مع حلول شهر رمضان، كل عام، تشتد رغبة فلسطينيي الضفة في التوجه إلى مدينة القدس، للصلاة في المسجد الأقصى المبارك، لكن هذه العبادة مقيدة بشروط وإجراءات الاحتلال المشددة.
على رأس تلك الإجراءات، استيفاء متطلبات الحصول على التصريح الذي يخوّل حامله بالدخول إلى " إسرائيل"، وهو إجراء يتطلب قبل ذلك إصدار "بطاقة ممغنطة"، الأمر الذي يجعل الوصول إلى الأقصى ليس مجرد قرار ديني أو فردي، بل هو إجراء إداري يخضع لموافقة أمنية مسبقة.
تحتوي البطاقة البلاستيكية على شريط ممغنط مرتبط ببيانات الشخص، ويصطف المضطرون للحصول عليها في طوابير أمام مكاتب الإدارة المدنية الإسرائيلية التابعة لجيش الاحتلال، وذلك بعد أخذ بصماتهم.
الحصول على البطاقة شرط أساسي للتقدم بطلب تصريح دخول إلى القدس. تُستخدم عند الحواجز العسكرية لقراءة بيانات حاملها إلكترونيا. ويُثبت سريان مفعولها أنّ لا مانع من دخوله إلى "إسرائيل"، شريطة وجود التصريح والذي بات الحصول عليه ممكنا إلكترونيا ما دامت البطاقة سارية.
وبالتالي فإن الوصول إلى القدس من أجل الصلاة في رحاب أولى القبلتين خلال أيام الجُمع في رمضان يتطلب وجود بطاقة ممغنطة مع تصريح لإبرازهما عند المرور عبر حاجز عسكري محدد، وهما عادة حاجز قلنديا العسكري شمال القدس، وحاجز "قبّة راحيل" جنوب المدينة.
وفي حال وجود مانع أمني فإن البطاقة لا تُصدر لطالبها أو تُجمد، ولا يمكن للشخص الحصول على تصريح حتى يُرفع المنع.
لم تعد مسألة الصلاة في الأقصى خلال رمضان مرتبطة بالحواجز العسكرية على الأرض، بل باتت جزءا من منظومة رقمية تُدار عبر قاعدة بيانات وتصنيفات أمنية، في مشهد يعكس التحول من السيطرة الميدانية المباشرة إلى الضبط الإداري الممنهج لحركة السكان.
وفي الجمعة الأولى من رمضان منع الاحتلال مئات الفلسطينيين القادمين من محافظات الضفة الغربية من الوصول إلى المدينة المحتلة، بادعاء عدم وجود بطاقة ممغنطة أو تصريح الدخول إلى القدس، أو لأن اجتياز الحواجز يخضع في كثير من الأحيان لمزاج الجنود المتمركزين على الحواجز.
الباحث في شؤون القدس زياد ابحيص قال، في حديث للجزيرة، إن ما يحدث منذ بدء شهر رمضان الحالي هو شكل من أشكال تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى منذ احتلاله، ولخّص قراءته لما يحدث بالآتي:
البطاقة الممغنطة: تأتي في سياق منع تكاثر أعداد المصلين، إذ أدى 80 ألف مصلٍّ صلاة الجمعة الأولى في المسجد وفقا لدائرة الأوقاف الإسلامية، وهذا الرقم كان يتراوح بين 120 إلى 180 ألف مصلٍّ قبل حرب الإبادة على غزة.
وتهدف البطاقة للتأكد من أن مَن يدخل عبر الحواجز العسكرية، وحاجز قلنديا تحديدا، يدخل بالأدوات الإلكترونية، ويكون قد حصل مسبقا على التصريح اللازم للدخول، وأن تضمن سلطات الاحتلال أنه غادر في الوقت المناسب، لأن هذا التصريح مشروط بالعودة قبيل صلاة المغرب.
فمن يصلي الجمعة لا يمكنه أداء صلاة التراويح ولا يتمكن من التأسيس لاعتكاف بالأقصى، وهذه سياسة فرضت بعد رمضان 2023 للتأكد من أنه لا يوجد أي اعتكاف لأهالي الضفة الغربية.
تغيير هوية المسجد وتهويده: ضمن مسار طويل لتحقيق الهدف الصهيوني بتحويل المسجد الأقصى من مقدس إسلامي إلى هيكل بكامل مساحته مرورا بمرحلة من التقاسم.
وجزء من هذا التقاسم يتعلق بإدارة المسجد، وبالتالي فإن ما يحصل الآن هو تعبير عن صراع على تغيير أسس إدارة الأقصى وجعل يد الشرطة الإسرائيلية هي العليا باعتبارها هي من تتولى إدارة المسجد، بعد انتزاع هذه الصلاحية من الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن.
فمثلا يتطلب إدخال وجبات الإفطار للصائمين موافقة صهيونية، وكذلك تجهيز العيادة الطبية وإدخال المظلات ونصبها أو حتى تنظيف الأقصى وتجهيزه لرمضان، وبالتالي المسألة تصبح إرادة إسرائيلية، وتفقد الأوقاف الإسلامية مزيدا ومزيدا من صلاحياتها التي اغتُصب جزء منها سابقا.
"ما يحصل الآن هو فرض حقائق جديدة وتتويج لمسار طويل من تغيير طويل الأمد لطبيعة إدارة المسجد والوضع فيه، ومحاولة للقول إن شرطة الاحتلال باتت هي المدير الفعلي للأقصى، بعد تهميش الأوقاف الإسلامية في القدس باعتبارها تقوم فقط بما يُسمح لها من طرف الشرطة الإسرائيلية" أضاف ابحيص.
أما الأكاديمي ومسؤول الإعلام والعلاقات العامة السابق في المسجد الأقصى عبد الله معروف فتحدث للجزيرة نت عن عدة إجراءات يقوم بها الاحتلال لأول مرة وبشكل غير مسبوق هذا العام قبيل وخلال رمضان، وتهدف لتغيير طبيعة التعامل الإسرائيلي مع الأقصى وتحويل دولة الاحتلال إلى المرجعية الوحيدة وليس فقط الأولى في المسجد.
ومن بين هذه الإجراءات:
تغيير المرجعية: محاولة جرّ رئيس دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس عزام الخطيب لمراجعة أحد مراكز شرطة الاحتلال، لتثبيت واقع جديد يقضي بأن دائرة الأوقاف وكل ما ينضوي تحت مظلتها من مسؤوليات، هو تحت السيادة والمرجعية الإسرائيلية التي تمثلها شرطة الاحتلال في مدينة القدس.
وعوقبت الدائرة بعد رفض الخطيب الوصول إلى مراكز الشرطة، بعدة أشكال أبرزها:
وهذا يعني أن سلطات الاحتلال تحاول أن ترسم نفسها باعتبارها المرجعية المطلقة والوحيدة في الأقصى، وتسعى لتغيير طبيعة دور دائرة الأوقاف وإزالة دورها بشكل كامل.
انتزاع الإدارة: إدارة الوجود الإسلامي في الأقصى، وتطور الوضع هذا العام بإلغاء دور دائرة الأوقاف وجعلها إحدى الأدوات التنفيذية التي تعمل تحت سلطة شرطة الاحتلال فقط، بعدما كان الاحتلال يحاول في السنوات الماضية تغيير دور دائرة الأوقاف من إدارة المسجد إلى إدارة الوجود الإسلامي فيه. وهذا في غاية الخطورة لأنه تغيير شامل وكامل للوضع القائم.
قيود على المصلين: التضييق بشكل أكبر على أهالي الضفة الغربية واشتراط حملهم لبطاقة ممغنطة سارية المفعول بموافقة من أجهزة الاحتلال الأمنية، وتحديد أعمار الواصلين إلى المسجد، وأعدادهم بحيث لا يتجاوز 10 آلاف مصلٍّ في أيام الجمعة.
تصنيف المصلين: الاحتلال يريد أن يصنف الفلسطينيين المصلين في الأقصى إلى ما يمكن أن نسميه "المصلي المطيع أو الهادئ الذي لا يشكل أي خطورة، و"المصلي المشاغب" الذي يمنعه الاحتلال بكل بساطة من الوصول إلى الأقصى، حسب معروف.
ولا يسري هذا على سكان الضفة الغربية فحسب، وإنما على أهالي مدينة القدس ومناطق الداخل المحتل، والدليل على ذلك تسليم أوامر إبعاد عشوائية عن الأقصى لمئات المصلين إن لم يصل عددهم إلى ألف على الأقل.
ومن ضمن الإبعادات العشوائية تلك التي سُلّمت لمن صلّوا في الصف الأول بالمصلى القبلي قبل أسبوعين من حلول شهر رمضان، وكان ذلك كفيلا بإبعادهم عن أولى القبلتين خلال الشهر الكريم.
كل ما سبق يدلّ على أن الاحتلال يريد ترويض الشخصية الفلسطينية في شؤونها الدينية وشؤون العبادة داخل الأقصى، وزرع شرخ بين أبناء المجتمع الفلسطيني، عبر تحويل القضية إلى قضية "طاعة ومشاغبة" وتقسيم الفلسطينيين على هذا الأساس من وجهة نظر شرطة الاحتلال، وهذا في غاية الخطورة لأنه يعني أن الاحتلال بات الآن يصنف الفلسطينيين بناء على مصلحته الشخصية، وفق معروف.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة