عادت الخلافات الحدودية بين العراق والكويت إلى السطح هذا الأسبوع بعد إعلان الحكومة العراقية إيداع خرائط حدودها البحرية لدى الأمم المتحدة ما أثار حفيظة الكويت وباقي دول مجلس التعاون الخليجي ودول عربية أخرى.
قالت وزارة الخارجية العراقية إن الخطوة استندت لقانون البحار عام 1982 وجرت “بتاريخي 19 يناير و9 فبراير من العام الجاري وشملت “قوائم بالإحداثيات الجغرافية لنقاط محددة مرفقة بخريطة توضيحية” نٌشرت على موقع الأمم المتحدة.
أثارت الخطوة العراقية غضب الكويت، التي استدعت القائم بالأعمال العراقي لتسليمه مذكرة احتجاج شديدة اللهجة واعتبرتها مساسا “غير مبرر” بالسيادة الإقليمية.
تضمنت الخرائط العراقية مناطق ومرتفعات مائية في مياه الخليج مثل “فشت القيد” و”فشت العيج” تقول الكويت إنها مناطق “ثابتة ومستقرة” تاريخيا وقانونيا تحت سيادتها الكاملة، وليست محلا لأي نزاع حدودي سابق.
يقول مسؤول عراقي، طلب عدم الكشف عن اسمه لأنه غير مخول بالتصريح، إن القضية لها أبعاد متعددة، فهي ابتداءً قضية سيادية تتعلق بحق العراق في تثبيت سيادته على مياهه الإقليمية والنطاقات الاخرى المرتبطة بها.
“لكن الأهم من ذلك هي الأبعاد الاقتصادية التي ترتبط بتأمين مسارات التجارة والوصول إلى الموانئ لاسيما في ظل الخطط الطموحة التي يمتلكها العراق للعب دور أساسي كممر للتجارة العالمية،” يضيف المسؤول العراقي لـ”الحرة”.
تعود الخلافات الحدودية بين البلدين لنحو ثلاث عقود، وبالتحديد العام 1990، عندما احتل نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين الكويت قبل أن يتم إخراجه منها بالقوة على يد تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة خلال حرب الخليج الأولى.
بعد ذلك صدرت قرارات من مجلس الأمن الدولي، أهمها القرار 833 لسنة 1993 الذي حدد الحدود البرية بين البلدين وبعض الحدود البحرية، فيما ترك باقي المناطق البحرية لكي تحل ثنائيا بينهما.
يصف الأكاديمي والكاتب الكويتي عايد المناع الخطوة العراقية بأنها “تصعيدية” وتأتي في إطار “المزايدات السياسية”. وأعرب عن أمله في أن تعيد الحكومة العراقية النظر في هذا الإجراء.
“اعتقد أن من مصلحة العراق أن يتراجع ويفكر بمصلحته،” يضيف المناع لـ”الحرة”.
لم يقتصر رفض الخرائط العراقية على الكويت فقط، بل سارعت جميع دول مجلس التعاون الخليجي لاتخاذ موقف مماثل.
أعربت السعودية عن “قلقها البالغ”، مؤكدة أن الإحداثيات العراقية تتداخل مع مناطق سيادية كويتية وأخرى تابعة للمنطقة المقسومة (السعودية-الكويتية).
كذلك أصدرت كل من الإمارات وقطر وعمان والبحرين بيانات تضامن كاملة مع الكويت، داعية العراق إلى سحب الخرائط والالتزام بقرار مجلس الأمن رقم 833 الذي رسم الحدود بعد غزو عام 1990.
ودعا الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، جاسم البديوي، العراق صراحة إلى سحب الخرائط المودعة، محذرا من أن مثل هذه “الادعاءات” قد تقوض جهود التعاون المشترك بين بغداد والمنطقة.
في المقابل رد العراق على لسان وزير خارجيته فؤاد حسين بالقول إن “الحكومة الكويتية أودعت خرائطها البحرية وخطوط الأساس لدى الأمم المتحدة في عام 2014، دون التشاور مع العراق آنذاك، في حين أن الحكومة العراقية لم تقم بإيداع خريطتها إلا مؤخرا”ً.
وقال حسين إن “الحكومة العراقية تؤمن بحل المشكلات عبر المفاوضات والحوار، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية”.
في هذا الإطار يؤكد المسؤول العراقي لـ”الحرة” أن بغداد عبرت في أكثر من مناسبة عن التزامها بالقرارات الدولية الخاصة بترسيم الحدود، ولكن يبدو أن عدم اهتمام الطرف الآخر بالوصول الى تفاهمات حول تنفيذ تلك القرارات، هو ما دفع العراق إلى التحرك”.
ويشير إلى أن “مسار الخلاف يبقى قانونيا فنيا يقترن بمبدأين اساسيين ينبغي الالتفات لهما:
الأول، مبدأ حسن الجوار ومراعاة مصالح الطرفين، وعدم الاضرار بمصالح الشعبين الشقيقين.
والثاني وجود إرادة سياسية وقرار بحسم ملف الحدود بشكل نهائي، وعدم الإبقاء عليه معلقا ليكون عرضة لتأثير التحولات الداخلية في البلدين أو الإقليمية.
ويضيف المسؤول أن “المدخل لذلك هو الانخراط بشكل سريع ومباشر في مفاوضات جدية، على مستويين: ثنائي ومتعدد، وبما يضمن مصالح الاطراف كاة”.
ويرى وزير الدفاع العراقي الأسبق سعدون الدليمي إلى أن الجانب العراقي يأمل بأن تأخذ الكويت بالاعتبار ما يعتبره العراق “غبنًا بحريًا”، وحاجته الفعلية إلى منفذ بحري عملي يخدم اقتصاده.
“الكويت تمتلك ساحلًا على الخليج العربي يقارب 499 كيلومترًا، بينما لا يتجاوز الساحل العراقي نحو 80 كيلومترًا، وهو أصلًا محدود وغير مهيأ بالكامل لحركة السفن التجارية الكبيرة” يضيف الدليمي لـ”الحرة”.
ويعتقد الدليمي أن إيداع العراق لخرائط ممراته البحرية لدى الأمم المتحدة هو “إجراء لا يترتب عليه أثر قانوني مباشر” بقدر ما هو “رسالة سياسية وقانونية من الجانب العراقي، مفادها، دعونا نجلس ونتفاهم بروح أخوية، حوار هادئ بين أخوين جارين، وتفاهم عملي يراعي مصالح الطرفين”.
يعتقد المناع أن حل الازمة الحالية ينطلق من العودة للعمل باتفاقية 2012.
“ما تعتبره الكويت مخرجا عمليا ينهي هذا الملف ويمنع تكراره هو أن تحترم الأطراف المتعاقدة اتفاقها وتواقيعها، وتلتزم بما وقعت عليه… هناك حوارات ومفاوضات ومناقشات وأدلة وخرائط، ويمكن عرض كم كبير منها يثبت أحقية الكويت،” يقول المناع.
وفي عام 2012، وقع البلدان اتفاقية تنظم الملاحة في ممر خور عبد الله المائي الحيوي، الذي يقع يفصل بين جزر بوبيان ووربة الكويتيتان وشبه جزيرة الفاو العراقية، ويعد بوابة العراق الرئيسية للخليج، وكان هذا أول اتفاق ثنائي بين البلدين لحل الخلافات الحدودية التي لم يتم الإشارة لها في قرارات مجلس الأمن. لكن المحكمة الاتحادية في العراق أبطلت هذه الاتفاقية في عام 2023 بعد شكوى قدمها نائبان في البرلمان ذكرا فيها أن المصادقة عليها جرت دون اتباع الإجراءات البرلمانية السليمة.
المصدر:
الحرة