في مطار رفيق الحريري الدولي، تتداخل نداءات الرحلات مع عناقٍ سريع بين مودّعين، وابتسامات مترقبة على وجوه مستقبلين. جوازات تُختم، وطائرات ترتفع تباعاً في سماء بيروت، كأنها رسائل تطمئن بأن الحياة تسير كالمعتاد.
وعلى بُعد كيلومترات، في مرفأ بيروت، تتحرك الرافعات فوق الحاويات كأنها تعاند الذاكرة الثقيلة لانفجار 2020. سفن ترسو وأخرى تغادر، وحركة لا تهدأ توحي بأن الاقتصاد، وإن كان منهكاً، لا يزال يتنفس.
لكن خلف هذا المشهد اليومي، تلوح صورة أخرى قاتمة: مدرجٌ خالٍ، طائرات رابضة بلا وجهة، سفن متوقفة عند الأرصفة، وصمت ثقيل يخيّم على مرافق كانت تضجّ بالحياة. احتمالٌ قد يخرج من حيّز التخمين إلى الواقع، إذا ما تحققت الأخبار المتداولة عن تهديدات إسرائيلية باستهداف البنية التحتية المدنية اللبنانية في حال انخراط حزب الله في مواجهة أميركية–إيرانية محتملة، بحسب ما نقلته وكالة “ رويترز “.
التوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران أعاد لبنان إلى قلب الحسابات الإقليمية. إعلان الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم أن الحزب “ليس على الحياد” في أي مواجهة محتملة، ضيّق هامش الطمأنة الداخلي وفتح الباب أمام تساؤلات حول قدرة الدولة على تحييد البلاد.
في المقابل، نقلت وكالة “ فرانس برس ” عن مسؤول في الحزب قوله إن التدخل العسكري لن يحصل إذا كانت الضربات الأميركية “محدودة”، لكنه أشار إلى أن أي هجوم يستهدف إسقاط النظام في إيران أو المرشد الأعلى علي خامنئي يُعدّ “خطاً أحمر”.
قرار وزارة الخارجية الأميركية إجلاء موظفين غير أساسيين من سفارتها في بيروت، مع إبقاء التحذير من السفر عند المستوى الرابع، رفع منسوب القلق. ورغم وصف الخطوة بالاحترازية، فإنها عكست تقديراً أميركياً لمخاطر أمنية محتملة.
لاحقاً، أعلن وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي عن وجود تحذيرات من احتمال استهداف إسرائيل بنى تحتية في حال تدخل حزب الله في الحرب، مؤكداً أن بيروت تتحرك دبلوماسياً لتفادي ذلك.
في المقابل نقلت وسائل اعلام لبنانية خبرا عن مسؤول إسرائيلي أكد نفيه وجود نية لاستهداف البنية التحتية، ما أطلق سجالاً داخلياً بين مطمئن ومتحفّظ.
تكثّف السلطة اللبنانية اتصالاتها الدولية، في محاولة لتثبيت مظلة حماية سياسية تحول دون انزلاق البلاد إلى مواجهة مفتوحة.
وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية فادي مكي شدّد، في حديث لموقع “الحرة”، على أن الركيزة الأساسية تكمن في قرار الحكومة حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة. وقال “هذا قرار اتُخذ ولا رجعة عنه”، مشيراً إلى نجاح الدولة سابقاً في تجنيب لبنان تداعيات المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية في يونيو الماضي، ومضيفاً “أتصور أن لدى الجميع وعياً بضرورة النأي بالنفس وعدم الانخراط في أي مساندة”.
أما بشأن ما يتداول عن تهديدات وصلت إلى مسؤولين لبنانيين تطال البنى التحتية في البلاد، فأكد مكي أنه “لم أسمع بذلك”.
العميد المتقاعد شامل روكز يرى، من جهته، أن حصر قرار الحرب والسلم بالحكومة يشكّل خطوة أساسية، داعياً في حديث لموقع “الحرة” إلى “حالة طوارئ دبلوماسية” باتجاه عواصم القرار لتحصين لبنان ومنع استهدافه.
يخشى مراقبون أن تكون رياح الإقليم أقوى من قرار الدولة بحصر قرار الحرب والسلم بيدها، وأن تتقدّم حسابات المحاور على المؤسسات، بما قد يجرّ لبنان مجدداً إلى أتون مواجهة لا يتحمّلها.
المحلل السياسي الصحفي يوسف دياب يرى أن خيارات الدولة اللبنانية في حال اندلاع مواجهة أميركية–إيرانية محدودة جداً، مشيراً إلى أن أقصى ما يمكنها فعله هو “لعب دور الوسيط بين حزب الله والولايات المتحدة، على أمل تجنيب لبنان الانخراط في الحرب”.
ويشدد دياب في حديث لموقع “الحرة” على أن قرار حزب الله بالمشاركة في أي مواجهة لا يرتبط بحسابات الدولة أو بمصلحة اللبنانيين، “بل يأتي في سياق ارتباطه العقائدي والسياسي والعسكري بإيران. وبالتالي، إذا طُلب منه الانخراط في الحرب، سيحوّل لبنان إلى ساحة مواجهة من دون قدرة فعلية للدولة على المنع”.
في المقابل، يرجّح روكز ألا يبادر الحزب إلى الانخراط في الحرب المحتملة لاعتبارات القدرة والمصلحة، إلا إذا فُرض القتال على لبنان. لكنه يحذّر من أن “أي تدخل من قبل الحزب سيضع البلاد أمام وضع لا تُحمد عقباه من خسائر بشرية واقتصادية واسعة”.
وبحسب وزارة الصحة اللبنانية قتل أكثر من 4 آلاف شخص وأصيب نحو 17 ألفا خلال الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، التي بدأت في أكتوبر 2023 بـ”اسناد” الحزب لغزة، وتحوّلت في سبتمبر 2024 إلى مواجهة واسعة قبل أن تتوقف في نوفمبر من العام نفسه باتفاق لوقف إطلاق النار.
وعبّر المكتب السياسي لحزب الكتائب عقب اجتماعه برئاسة رئيسه النائب سامي الجميّل، “عن بالغ قلقه من تصريحات مسؤولي حزب الله حول استعدادهم لإسناد طهران في حال تعرّضها لضربة عسكرية، وما يرافق ذلك من معلومات عن تحرّكات ميدانية لضباط من الحرس الثوري الإيراني وعناصر مرتبطة بتنظيمات فلسطينية في مناطق نفوذ حزب الله، وتوسّع رقعة الغارات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية”.
“يعيش اللبنانيون في منطقة تتغيّر بسرعة وتشهد انعطافات تاريخية وفي ظلّ المخاطر المحيطة بهم ليس من مصلحتهم ولن يقبلوا” كما قال رئيس الحكومة نواف سلام أن “ينجرّ لبنان إلى مغامرة أو حرب جديدة”، آملاً أن ” يتمتّع الجميع بالعقل والعقلانيّة وإعلاء مصلحة لبنان فوق أيّ مصلحة أخرى”.
وفي حال انزلاق الأوضاع، يشير روكز إلى أن “الجيش اللبناني يأتمر بقرار السلطة السياسية”، مشيراً إلى أن “الحكومة أعلنت موقفاً واضحاً فيما يتعلق بملف السلاح غير الشرعي”.
ويرجّح دياب ألا يكون الجيش اللبناني جزءاً من أي مواجهة بين إسرائيل وحزب الله، “ما لم يصدر قرار حكومي واضح يكلفه بذلك”، وهو أمر يستبعده في ظل طبيعة الصراع، لكنه يلفت إلى أن “أي اعتداء مباشر على مؤسسات الدولة قد يفرض واقعاً مختلفاً، كما حصل قبل أيام عند توجيه الجيش الإسرائيلي تحذيرات لنقاط عسكرية لبنانية، ما استدعى استعدادات ميدانية تحسباً لأي استهداف”.
يذكر أن الجيش اللبناني طلب مهلة أربعة أشهر قابلة للتمديد لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح شمال نهر الليطاني، بعدما كان قد أعلن إنجاز مهمة حصر السلاح جنوب الليطاني. ويؤكد حزب الله رفضه تسليم سلاحه شمال النهر، ما يضع الدولة أمام تحديات سياسية وأمنية معقدة.
يحذّر خبراء من أن أي استهداف جديد للبنى التحتية اللبنانية قد يعيد البلاد سنوات إلى الوراء. فالكلفة، كما يقولون، لن تكون عسكرية فقط، بل اقتصادية واجتماعية شاملة.
ويحذّر الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا من أن أي استهداف جديد “قد يطال، كما في السابق، المطار والجسور والطرق ومصادر المياه، ما يعني شللاً سريعاً في الاقتصاد وعزلاً فعلياً للبنان، فيما يعاني قطاع الكهرباء أساساً من انهيار مزمن”.
ويوضح أبو شقرا، في حديث لموقع “الحرة”، أن “الاقتصاد سجّل عام 2025 نمواً تراوح بين 3.5 و5 في المئة، مع ارتفاع الناتج المحلي إلى ما بين 32 و36 مليار دولار، وتحقيق فائض في ميزان المدفوعات. إلا أن كلفة حرب 2024 قُدّرت بما لا يقل عن 14 مليار دولار، بينها 11 ملياراً خسائر مباشرة”.
أي تصعيد جديد، برأيه، “سيقضي على التقدم الاقتصادي الذي تحقق، ويهدد الاستقرار النقدي، ويضرب الموسم السياحي، ويدفع الاقتصاد إلى موجة انكماش جديدة مع ارتفاع البطالة والفقر”.
من جانبه، يرى دياب أن السلطة اللبنانية، إلى جانب مواطنيها، “ستتحمّل كلفة أيّ تصعيد، سواء عبر تدمير المنازل وتهجير مئات الآلاف أو استهداف البنى التحتية الحيوية”، ويشير إلى أن “السلطة اللبنانية ستجد نفسها أيضاً أمام عبء محاولة احتواء الحرب إذا اندلعت”.
أما روكز، فيؤكد أن أولوية لبنان “يجب أن تتمثل في تثبيت موقعه ضمن أي مسار إقليمي يتجه نحو التهدئة أو السلام، بحيث يكون شريكاً في هذا التحول لا ساحة لتصفية حسابات الآخرين أو دفع أثمان صراعاتهم”.
يتحرّك لبنان فوق حقل ألغام سياسي وعسكري. في مطار بيروت، ما زال الركاب ينتظرون رحلاتهم. وفي المرفأ، ما زالت حركة السفن نشطة. لكن السؤال الذي يطرحه كثيرون: إلى متى تبقى هذه الحركة الطبيعية أقوى من رياح الإقليم؟
المصدر:
الحرة