آخر الأخبار

جرائم قتل بالجملة وسلاح منفلت واتهامات بالتواطؤ.. لماذا يستشري العنف في المجتمع العربي داخل إسرائيل؟

شارك

تشهد البلدات العربية داخل إسرائيل تصاعدًا غير مسبوق في معدلات الجريمة المنظمة والعنف المسلح، في مشهد بات يصفه السكان بأنه أقرب إلى "ساحات معارك مفتوحة"، وسط اتهامات متكررة للشرطة الإسرائيلية بالتقصير، بل وبالتواطؤ مع العصابات التي تقف وراء أعمال العنف تلك.

تحولت المدن والبلدات العربية في إسرائيل خلال السنوات الأخيرة إلى بؤر للجريمة، مع هيمنة عصابات مسلحة على أحياء كاملة وانتشار واسع للأسلحة غير القانونية.

وتُسجل جرائم قتل شبه يومية، إذ قُتل منذ بداية هذا العام ما لا يقل عن 36 شخصا من عرب أالداخل في حوادث مرتبطة بالجريمة، بمعدّلٍ يقارب حالة وفاة يوميًا.

وفي 12 شباط الجاري، قُتل أربعة أشخاص في حوادث إطلاق نار منفصلة خلال نحو ثماني ساعات فقط، في مؤشر جديد إلى تصاعد العنف.

عام 2025 الأكثر دموية

وصفت منظمة "مبادرات إبراهيم" عام 2025 بأنه "الأكثر دموية على الإطلاق"، بعدما سُجل خلاله مقتل 252 فلسطينيًا في حوادث جنائية، مقارنة بـ230 حالة في عام 2024. ويحذر بعض الخبراء من أن استمرار العنف قد يدفع عائلات كثيرة إلى مغادرة بلداتها بحثًا عن الأمان، بما يخلّف آثارًا اجتماعية بعيدة المدى.

في موازاة ذلك، شهدت عدة مدن وبلدات عربية، بينها الناصرة وأم الفحم وطمرة ومجد كروم وعرعرة وكفر قاسم، موجة احتجاجات واسعة تنديدًا بتصاعد العنف المسلح وما وصفه المحتجون بالتواطؤ الإسرائيلي مع عصابات الجريمة المنظمة.

وشاركت هيئات رسمية محلية ومدارس في إضرابات لتعزيز الضغط الشعبي. ورفع المشاركون الأعلام السوداء ورددوا هتافات ضد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، حيث اتهموه بتجاهل نزيف الدم والتعامل مع حياة الأقلية العربية في دولة إسرائيل وكأنها بلا قيمة.

ظاهرة جنائية أم سياسة ممنهجة؟

في تعليقه على العنف الذي يستشري داخل المجتمع العربي في إسرائيل، اعتبر الصحافي عباس الزين، في مقابلة مع "يورونيوز"، أنّ ما يجري لا يمكن فصله عن سياق أوسع يرتبط بما وصفه بـ"التهجير الممنهج" في أراضي ال48.

وأوضح أنّ المسألة لا تقتصر على الترحيل القسري المباشر، بل تقوم على منظومة متكاملة من الأدوات الأمنية والاقتصادية والقانونية، تُرسّخ ظروفًا معيشية قاسية تدفع هؤلاء العرب إلى الرحيل وتسعى إلى إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية لمصلحة المشروع الاستيطاني وفق رأيه.

وأشار الزين إلى أنّ من أبرز مظاهر هذا الواقع الانتشار الواسع للسلاح غير المرخّص داخل البلدات الفلسطينية في الدولة العبرية، مع تقديرات تتحدث عن مئات آلاف القطع، جزءٌ كبير منها مصدره الجيش الإسرائيلي. ولفت إلى ارتفاع غير مسبوق في معدلات القتل داخل المجتمع العربي مقارنة بالمجتمع اليهودي، مع رصد إخفاق مؤسساتي في الكشف عن الجرائم في البلدات العربية مقارنة بالمناطق التي يسكنها الإسرائيليون اليهود.

مصدر الصورة الشرطة الإسرائيلية وفرق الإسعاف تتفقد موقع هجوم إطلاق نار نفذه مسلحان فلسطينيان عند موقف حافلات في القدس، في 8 سبتمبر 2025. AP Photo/Mahmoud Illean

وتحدث الصحفي عن اتهامات بوجود تغطية أمنية أو غضّ طرف عن بعض الشبكات الإجرامية، ما يحوّل الجريمة، بحسب رأيه، إلى أداة لإضعاف البنية الاجتماعية العربية من الداخل. واعتبر أنّ تفشّي السلاح والجريمة بعد عام 2000 لم يكن ظاهرة عفوية، بل جاء في سياق بيئة أمنية سمحت بتسرّب السلاح إلى المجتمع الفلسطيني، بالتوازي مع تقاعس الشرطة الإسرائيلية عن مكافحته.

وخلص الزين إلى أنّ خلق حالة من انعدام الأمان، وتفكيك الروابط المجتمعية، وبثّ الخوف بين السكان، يدفع بعضهم إلى الهجرة الداخلية أو الخارجية، ما يندرج ضمن إطار "التهجير غير المباشر" وفق رأيه.

تمييز واعتداءات متصاعدة

يشكل المواطنون العرب داخل إسرائيل والذين دُرج على تسميتهم بعرب 48، نحو 20% من سكان الدولة العبرية البالغ عددهم قرابة 10 ملايين نسمة، وهم يرزحون تحت وطأة منظومة قانونية كرّست التمييز بحقهم حسب ما يقولون، رغم أنهم يحملون الجنسية الإسرائيلية.

وقد خضعت هذه الأقلية للحكم العسكري بين عامي 1948 و1966، وهم من أبناء السكان الأصليين الذين لم يُهجّروا خلال نكبة عام 1948، حين أُجبر نحو 750 ألف فلسطيني على مغادرة ديارهم لإقامة دولة إسرائيل. ولا تزال مظاهر عدم المساواة والتضييق قائمة بحق هؤلاء، في ظل تصوّرات تنظر إليهم باعتبارهم "طابورًا خامسًا" وفق تعبيرهم.

مصدر الصورة نساء فلسطينيات أمام محال مغلقة خلال إضراب عام في البلدة القديمة بالقدس، بتاريخ 7 أبريل 2025. AP Photo/Maya Alleruzzo

ومن بين مظاهر العنف التي يتعرضون لها على سبيل المثال، يواجه سائقو الحافلات ومفتشو التذاكر العرب، من القدس إلى حيفا، موجة اعتداءات غير مسبوقة من شبان متشددين يهود ومشجعي كرة القدم، ما يضعهم أمام خيار صعب بين لقمة العيش وسلامتهم الشخصية.

وقد أطلقت منظمة "ليهافا" اليمينية المتطرفة حملة تحريض ضد سائقين في شركة تعمل في مستوطنات الضفة الغربية، عبر ربط توظيف سائقين عرب بمخاطر أمنية محتملة. وتعرض سائقون في شركة "إيجد" لمضايقات ورفض بعض الركاب الصعود إلى حافلات يقودها عرب، في أجواء ازدادت فيها الكراهية، وباتت قيادة الحافلة مهمة صعبة ومخيفة.

وتصاعدت الاعتداءات خلال العامين الأخيرين في ظل أجواء أعقبت هجوم حماس على جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر والحرب التي شنتها الدولة العبرية على غزة. ففي عام 2024 سُجل أكثر من 70 اعتداءً في القدس وحدها، وارتفع العدد في 2025 إلى أكثر من 100 حادثة، فيما شهدت حيفا نحو 60 اعتداءً.

اتهامات بتطبيق انتقائي للقانون

يرى ناشطون وباحثون أن تصاعد العنف ليس نتيجة طبيعة "أكثر عنفًا" للمجتمع العربي أو الفقر فحسب، بل هو انعكاس لواقع سياسي تُرك فيه المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل بلا حماية حكومية فعالة، في مواجهة أسلحة غير قانونية وشبكات ابتزاز ومخدرات وجريمة منظمة، وفي ظل معدلات بطالة أعلى بكثير بين الرجال العرب.

ويشير المنتقدون إلى أن التعامل مع جرائم قتل العرب يفتقر إلى المستوى ذاته من الصرامة المعتمد في قضايا قتل اليهود، ففي عام 2025، تم حلّ أقل من 10% من قضايا القتل التي تمس هذه الفئة، مقارنة بنحو 65% لجرائم قتل اليهود الإسرائيليين. ولا يقتصر العنف على الوفيات، إذ يُصاب المئات سنويًا بإطلاق نار وتفجيرات سيارات ومحاولات اغتيال.

وبحسب تقرير منظمة إيلاف، يواجه فلسطينيو الداخل "تطبيقًا انتقائيًا" للقانون. ويصف نقاد ذلك بأنه تقاعس متعمد وحرب ديموغرافية، معتبرين أن الحكومة الإسرائيلية لم تفشل فقط في كبح موجة الجريمة، بل أسهم تقاعسُها في تأجيجها، خصوصًا منذ تولي بن غفير منصبه عام 2023، حين تضاعف معدل القتل في المجتمع العربي. ويتهمه منتقدون كثيرون بالتركيز على قمع المعارضة السياسية على خلفية حرب غزة والتحريض ضد المواطنين العرب بدل مكافحة تدفق الأسلحة غير القانونية.

مصدر الصورة دورية لقوات أمن إسرائيلية في البلدة القديمة بالقدس خلال شهر رمضان، في 20 فبراير 2026. AP Photo/Ohad Zwigenberg

لكن بن غفير رفض تحمّل المسؤولية، وألقى باللوم على زعماء عرب محليين، معلنًا أنه "خصّص موارد هائلة لمكافحة الجريمة"، غير أن المنتقدين لسياسته يؤكدون أن وزارته استخدمت نحو نصف ميزانية مكافحة الجريمة المخصصة للمجتمع العربي فقط، وأنه قطع التمويل عن مبادرة "أوقفوا النزيف" التي أطلقتها الحكومة السابقة، كما عزل المسؤول المكلف بملف مكافحة الجريمة في المجتمع العربي وعيّن مسؤولًا أقل رتبة.

ويحذر ناشطون من خطورة ربط الجريمة بالإرهاب، معتبرين أن المقاربة السائدة تتعامل مع المجتمع العربي كتهديد، لا كمدنيين يواجهون أزمة حقيقية، ويفتح الباب أمام نظاميْن قانونييْن، أحدهما للعرب والآخر لليهود، بما يضرّ بالديمقراطية في الدولة العبرية.

في نهاية 2025 ومع ارتفاع حصيلة الضحايا، وصف الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ تصاعد العنف بأنه "عبء وطني"، محذرًا من استمرار "غض الطرف" عن أزمة تهدد المجتمع الإسرائيلي برمّته. كما أعلن مفوض الشرطة دانيال ليفي أن الجريمة في المجتمع العربي هي "حالة طوارئ وطنية"، إلا أن كثيرًا من المواطنين العرب يرون هذه التصريحات جوفاء في ظل غياب المتابعة والمحاسبة.

الأثر النفسي لأزمة مفتوحة

يترافق تصاعد العنف مع أزمة صحة نفسية عميقة داخل المجتمع العربي، في ظل نقص حاد بعدد الأخصائيين النفسيين والكوادر المتخصصة. وتحذر أوساط طبية ونفسية من التأثير المدمر لفترات الانتظار الطويلة لتلقي العلاج، وقلة الموارد البشرية، والتعرض المستمر لأحداث عنيفة، في بيئة تتراكم فيها الصدمات من دون دعم كافٍ.

وتشير تقديرات مهنية إلى أن أزمة الصحة النفسية تفاقمت بشكل ملحوظ منذ 7 أكتوبر، إلا أنها لم تكن وليدة اللحظة، إذ كان المجتمع العربي يعاني أصلًا نقصًا في الخدمات والمتخصصين قبل أن تضيف الحرب صدمات جديدة إلى واقع هش.

ووفق تقرير نُشر العام الماضي لـ "مراقب الدولة الإسرائيلي"، أفاد 54% من أفراد المجتمع العربي بأعراض اضطراب ما بعد الصدمة، مقارنة بـ32% في المجتمع اليهودي. كما أبلغ 49% عن أعراض مرتبطة بالاكتئاب مقابل 30% لدى اليهود، و32% عن أعراض القلق مقارنة بـ19% في المجتمع اليهودي.

وتعكس هذه المؤشرات حجم العبء النفسي المتراكم على مجتمع يشتكي من العيش في ظل عنف يومي وجريمة منظمة، إلى جانب سياسات تمييزية متواصلة تضاعف من هشاشته الاجتماعية والنفسية.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا اسرائيل إيران روسيا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا