المضادة للسفن والألغام وأسراب الزوارق السريعة والغواصات، ويؤكد أن الجمع بينها قد يعطل الملاحة ويضغط على الحاملة ومجموعتها. وبالمثل، يشير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن التهديد "البحري-الجوي-الصاروخي" المتزامن في الخليج يعد بيئة خطيرة للغاية لحاملة الطائرات، بسبب ضيق المساحات وقرب الشواطئ والقدرة على إطلاق صواريخ من منصات مختلفة.

تعد الصواريخ الباليستية المضادة للسفن السلاح الأخطر ضد السفن الكبيرة إذا توفرت دقة "الاستهداف الطرفي" (قدرة السلاح الموجه على تصحيح مساره في المرحلة النهائية لضرب الهدف بدقة عالية رغم المناورة أو التشويش). وتقوم إيران بالفعل بتطوير نسخ قصيرة إلى متوسطة المدى يمكن تكييفها للمهام البحرية، وتمتلك باحثات كهروبصرية، أو مضادة للإشعاع في المرحلة النهائية، لتمكين ضرب هدف متحرك.

لا تكتفي طهران بذلك، فقد أشارت تقارير صحفية مؤخرا إلى مساعي طهران لشراء صواريخ "سي إم-302" (CM-302) المضادة للسفن من الصين، وأن الصفقة باتت قريبة من الاكتمال رغم عدم الاتفاق النهائي على موعد التسليم حتى الآن. هذه الصواريخ "الأسرع من الصوت" يصل مداها إلى 290 كيلومترا، وهي مصممة خصيصا لتفادي الدفاعات البحرية المتطورة من خلال الطيران بسرعة هائلة وعلى ارتفاع منخفض جدا، وهو ما يمثل تهديدا مباشرا للقوات البحرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة.

إعلان

بدرجة أقل، تمثل صواريخ كروز والصواريخ المضادة للسفن الساحلية (فئة أقل خطورة مخصصة للدفاع الساحلي) تهديدا بحريا عمليا، إذ يمكن إطلاقها من بطاريات أو سفن صغيرة وربما زوارق، وتستخدم لإجبار السفن على المناورة والدفاع، واستنزاف الذخائر الدفاعية، وتوضع هذه الصواريخ ضمن أدوات الإغراق بالتشبع، التي تمهد الطريق أمام الصواريخ الأكثر قدرة لمواصلة طريقها نحو الهدف.

في فبراير/شباط من العام الماضي 2025، نشرت وكالة أسوشيتد برس تقارير عن صاروخ كروز مضاد للسفن إيراني سمي "قدر 380" (Ghadr-380)، ونقلت عن التلفزيون الرسمي الإيراني وقيادة بحرية الحرس الثوري أنه يتمتع بقدرات مضادة للتشويش، مع إمكانية استخدامه ضد أصول بحرية أمريكية في الخليج. كما أشارت الوكالة إلى صاروخ بالستي بالوقود الصلب تحت اسم "قاسم بصير"، ونقلت أن المسؤولين الإيرانيين تحدثوا عن تحسينات في التوجيه وقابلية المناورة لتجاوز طبقات الدفاع، وأن الصاروخ يمكنه إصابة هدفه بدقة دون الاعتماد على نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس).

"لقد فكر الإيرانيون في الأمر جيدًا بشأن تلك الألغام. إنها تُسبب مشاكل في جميع طبقات المياه، من السطح إلى القاع".

بواسطة بوب أودونيل - ضابط بحري متقاعد وخبير في كاسحات الألغام

بعد الصواريخ، تأتي الألغام البحرية بوصفها الأداة الأكثر اقتصادية لإحداث أثر تشغيلي واسع، فهي لا تحتاج الدقة المطلوبة للصواريخ الموجهة نحو هدف متحرك، ويمكن زرعها سرا وبكلفة أقل، وتفرض على الخصم عمليات كنس وتمشيط وتعطيل مسارات، مما يبطئ تحركه. ويتحدث تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر عام 2025 عن تقديرات تدور حول نحو 6000 لغم إيراني، لكن بعض التقارير ترفع الإجمالي إلى 20 ألف لغم، مع قابلية نشر سريع اعتمادا على استراتيجية بسيطة: قطعة رخيصة يسهل تصنيعها باستمرار، يمكن أن تعطل أو تدمر قطعة غالية يصعب تصنيعها بالسرعة والموارد المحدودة ذاتها.

منذ الحرب العالمية الأولى وحتى اليوم، أثبتت الألغام فعاليتها كسلاح بحري، بداية من ألغام التلامس التقليدية البسيطة (تنفجر حين تلامس بدن السفينة) إلى النسخ الأكثر تطورا مثل "الألغام الانجرافية" العائمة القادرة على تغيير مواقعها، والألغام المتذبذبة (التي تتحرك صعودا وهبوطا). ويعتقد أن ترسانة إيران تحوي أنواعا متعددة من الألغام، بما يشمل ألغام "إي إم-52" (EM-52) صينية الصنع، وألغام "إم دي إم-6" (MDM-6) الروسية، والألغام التلامسية "إم-08" (M-08)، والتي يمكن حال نشرها بكثافة في مساحة محدودة أن تفرض تكاليف باهظة وتُحجِّم حركة السفن.

ثم تأتي تهديدات الزوارق السريعة وأسراب "اضرب واهرب" التي ترتبط على نحو خاص بالحرس الثوري الإيراني، الذي توضح أدلة عسكرية أمريكية أنه يتدرب على "سربنة" (Swarming) القوة عبر نشر أعداد كبيرة من الزوارق الرخيصة نسبيا. لا يعني ذلك بالضرورة القدرة على إغراق الحاملة، لكنه يرفع احتمال استنزاف السفن المرافقة لها، وإجبارها على الانكشاف أو التخلي المرحلي عن مواقع قريبة، وخلق فرص لهجمات متزامنة بالصواريخ والمسيرات.

وحتى الغواصات والطوربيدات الإيرانية، رغم محدودية عددها (وقدراتها) مقارنة بأساطيل الدول الكبرى، فإنها في سياق عمل متكامل مع الأسلحة الأخرى توفر نوعا من "الفتك غير المتناسب"، مما يعني أن سلاحا ما أو قوة محدودة الحجم والعدد، تستطيع أن تحدث أثرا تدميريا أو تعطيلا أكبر بكثير من وزنها الحقيقي بسبب ظروف التشغيل أو طبيعة الهدف، أو لأنها تستخدم داخل منظومة تكتيكية تضاعف أثرها.

تعمل الغواصات الإيرانية، التي تشمل غواصات "كيلو" (Kilo) الروسية الصنع، وغواصات "فاتح" متوسطة الحجم المنتجة محليا، وأسطول غواصات "غدير" المصغرة، بإجمالي 30 غواصة تقريبا، في بيئة ضيقة ومعقدة، ويمكنها تهديد سفن عالية القيمة تابعة لمجموعة حاملات الطائرات بوسيلة يصعب كشفها مبكرا. وإذا تزامن عملها مع ألغام وصواريخ ساحلية ومسيرات وتشويش، يتعاظم الأثر، بل لأنها تجبر الخصم على التباطؤ وتغيير مساراته، وتخصيص موارد ضخمة للعمل المضاد للغواصات، أي أن تكلفة المواجهة تصبح أعلى بكثير من كلفة السلاح المستخدم.

أما أهمية المسيرات الجوية والبحرية فتنبع من دورها في الاستطلاع وبناء "سلسلة القتل" (Kill Chain)، أي تسلسل الخطوات من اكتشاف الهدف إلى إصابته فعليا، ومن ثم فإن قيمتها الحاسمة ليست في أن تغرق هدفا كبيرا، بل في توسيع وتحسين القدرة على الاستطلاع والإنذار المبكر وتحديد الأهداف وتحديث بياناتها، عبر تحويل البحر والجو إلى مساحة مراقبة مستمرة قبل إطلاق الصواريخ أو توجيه بقية الأسلحة.

مصدر الصورة "فاتح" أول غواصة ساحلية متوسطة الحجم بالأسطول الإيراني مصممة ومصنعة محليا بالكامل (وكالات)

على صعيد آخر، تلعب الحرب الإلكترونية والسيبرانية دورا مهما في تعكير الجو أمام الخصم، فبدلا من ضرب السفينة مباشرة، يجري العبث بأدوات الملاحة والتواصل التي تعتمد عليها السفن لتعرف أين هي وما حولها. وقد حذرت تقارير الإدارة البحرية الأمريكية من حوادث متكررة في المنطقة تشمل تشويشا على خدمات نظام "جي بي إس" (GPS)، وظهور بيانات مضللة لتعريف السفن، بل وحتى انتحال مكالمات لاسلكية على قنوات الملاحة أثناء الحرب بين إيران وإسرائيل عام 2025.

إعلان

تصنع هذه التكتيكات ارتباكا واضحا، وتزيد احتمال الأخطاء والحوادث، وتصعب بناء صورة دقيقة عن الحركة البحرية. أما الجانب السيبراني، فهو أقرب إلى محاولة اختراق الشبكات والأنظمة للحصول على معلومات أو تعطيل خدمات مساندة. وقد نشرت وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأمريكية (CISA) تحذيرات من نشاطات إيرانية أو مرتبطة بإيران قد تستهدف شركات أو بنى تحتية.

مما سبق يمكن أن نفهم المقاربة الإيرانية في البحر بوصفها نسخة هجينة من استراتيجية تعرف بـ"منع الوصول والمناطق المحرمة" (Anti-Access/Area Denial) أو "إيه 2/ إيه دي" (A2/AD)، وهو مفهوم عسكري يعني أن تقيم دولة ما منطقة محظورة عسكريا على قوات الخصم (حاملة الطائرات ومجموعتها في هذه الحالة)، وبمجرد اختراقها تبدأ عملية إطلاق النار، وهي استراتيجية تجعل مسرح المعركة صعبا ومكلفا على الخصوم.

ويركز مفهوم منع الوصول على إبعاد الخصم ومنعه من الاقتراب ضمن مناطق معينة عبر تهديد القواعد والموانئ والسفن الكبيرة بصواريخ بعيدة المدى. بينما المناطق المحرمة تهدف إلى جعل القتال داخل المنطقة نفسها خطرا وبطيئا، عن طريق استخدام ألغام وزوارق سريعة ومسيرات وتشويش ودفاعات جوية.

لا تفترض إيران وجود معركة بحرية تقليدية متكافئة ضد قوة متفوقة، بل تفترض أن أفضل طريقة لرفع كلفة عمل الخصم هي تسليح الجغرافيا نفسها، فاستراتيجية منع الوصول والمناطق المحرمة الإيرانية مرتبطة بتموضعها على طول الخليج ومضيق هرمز، مع دفاعات بحرية "طبقية"، تنطلق من منصات ووسائط تستخدم بشكل مركب بهدف إشباع دفاعات الخصم، ومن ثم فما يقلق الأمريكيين ليس سلاحا منفردا، بل شبكة تهديدات تستفيد من مسرح عمليات محدد.

مصدر الصورة الحرب الإلكترونية والسيبرانية دورا مهما في تعكير الجو أمام الخصم (شترستوك)

حوادث تاريخية

ثمة حوادث تاريخية تكشف أن تأثير هذه القوى "المحدودة" مجتمعة يترك أثرا حقيقيا، مثل حادثة السفينة "يو إس إس ستارك" في 17 مايو/أيار 1987 داخل الخليج العربي، عندما انطلق صاروخان مضادان للسفن من طائرة عراقية، وقتلا 37 وجرحا 21 شخصا وأحدثا حريقا وأضرارا بالغة. لم تغرق السفينة حينها لأن الطاقم نجح في السيطرة على النيران والأضرار، لكن السلاح المضاد للسفن سبب خسائر بشرية وتعطيلا عملياتيا.

ثم هناك حادثة "يو إس إس صامويل روبرتس" في 14 أبريل/نيسان 1988، حين اصطدمت الفرقاطة الأمريكية بلغم إيراني أحدث ثقبا قطره 5 أمتار، وأزاح المحركات من قواعدها، وأغرق غرفة المحركات، وكاد "يكسر السفينة إلى نصفين". ورغم ذلك أنقذها الطاقم بعد ساعات من مكافحة الحرائق وتدفق المياه، وهي واقعة تستخدم لتفسير تأثير أداة منخفضة التقنية، مثل اللغم، وقدرتها على إحداث أثر كبير.

ثم تأتي حادثة تفجير "يو إس إس كول" في عدن عام 2000 لتعطينا درسا ثالثا، حيث أمكن لوسائل بسيطة نسبيا، مثل زورق صغير محمل بمتفجرات، أن يحدث صدمة استراتيجية وأضرارا هائلة دون إغراق. فقد أحدث الانفجار ثقبا كبيرا في السفينة وقتل 17 شخصا وأصاب العشرات، ومع ذلك بقيت السفينة طافية بفضل السيطرة على الأضرار.

الخلاصة التي تربط هذه الحوادث الثلاث، هي أن إصابة سفينة حربية لا تعني تلقائيا إغراقها، لأن تصميم السفن العسكرية الحديثة قائم على التقسيم الداخلي والوظائف الشبكية، فإذا تعطل أحدها قام الآخر بوظيفته. ولكن في الوقت نفسه، فإن عدم الغرق لا يعني عدم التأثر، فقد تخرج الضربة السفينة من المعركة، وتحدث خسائر بشرية كبيرة، وتفرض تغييرا واسعا في قواعد الاشتباك والانتشار، وهذا بالضبط ما يجعل خيارات مثل الألغام والتخريب المحدود والمسيرات والصواريخ الرخيصة أدوات واقعية لتعطيل بيئة العمليات.

مصدر الصورة المدمرة الأميركية "يو إس إس كول" تُسحَب من ميناء عدن عقب تعرّضها للهجوم عام 2000 (شترستوك)

ينطبق ذلك بشكل أخص على حاملات الطائرات التي تختلف عن أي سفينة أو قطعة بحرية أخرى مهما بلغت ضخامتها. فوفقا لدراسة لمؤسسة راند، يكمن التحدي الأول في التعامل مع حاملة الطائرات في إصابة هدف متحرك، فالحاملة لا تقف ثابتة مثل المبنى، بل تغير سرعتها واتجاهها، وتعمل داخل مجموعة تحميها، وتحاول تقليل الإشارات التي تكشف موقعها، وتستخدم التشويش لتعمية تحركاتها.

وثانيا، حتى لو حدثت إصابة للحاملة، فليس صحيحا أن ضربة واحدة مهما بلغت قوتها تكفي لإغراقها. وثالثا، يعتمد اختراق دفاعات مجموعة الحاملة على "حجم الرمية"، أي عدد المقذوفات التي تطلق في وقت متقارب ومن اتجاهات مختلفة. وأخيرا، فحتى لو امتلكت إيران منصات إطلاق كثيرة، فهناك سؤال القدرة على الاستمرار في فعل ذلك في سيناريو حرب مفتوحة، تكون منظومة الاستطلاع والاتصالات ومنصات الإطلاق نفسها أهدافا مباشرة للضربات الأمريكية، مما يضغط على إمكانية تكرار موجات الهجوم بنفس الكثافة لفترة طويلة.

"منذ عقود، لم تنجح أي قوة في تحييد حاملة طائرات أمريكية في سيناريو قتالي مفتوح، ومن المرجح أن يكون لذلك تداعيات هائلة".

في ضوء ما سبق فإن السيناريو الأقرب لتلك المواجهة عند حدوثها، هو أن تستخدم أدوات التشويش على الملاحة وإرباك الاتصالات وزرع الألغام في ممرات حساسة، ثم إطلاق موجات من المسيرات وصواريخ كروز. والهدف هنا لن يكون إغراق الحاملة، بل دفع القوة البحرية للتراجع، أو إصابة سفينة مرافقة أو إسناد، أو رفع كلفة البقاء في المنطقة.

أما أسوأ سيناريو للولايات المتحدة فهو أن تنجح إيران في تتبع ذلك الهدف المتحرك بدقة، ثم تنسق هجوما إشباعيا من عدة اتجاهات وفي وقت متقارب، بحيث يخترق بعضه الدفاعات الطبقية ويحدث إصابة وظيفية على سطح الحاملة، عبر تعطيل الطيران مثلا أو أنظمة رئيسية للسفينة أو تحقيق إصابة تحت الماء تؤثر على دفع السفينة أو توازنها.

من غير المرجح أن يغرق ذلك الحاملة أيضا لكن يمكن أن يخرجها من الحرب. ورغم أن ذلك لن يؤثر على موازين القوة الفعلية في ظل قدرة أمريكا على استبدال أي وحدات قتالية فسوف يكون تأثيره الدعائي والنفسي والسياسي هائلا. فمنذ عقود، لم تنجح أي قوة في تحييد حاملة طائرات أمريكية أو أي سفينة كبرى خاصة في سيناريو قتالي مفتوح، ومن المرجح أن يكون لذلك تداعيات هائلة، على صعيد هيبة الجيش الأمريكي الذي يحسم الحروب اليوم بفضل سمعته الباطشة قبل أن تحسمها نيرانه الفتاكة الضارية. وكذا على صعيد السياسة الأمريكية التي سوف تكتشف حينها، لأول مرة منذ فترة طويلة، أن هناك حدودا لتأثير تلك القوة الهائلة والمفرطة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا