آخر الأخبار

لبنان يعيش الحرب المحتملة قبل وقوعها | الحرة

شارك

في منزلها في مدينة صور، جنوب لبنان، تفتح مايا (38 عاماً) خزانة صغيرة قرب الباب. في الداخل، حقيبة رياضية سوداء مرتّبة بعناية. تقول “فيها أوراقنا الثبوتية، بعض المال والمجوهرات، وثياب للأطفال”. لم تُخبر أبناءها بالحقيقة، وتكتفي بالقول إنها “للسفر المفاجئ”، لكن المقصود بالسفر هنا الهروب إذا اندلعت الحرب.

الحقيبة خفيفة وزناً، لكن أموراُ كثيرة لا بد من أخذها في الحسبان: كم دقيقة تحتاج العائلة لمغادرة المنزل؟ إلى أين؟ وهل سيكون الرحيل مؤقتاً أم بلا عودة، إذا ما انزلق لبنان إلى مواجهة جديدة قد ينخرط فيها حزب الله دعماً لطهران؟

في لبنان، لا تحتاج إلى صفارات إنذار كي تشعر بأن شيئاً ما يقترب. يكفي إشعار عاجل على الهاتف عن تصعيد في الخطاب بين واشنطن وطهران ليرتفع منسوب التوتر. اللبنانيون يترقّبون مهلة الأيام العشرة التي منحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنجاح المفاوضات، وإلا فالخيار العسكري إذا فشلت.

في ظل هذا الواقع، يتسلّل السؤال إلى الأحاديث اليومية في لبنان: هل يصبح البلد مجدداً ساحة رسائل إقليمية؟

الحرب لم تقع بعد. لكن كثيرين يعيشونها سلفاً.

على باب الرحيل

تعترف مايا بأنها لا تخاف على نفسها بقدر ما تخاف على عائلتها. “مشاهد ما حصل في غزة لا تفارق مخيلتي”، تقول لموقع “الحرة”. الصور التي تابعتها تحولت إلى كوابيس شخصية. تتخيل أبناءها تحت الركام أو في طريق نزوح طويل لا تعرف نهايته.

الاقتصاد يضيف عاملاً آخر من القلق. زوجها محمد لا يستطيع استئجار منزل في منطقة أكثر أماناً. “بالكاد نؤمّن أقساط المدارس لأولادنا الثلاثة”، تؤكد.

يذكر أن صحف محلية تداولت معلومات عن بدء حركة نزوح من بعض البلدات والمناطق باتجاه أماكن تُعدّ أكثر أماناً، وذلك على وقع الحشد الأميركي العسكري في الشرق الأوسط استعداداً لاحتمال اندلاع مواجهة مع إيران. ويأتي هذا التحرك الاحترازي في ظل مخاوف من احتمال انخراط حزب الله في أيً مواجهة إقليمية.

ويختصر محمد، زوج مايا، المشهد بجملة مشبعة بالغضب “تعبنا من الترقب والاستنزاف اليومي بسبب حزب الله ومغامراته”. ويضيف في حديث لموقع “الحرة” “من قال إن الحرب انتهت في لبنان؟ يومياً نشهد استهدافات إسرائيلية لبنية حزب الله العسكرية واغتيالات لعناصره وكوادره”.

لا يتحدث محمد عن الخوف كاحتمال عابر، إنما كحالة مزمنة يربطها باستمرار سلاح غير شرعي يتمسك به الحزب، معتبراً أن أيّ توريط للبنان في مواجهة إقليمية سيضاعف الكلفة على بلد لم يتعافَ بعد.

رغم ذلك، تستمر الحياة. تقول مايا: الأولاد يذهبون إلى المدرسة، وزوجي إلى عمله، والبحر يلمع أمام الشرفة كأن شيئاً لا يحدث. لكن الحقيبة السوداء تبقى شاهدة على حقيقة أخرى: في لبنان، نُبقي باباً موارباً على فكرة الرحيل.

ذاكرة لم تُطوَ

الخوف اليوم ليس نظرياً. الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل عام 2024 لا تزال حاضرة في تفاصيل الحياة رغم توقيع اتفاق لوقفها: قصف شبه يومي، منازل مدمّرة، تعويضات لم تصل، قرى جنوبية لم تستعد عافيتها، واقتصاد منهك يرزح تحت وطأة الانهيار المالي.

“لم نخرج من الحرب السابقة بعد، فكيف نحتمل حرباً شاملة جديدة؟” تقول سمر، “التعب ليس نفسياً فقط، بل مالي ووجودي في آن. شعور دائم بأن الوضع على حافة الانفجار الكبير”.

تضيف سمر في حديث لموقع “الحرة” “لبنان ليس طرفاً في الصراع الأميركي–الإيراني، لكن حزب الله يصرّ على زجّه فيه، والتجربة تقول إننا ندفع فاتورة حروب الآخرين”.

الخوف لا يتوقف عند احتمال القصف. يمتد إلى ما هو أبعد: انقطاع الوقود، توقف الأعمال، موجة نزوح جديدة، ومشهد اضافي من الموت والدمار. تقول سمر “الهاتف صار عدوي وصاحبي في الوقت نفسه. نعيش على الأخبار العاجلة. لا أستطيع التركيز. وفوق ذلك، لا نملك مدخرات إذا توقف زوجي عن العمل”.

وقدّر البنك الدولي حجم الأضرار والخسائر التي تكبّدها لبنان عقب الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل بنحو 8.5 مليارات دولار. ووفق التقديرات، بلغت قيمة الأضرار المادية وحدها نحو 3.4 مليار دولار، فيما قُدّرت الخسائر الاقتصادية بحوالي 5.1 مليار دولار.

ميزان القلق

في أحد متاجر بيروت، يُقاس التوتر بعدد المعلّبات التي تغادر الرفوف. يقول صاحب المحل إن هناك مؤشراً لا يخطئ “كلما ارتفع منسوب التوتر السياسي والأمني، ترتفع مبيعات المعلبات والأرز والسكر والطحين. لا أحد يعلن أنه يستعد لحرب، لكن الأكياس الممتلئة تقول ذلك”.

الناس لا يتحدثون عن الخوف مباشرة. يترجمون ذلك بارتفاع نسبة شرائهم. خلف ذلك حسابات غير معلنة: ماذا لو أُقفلت الطرق؟ ماذا لو انقطع الاستيراد؟

سعيد (29 عاماً) يضع في عربته أكثر مما يحتاج “في ظل التطورات الإقليمية، بدأت أخزن ولو قدراً بسيطاً من المواد الغذائية”، يقول لموقع “الحرة”. لا يريد أن يبدو مذعوراً، لكنه لا يريد أن يُفاجأ أيضاً. في بلد عرف طوابير البنزين والخبز والدواء، يصبح التخزين محاولة صغيرة لاستعادة شيء من السيطرة.

وفي السياق، تحذّر مديرة جمعية “مفتاح الحياة”، الأخصائية النفسية والاجتماعية لانا قصقص، من الأثر العميق للعيش تحت احتمال اندلاع حرب في أيّ لحظة، “إذ يُبقي الدماغ في حالة استجابة دائمة للخطر، ما ينعكس يقظة مفرطة، واضطرابات نوم وكوابيس، وتوتراً وقلقاً مزمنين، إضافة إلى أعراض جسدية وفقدان الإحساس بالأمان”. وتوضح أن الانتظار الطويل في ظل “اللا يقين” يستنزف الدماغ ويعمّق الإرهاق النفسي.

وترى قصقص في حديث لموقع “الحرة” أن اللبنانيين يعيشون معادلة التكيّف والإرهاق معاً، بفعل تراكم الصدمات من الحرب الأهلية إلى المحطات الأمنية والأحداث الأخيرة، “ما يجعل أيّ تهديد جديد استدعاءً لذاكرة صدمية قديمة”. وتشير إلى أن “الأطفال والمراهقين، والأهالي القلقين، والشباب العاجزين عن التخطيط، والعاملين في الخطوط الأمامية من أطباء ومعالجين نفسيين وعاملين اجتماعيين وإنسانيين، من أكثر الفئات تأثراً”.

تحت سقف الخوف

سامر (33 عاماً) لا يحتفظ بحقيبة جاهزة قرب الباب، لكنه يحتفظ بفكرة الرحيل في ذهنه. حجز موعداً لاستخراج جواز سفر جديد، يتعامل معه كأنه طوق نجاة إذا انزلقت الأمور نحو الأسوأ. لا يملك تأشيرة دخول ولا عرض عمل، فقط ما يسميه “خياراً مفتوحاً”، ويشدد “هو مساحة أمان نفسية. لا أريد أن أهرب الآن، لكن أن أتمكّن من ذلك إذا اضطررت”.

في المقلب الآخر، تقف شقيقته هدى (45 عاماً) في موقع مختلف تماماً. ترفض فكرة المغادرة بحزم هادئ “كبرنا هنا وسط القصف. لن أبدأ حياة جديدة في هذا العمر”.

بالنسبة إليها، الرحيل ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل اقتلاع جذور وذاكرة وعلاقات. تتنهّد قبل أن تضيف “لكن بصراحة لم يعد لدينا طاقة لتحمّل حرب أخرى”.

وبين سامر الذي يبحث عن نافذة مفتوحة، وهدى التي تتمسّك بالبقاء، تتجسّد حيرة جيلين يعيشان تحت سقف الاحتمال ذاته: هل يكون الرحيل شكلاً من أشكال النجاة؟ أم يصبح البقاء نوعاً من المقاومة الصامتة في وجه الخوف؟

وتشير قصقص إلى ثلاث استجابات رئيسة للقلق “تأجيل القرارات، أو الهجرة كخطة أمان، أو الاندفاع نحو قرارات مصيرية كالزواج أو فتح مشاريع جديدة بدافع التشبث بالحياة”.

حياة بين ظلّين

رغم الضباب السياسي والتوتّر الأمني، تبدو المقاهي في لبنان مكتظّة، والحفلات مستمرة، وحملات الترويج للموسم السياحي لم تتوقّف. في المشهد الظاهر، حياة تسير بإيقاعها المعتاد، أقرب إلى تحدٍّ جماعي لفكرة الانهيار. غير أن خلف الضحكات، كما تقول هناء (48 سنة)، تدور “حسابات صامتة: كم نملك من مال إذا توقّف العمل؟ كم من الوقت يمكننا الصمود مالياً ونفسياً؟ وأيّ مناطق قد يطالها القصف؟”.

في هذا البلد، اعتاد الناس العيش على حافة مشهدين متوازيين: الفرح كفعل يومي، والقلق كظلّ دائم. يرقصون، لكنهم يحفظون أين يجب أن يختبئوا. يضحكون، غير أن أعينهم تلاحق إشعارات الأخبار على شاشات الهواتف، كأنها جرس إنذار صغير يذكّرهم بأن الاستقرار مؤقّت.

وتشير قصقص إلى أن المجتمع اللبناني طوّر آليات تكيّف لافتة، “كالحس الفكاهي وإدارة الأزمات والمرونة الاجتماعية”، لكنها تحذّر من أن هذا التكيّف لا يلغي الإرهاق المتراكم أو خطر “التطبيع مع الخطر والتخدير العاطفي”، مؤكدة أن “العيش بين الفرح والقلق هو استراتيجية للبقاء، لكن من دون وعي وممارسات داعمة قد يتحوّل إلى استنزاف طويل الأمد للجهاز العصبي”.

ولحماية الصحة النفسية في ظل هذا القلق والترقّب، تنصح قصقص “بتخفيف متابعة الأخبار، والحفاظ على روتين يومي، ووضع أهداف صغيرة تعيد الإحساس بالسيطرة، وطلب الدعم عند الحاجة”.

من جانبها، تختم هناء بواقعية ممزوجة بالأمل: “قد تنجح المفاوضات بين أميركا وإيران. قد تنتهي مهلة الأيام العشرة بلا مواجهة. وقد يبقى لبنان خارج النار هذه المرّة. لكن الأثر النفسي سبق الحدث… سبق الصواريخ والبيانات العسكرية” في الحرب المحتملة.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا