في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
سوسيا (الخليل)- لم تمضِ ساعتان على تناول المواطن الفلسطيني خضر النواجعة وزوجتيه وابنته طعام الإفطار في ثامن أيام شهر رمضان، حتى انقضّ عشرات المستوطنين على مسكنهم في قرية سوسيا جنوب مدينة الخليل.
ما حدث مع النواجعة لم يكن الاعتداء الأول الذي تتعرض له عائلته وعشرات العائلات الأخرى القريبة من مستوطنة بنفس الاسم مقامة على أراضيها منذ ثمانينيات القرن الماضي.
يدرك السكان أن هدف الهجوم هو ترحيلهم، لكن اعتداء الأمس أشعل فيهم العزيمة وزادهم إصرارا على البقاء والتمسك بأرضهم، لإفشال ما يخطط له المستوطنون وهو ترحيلهم.
مع وصول الجزيرة نت إلى القرية، كان خضر النواجعة -أحد ضحايا الهجوم الإسرائيلي- قد غادر للتو إلى مركز للشرطة الإسرائيلية في مدينة الخليل لتقديم شكوى ضد المستوطنين بالاعتداء عليه، رغم آماله الضئيلة -المعززة بتجارب سابقة- في أن تتحقق العدالة.
تحدث النواجعة للجزيرة -عبر الهاتف- عن تفاصيل ليلة قاسية عاشها السكان، فعلى شاشة العرض من منزله نقلت الكاميرات مجموعة كبيرة من المستوطنين الملثمين يتدافعون بين المساكن ويحاصرون منزله ومساكن أخرى، قبيل الساعة الثامنة من مساء أمس الأربعاء "حاولوا اقتحام البيت والدخول إلينا، لكن تنبهنا لوجودهم فوضعنا دعامات خلف الباب، فاتجهوا إلى النافذة ورشونا بالغاز".
أصيب خضر وزوجتيه وابنته بحالة اختناق حاولوا التغلب على آثارها بتناول البصل، لكن حالة إحدى زوجتيه استدعت مزيدا من الرعاية الصحية، ونُقلت خارج القرية إلى منزل عائلتها في بلدة يطّا القريبة.
لم يتوقف الهجوم عند حد محاصرة منزل النواجعة ورشّ سكانه بالغاز، بل تم تحطيم زجاج مركبته ثم إحراقها مع كرفان (غرفة متنقلة) وحظيرة للدواجن.
بعد ملاحظته مغادرة المستوطنين، خرج محاولا إطفاء الحرائق دون جدوى، حتى وصلت طواقم النجدة من القرى المجاورة. وبعد نصف ساعة من الهجوم، وصل جيش الاحتلال وشرطته إلى المكان دون أن يأخذوا بعين الاعتبار مطالب السكان بملاحقة المستوطنين واعتقالهم.
إضافة إلى مهاجمة وإحراق ممتلكات خضر النواجعة، هاجم المستوطنون مسكن قريبه ناصر بالحجارة وأحرقوا حظيرة أغنام، كما هاجموا مسكن أحمد النواجعة وأحرقوا ثلاثة خيام وألقوا الحجارة على مسكنه.
يحذر النواجعة من حوادث الاعتداء المقبلة قائلا: "من أحرق السيارة والمساكن بإمكانه في المرة القادمة سكب البنزين علينا في المنزل وإحراقنا، بهدف طردنا وتهجيرنا والسيطرة على الأرض التي نسكنها".
يجيب بأن الدافع هو ملكيته للأرض التي يسكن عليها ويحاول المستوطنون انتزاعها "نملك أنا وإخواني حوالي 25 دونما (الدونم يساوي ألف متر مربع) لا نستطيع زراعتها أو حمايتها، ولا أقبل لنفسي أن أتركها لمستوطن يسكن مكاني، إن غادرت غدا سيحل مكاني مستوطن على الفور".
وحتى إن أحرق المستوطنون مركبته وممتلكاته، فإن النواجعة يبدي إصرارا على البقاء، ويعتبر أن هجوم المستوطنين عليه وإحراق ممتلكاته أشعل في داخله التشبث بالبقاء والمحافظة على أرضه قدر المستطاع، بل و"حتى النهاية".
وختم بقوله: "نحن موجودون ومرابطون ونسأل الله الثبات وأن يكتب لنا أجر الرباط".
كان من ضحايا الهجوم خيمة تؤوي عائلة وضحة عبد المحسن النواجعة، التي تقول إن النيران أتت على أجزاء منها.
مشيرة إلى عمود يتوسط الخيمة ويستدير حوله أطفالها خلال اللعب، تقول وضحة إنه "من ريحة الختيارية (الأجداد)" أي أنه من آثار الأجداد، وسيكبر الأطفال ويحافظون عليه كما فعل آباؤهم.
تعي السيدة الفلسطينية أن هدف المستوطنين ترحيل السكان، وتقول "نحن ثابتون، لا أحد يغادر المكان ويترك أرضه مهما حرقوا وعملوا".
وأشارت إلى ما انتاب الأطفال من خوف ورعب ليلة الجريمة، وتعهدت بإعادة بناء الخيمة ولو من البلاستيك والبقاء فيها.
أما جارتها حليمة أبو عيد، فتشير إلى أن الهجوم جاء بعد صلاة التراويح عندما قدم "كم هائل من المستوطنين وأشعلوا النار في عدة مناطق".
كانت حليمة ترقب المستوطنين عبر كاميرات المراقبة، ولدى محاولتها فتح الباب لإطفاء الحرائق هاجمها المستوطنون، فعادت وأغلقت الباب على نفسها "حاولوا أن يفتحوه فما قدروا".
هذا ليس الاعتداء الأول -كما تقول السيدة الفلسطينية- لكنه الأعنف والأكثر رعبا، ومع ذلك تؤكد أن هذه الاعتداءات "كلها سياسة تهجير، الأرض تثبتنا، نحن إن شاء الله صامدون رغم كل الظروف".
اعتداء الليلة الماضية لم يكن سوى واحد من عشرات الاعتداءات الموثقة بحق السكان من مسافة صفر، وبشكل منظم من المستوطنين لتهجير الفلسطينيين، وفق نصر النواجعة وهو ناشط في مجال حقوق الإنسان ومتحدث باسم مجلس قروي سوسيا.
ويضيف "خلال 12 دقيقة وبعد صلاة التراويح، هاجم عشرات المستوطنين -وبشكل منظم- القرية من الجهات الغربية والشرقية والجنوبية، وأحرقوا 3 بيوت وسيارات وأماكن إيواء الماشية".
وتابع أن الهدف من إرهاب المستوطنين هو ترهيب الفلسطينيين فـ"القرية لم تهنأ منذ عقود". وتحدث عن قضايا متراكمة في أروقة المحاكم الإسرائيلية بما يجري من حرق وتخريب واعتداءات، دون أي نتيجة أو عدالة أو اعتقال أي متهم أو حتى مشتبه به.
وأشار الناشط النواجعة إلى حملة دولية تتحدث عن سوسيا لا تتوقف، يقودها نشطاء لحماية السكان من عنف المستوطنين، معتبرا أن ما يجري "يتم بمباركة من الجيش والشرطة، عشرات المستوطنين هاجموا القرية دون أن يُعلَن عن توقيف أو اعتقال أي مشتبه به".
وفي رسالته للمجتمع الدولي، توجه تحديدا إلى الاتحاد الأوروبي قائلا: "نحن في وضع مأساوي ونتعرض لتطهير عرقي ومحاولة تهجير، وعلى الاتحاد الأوروبي أن يتدخل على أرض الواقع لحماية الفلسطينيين من عنف وإرهاب المستوطنين".
وفي مايو/أيار 2015 رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية التماسًا قدمته منظمة "حاخامات لحقوق الإنسان" لإصدار أمر احترازي يمنع قرار الإدارة المدنية -التي تمثل الاحتلال في الضفة الغربية– القاضي بهدم قرية سوسيا، ومنذ ذلك الوقت حالت تدخلات دولية دون تهجير سكانها.
ووفق منظمة "بتسيلم" الحقوقية الإسرائيلية، فإن الملفات التي تفُتح في أعقاب شكاوى يقدّمها فلسطينيون ضد المسّ بهم، تُغلق في غالب الحالات دون أن تُفضي إلى شيء.
لم يكن إشعال الحرائق في الفلسطينيين وممتلكاتهم مجرد حوادث فردية متناثرة، بل تحوَّل -منذ بدء حرب الإبادة على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023- إلى نهج متصاعد وبشكل متسارع.
وتشير معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية إلى نحو 35 ألف اعتداء إسرائيلي في الضفة خلال عامي 2024 و2025، منها 7657 نفذها مستوطنون وأدت إلى استشهاد 24 فلسطينيا.
ووفق الهيئة فإن من بين اعتداءات المستوطنين 807 حرائق متعمدة في ممتلكات وحقول الفلسطينيين.
ومن بين عشرات جرائم الحرق التي تستهدف الممتلكات، تظل جريمتا حرق سابقتان لمواطنيْن هما الأبرز:
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة