تتجه أنظار المراقبين والدوائر السياسية العالمية نحو مدينة جنيف السويسرية، حيث تنطلق جولة جديدة وحاسمة من المحادثات غير المباشرة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية، بوساطة نشطة ومحورية من سلطنة عُمان، ودور إقليمي بارز خاصة من جانب دولة قطر.
وتأتي هذه المفاوضات في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتشابك الملفات السياسية مع التوترات الميدانية، مما يطرح تساؤلات جدية حول احتمالات الانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة أو التوصل إلى تسوية دبلوماسية.
وفقا لمعطيات دقيقة ومصادر مطلعة على كواليس صنع القرار في طهران، ومواقف كبار المسؤولين الإيرانيين، فإن إيران تدخل هذه الجولة برؤية إستراتيجية واضحة، تفصل تماما بين مسار التفاوض الدبلوماسي ومسار الردع العسكري، وتضع خطوطا حمراء لا تقبل المساومة، خاصة حول قدراتها الدفاعية – الأمر الذي لم يكن مطروحا على جدول المفاوضات- مع احتفاظها بمرونة تكتيكية للوصول إلى اتفاق عادل.
الأهداف الحقيقية والخطوط الحمراء الإيرانية
تحاول الآلة الإعلامية الغربية والطرف الأمريكي الترويج لسردية مفادها أن إيران تسعى من خلال هذه المفاوضات إلى درء التهديد العسكري عنها، لكن المواقف الرسمية الإيرانية تدحض هذه الرواية جملة وتفصيلا، فالهدف الأساسي والوحيد للمفاوضات الجارية بالنسبة لطهران هو رفع العقوبات الاقتصادية، مقابل تقديم ضمانات فنية تؤكد عدم انحراف البرنامج النووي الإيراني السلمي.
أما الجميع في طهران فإنه يعتبر مسألة رفع التهديد وتجنب الحرب، لا تتحقق فقط عبر طاولات الحوار الدبلوماسي، بل كذلك من خلال قوة الردع الدفاعي التي تمتلكها إيران.
وفي هذا السياق، تؤكد القيادات العسكرية الإيرانية أن القوات المسلحة بجميع تشكيلاتها تقف اليوم في أعلى درجات الجاهزية القتالية للتعامل مع أي إجراء قد يرتكبه الطرف الآخر.
وعلى طاولة جنيف، وضعت طهران خطوطا حمراء صلبة غير قابلة للتفاوض، تشمل استمرار عمليات التخصيب حصرا داخل الأراضي الإيرانية، ولكن وفق قوانين واتفاقيات الوكالة الدولية للطاقة الذرية (كما كان يتم)، ورفض أي تعليق كامل للبرنامج، مع إمكانية التفاوض حول المواد المخصبة بنسبة 60%، وخفض هذه النسبة عبر الترقيق، ولكن موضوع خروجها من البلاد ليس مطروحا حتى الآن.
ومع ذلك، تشير المصادر إلى إمكانية ظهور نقاشات جديدة تعكس مرونة متبادلة من كلا الطرفين في تفاصيل أخرى، شريطة عدم المساس بالثوابت الإستراتيجية.
في مواجهة لغة التهديد الأمريكية المرافقة للمفاوضات، تتبنى إيران إستراتيجية التهديد بالتهديد، أو ما يمكن تسميته بـ"دبلوماسية القوة"، بمعنى أن الدبلوماسية تتحرك إلى جانب الميدان
دبلوماسية القوة والجاهزية العسكرية
تدرك طهران جيدا طبيعة الفريق الأمريكي المفاوض، وتحديدا عقلية الرئيس الأمريكي، التي تعتمد على سياسة "الضغوط القصوى" والتهديد المستمر حتى أثناء سير المفاوضات.
هذه العقلية، بحسب التقييم الإيراني، تتنافى تماما مع مسارات التفاوض المعقدة التي تتطلب وقتا لتدوين وصياغة اتفاقيات حقوقية وسياسية ودولية دقيقة.
ولكن هذا ليس معناه أن إيران تريد إطالة المفاوضات، بل هي كذلك تؤكد أن هذه المفاوضات يجب أن تصل إلى نتيجة في وقت قريب ومحدد.
الإستراتيجية الأمريكية الحالية تميل إلى الاستعجال والضغط للوصول إلى إطار عام يخدم مصالح واشنطن بالدرجة الأولى، مع ترك التفاصيل الحساسة للجان الفنية لاحقا، وهو ما تراه طهران إجراء غير منطقي، وهي تبحث عن اتفاق منصف ومُرضٍ للطرفين.
وفي مواجهة لغة التهديد الأمريكية المرافقة للمفاوضات، تتبنى إيران إستراتيجية التهديد بالتهديد، أو ما يمكن تسميته بـ"دبلوماسية القوة"، بمعنى أن الدبلوماسية تتحرك إلى جانب الميدان.
فالمواقف الإيرانية واضحة: أي تهديد أمريكي سيقابل برد حاسم، وإيران لن تترك أي تلويح بالقوة دون رد مناسب.
وهنا يبرز في رؤية إيران الدفاعية في مواجهة هذه التهديدات، أنه لا يوجد أمر اسمه هجوم محدود للضغط على طهران، بل الهجوم المحدود سيقابله رد شامل وواسع.
ولعل أبرز تجليات هذه الإستراتيجية ما جاء في التصريحات الحاسمة للقائد الأعلى للقوات المسلحة في إيران آية الله علي خامنئي، التي قارن فيها بين خطورة السلاح الإيراني، وخطورة حاملات الطائرات الأمريكية، مؤكدا بوضوح قدرة إيران العسكرية على إغراق تلك الأساطيل إذا ما اقتضت الضرورة، مما يعزز موقف المفاوض الإيراني بظهير عسكري صلب.
الأبعاد الفنية ومشاركة غروسي
شهدت الجولات الأخيرة من المفاوضات تطورات لافتة، أبرزها الحضور الشخصي للمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي.
ورغم الانتقادات الإيرانية السابقة لمواقف غروسي وتسييسه بعض الملفات، فإن طهران تعاطت ببراغماتية مع حضوره.
ومع ذلك، لم تعتبر طهران وجوده أمرا سلبيا، بل فرصة لتعزيز الجانب الفني، وإثبات التزامها الرقابي، فإيران تعتبر الشفافية ورقة رابحة بيدها، نظرا لثقتها المطلقة في سلمية برنامجها، وتستطيع من خلالها انتزاع نقاط لصالحها، شريطة أن تكون هذه الرقابة ضمن الأطر المتفق عليها.
تنسيق داخلي وتشاور دولي
من الناحية الإجرائية والداخلية، تدير طهران هذه المفاوضات بتنسيق عالي المستوى، فوزارة الخارجية والفريق المفاوض لا يتصرفون بمعزل عن مؤسسات الدولة، بل ينفذون تعليمات وتوجيهات دقيقة تم إقرارها في المجلس الأعلى للأمن القومي كجهة مشرفة على المفاوضات. دور الدبلوماسية هنا هو استنفاد كافة الفرص وتأمين المصالح الوطنية.
لذلك يشارك في المفاوضات وفد برئاسة وزير الخارجية يضم مساعدي الوزير للشؤون السياسية والقانونية وخبراء فنيين وقانونيين، وقد أوكل إليه الصلاحيات لاتخاذ القرار في الملف النووي بناء على توجيهات المجلس الأعلى للأمن القومي، مما يمكنه من اتخاذ القرار المناسب.
دوليا، لم تغفل طهران أهمية الجوار الإقليمي، فالمشاورات مع دول المنطقة ودورها في الوساطة، والتشاور مع حلفائها الإستراتيجيين تجري على قدم وساق وبشكل مستمر، إدراكا من إيران أهمية التعاون الإقليمي؛ لإبعاد شبح الحرب وعدم الاستقرار عن المنطقة، ودور بكين وموسكو في مجلس الأمن الدولي، خاصة فيما يتعلق بضمان الإلغاء الشامل والنهائي لعقوبات الأمم المتحدة.
حرب الروايات والتنبؤ بالمآلات
فيما يخص التنبؤ بمآلات هذه المفاوضات، وهل نحن أقرب إلى الحرب أم إلى الاتفاق؟ فإن النظرة الإيرانية تتسم بالواقعية الشديدة، حيث ترى طهران أن توقع نجاح المفاوضات بنسبة مائة بالمائة هو خطأ، وقرار الجانب الآخر بشن أي عدوان محتمل لا يرتبط بالمفاوضات الجارية في جنيف، بل يرتبط حصرا بمعادلة قوة الردع الإيرانية في مواجهة تهديدات الجانب الآخر، وهذا ما أبرزته طهران خلال الأسابيع الأخيرة.
تمتلك طهران إرادة سياسية حقيقية وجادة للوصول إلى اتفاق متوازن وعادل يضمن مصالحها ويرفع العقوبات، وترى إيران أن في حال عدم التوصل لاتفاق، فإن المسؤولية والتكاليف التاريخية والسياسية ستقع بالكامل على عاتق الإدارة الأمريكية وسياساتها.
ومع اقتراب ساعة الصفر الدبلوماسية بوساطة مسقط، يمكن أن نلخص القول: إيران غدا في جنيف مستعدة للسلام والاتفاق العادل بقدر استعدادها التام للحرب والمواجهة الشاملة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة