آخر الأخبار

مخيم روج.. حكايات نساء عالقات بين إرث داعش وحلم العودة للوطن

شارك
تعيش نساء داعش حياة صعبة في مخيم روج الذي يعد أحد أخطر المخيمات في سوريا، ويحلمن بالحرية والعودة إلى أوطانهنصورة من: DELIL SOULEIMAN/AFP/Getty Images

بعد دخول القوات الحكومية إلى مدينتي الحسكة والقامشلي شمال شرقي البلاد، وسيطرتها على مخيم الهول من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ، وإغلاقه بعد تفريغه من قاطنيه الأجانب ونقلهم لمناطق أخرى؛ يعود مخيم "روج – Roj" الذي يضم نساء وأرامل عناصر تنظيم "داعش" إلى الواجهة كثاني أخطر مخيم في سوريا . ويسلط هذا التحقيق الميداني لـ DW عربية الضوء على حياة مجموعة من النساء القاطنات في هذا المعسكر المغلق من عشرات الجنسيات، بينهن البلجيكية والألمانية ومن أصول صربية وأخرى إيرانية، إضافة إلى مصرية وقرغيزية.

الدخول إلى مخيم روج..

يقع مخيم "روج" أقصى شمال شرقي سوريا بالقرب من الثلث الحدودي الواصل بين تركيا والعراق وسوريا. للوهلة الأولى يبدو شبيهاً بسائر مخيمات النازحين واللاجئين المنتشرة في هذه البقعة الجغرافية، لكن سرعان ما تختلف النظرة بعد الوصول إلى بوابته الرئيسية والمرور بنقطة حراسة شديدة التفتيش والتدقيق، وعناصر مدججين بأسلحة وأجهزة تعقب حديثة، محيطة بأسوار عالية وكاميرات مراقبة.

بعد السماح بالدخول؛ تستطف مئات الخيام المتراصة بجانب بعضها البعض لا يميزها شيء سوى ألوان الغسيل المنشور على أسلاكها الشائكة، إذ تحولت لحبال تنشر عليها الملابس والأغطية وعازل يفصلها عن العالم الخارجي، وفسحة للعب الأطفال.

هنا؛ تنهمك نساء محجبات يرتدين عباءات بألوان داكنة وأخريات سافرات في الأعمال اليومية، منهن من تتبضع في سوق شعبي بسيط وأخريات تطهينّ الطعام وغسل الملابس باليد، فعقارب الساعة توقفت لدى هذه النسوة بعد مقتل أزواجهنّ، او احتجازهم في السجون والمعتقلات دون معرفة مصيرهم.

أما الأطفال وهم كثر متعطّلون عن الدراسة يقضون جلّ وقتهم باللعب في السوق أو بالقرب من الخيام المتهالكة، فلا وجود لمدارس وصفوف تعليمية ولا دورات مهنية لكسر الروتين اليومي الطويل والمُمّل. فما يميز هذا المخيم الصغير عن غيره من المخيمات، هو أن قاطنيه من النساء الجهاديات اللواتي تزوجنّ مسلحين، قاتلوا في صفوف تنظيم "داعش" الإرهابي لسنوات، وبعضهنّ لعبن أدواراً قيادية في "جهاز الحسبة" الذراع الأمنية النسائية ذائعة الصيت آنذاك التي كانت تتبع التنظيم المتطرف سابقاً، لينتهي بهنّ المطاف للعيش في هذا المعسكر المغلق ورعاية أطفال غالبيتهم يتامى.

قصة كساندرا البلجيكية وإسكرا الصربية..

بعكس الصورة النمطية التي اتسمت بها ملابس غالبية قاطنات مخيم روج وملابسهنّ المحتشمة، كانت كساندرا من بلجيكا (31 عاماً) سافرة ذات شعر أشقر وعينان خضراوين مرتدية ألوانا زاهية، وأبدت رغبتها بمغادرة المخيم بعدما عاشت فيه قرابة 9 سنوات وقضت ما يكفي من العقوبة على حد تعبيرها، وليس بالضرورة لبلدها، فهي تفضل المناطق الكردية بسوريا.

وذكرت إنها متعبة للغاية بعدما عاشت سنوات في المخيمات وقبلها في مدينة الرقة، وقالت: "أريد الخروج من هنا، لأنني تغيرت بالفعل وتفكيري مختلف كلياً عن هؤلاء النساء الخطرات المتشددات. لا أستحق البقاء في المخيم وقضاء ما تبقى من حياتي تحت رحمة خيمة" وأكدت أن عمرها كان 18 عاماً فقط عندما دخلت سوريا أوائل 2015، بسب زوجها الفرنسي الذي قتل في معارك التنظيم نهاية 2016.

وخلال السنوات الماضية استعادت بلجيكا من مخيم روج والهول عشرات الأطفال وعددا محدود من النساء الأمهات لأطفال يتامى، ممن كانوا من أفراد عناصر التنظيم لكنهم من أبوين بلجيكيين. وعن الأسباب التي حالت دون إعادتها لبلدها أوضحت كساندرا: "جاءت الحكومة البلجيكية إلى هنا مرتين وأخذت مجموعتين من الأمهات وأطفالهن، أما التي بمفردها مثلي فعليها الهروب من المخيم والتوجه إلى تركيا، لأخذها من هناك".

ويقع مخيم روج بريف بلدة ديريك بحسب تسميتها الكردية أو المالكية التابعة إدارياً لمحافظة الحسكة، يخضع لحراسة القوات الكردية ووحدات (حماية المرأة) الكردية. تقطنه اليوم أكثر من ألفي أجنبية وعربية يتحدرن من 50 جنسية مع أطفالهن وهم 742 عائلة، بحسب إدارة المخيم وسجلات الإدارة الذاتية بسوريا.

فيما تتشابه قصة زكية الصربية (36 سنة) مع باقي النساء اللواتي التقين بهن في هذا التحقيق. فهذه السيدة كانت تقيم في ألمانيا قبل سفرها لسوريا برفقة زوجها الألماني من أصول بوسنية بداية عام 2015، غير أن علامات التقدم بالعمر رغم صغر عمرها بدت على وجهها لما شاهدته من حروب ومشقة العيش في المخيمات، وأتهمت زوجها بالكذب عليها، إذا قال لها إنهم مسافرون في رحلة عمل الى تركيا، وبعد وصولهم أخبرها بنيته للدخول لمناطق سيطرة التنظيم سابقاً بسوريا.

وقالت زكية: "فاجأني بقراره بالدخول إلى سوريا رفضت بشدة، لكن أجبرت على مرافقته لأننا كنا متزوجين حيث عشنا في مدن وبلدات سورية كثيرة لا أتذكر اسماءها. بعد مقتل زوجها الألماني بخمسة أشهر ترك لها 3 بنات أكبرهنّ المولودة في ألمانيا وتحمل جنسية بلدها، ثم تزوجت من مقاتل سوري يتحدر من مدينة حلب شمالي البلاد وأنجبت منه بنتا وولدا، ليقتل هو الآخر بعد عامين من زواجهما، وابتسمت هذه الصربية مازحة: "أعرف امرأة طاجيكية تعيش معنا تزوجت 6 مرات، ولديها 3 أطفال من جنسيات مختلفة".

وترعى الصربية 5 أطفال يتحدرون من جنسيات ألمانية وسورية وأكبر أمنياتها العودة الى المانيا، وقالت: "تعبنا كثيراً من العيش في سوريا، أحلم بالذهاب إلى الحديقة والأسواق التجارية، أشتاق كثيراً لعملي في مجال تصفيف الشعر والتجميل". وأذرفت الدموع عندما تذكرت والدتها وأهلها في مسقط رأسها، "أريد حياة طبيعية وأكون قريبة من والدتي وأهلي، ومشاهدة مسقط رأسي نوفي بازار"، المدينة الصربية التي ولدت فيها.

خلف الأسلاك تحلم النساء من زوجات وأرامل عناصر داعش بالخروج وبدء حياة جديدةصورة من: Baderkhan Ahmad/AP Photo/picture alliance

"إناء يفيض بالغضب والأسئلة"

تصف قاطنات هذا المخيم المكان بمركز احتجاز، وإناء كبير يفيض بالغضب والأسئلة، لبحثهنّ عن إجابات شافية حول مصير الأزواج تارةً، والأبناء الذين رحلوا إلى السجون بعد تجاوزهم الـ 17 عاماً تارة ثانية، وتاريخ مغادرة المخيم وردود حكوماتها، وهي أكثر الهواجس التي تواجهها هذه الأيام، بعدما شهدت المنطقة تقلبات ميدانية وأمنية مؤخراً.

وذكرت مواطنة إيرانية في عقدها الرابع والتي رفضت ذكر اسمها أنها دخلت سوريا برفقة زوجها الإيراني الذي انضم للتنظيم. عاشت في الرقة ثم بلدات ريف دير الزور شرقي البلاد كالكشمة والباغوز ، وبعد القضاء على سيطرة التنظيم العسكرية والجغرافية شرقي الفرات على يد قوات (قسد) والتحالف الدولي عام 2019، رحلوا بدايةً إلى مخيم الهول ومكثت فيه 3 سنوات قبل نقلها لمخيم روج، ووصفت حياتها قائلة: "هذا ليس مخيم، هذا معتقل، لا حياة لا خدمات لا تعليم".

وأشارت هذه السيدة التي كانت ترتدي عباءة بنية بلون داكن ونقاب بنفس اللون مع خمار أسود، إلى أن صعوبة الحياة تأتي من فرض قيود صارمة على الحركة/ وأن أكبر آمالها هو الخروج والعودة لبلدها، لتضيف وهي أم لطفل وحيد: "زوجي في السجن، لا أعرف هل هو حي أو ميت أو رحل لبلد ثانٍ، وصلتني رسالة واحدة منه فقط".

وتتقاسم غالبية زوجاتِ مقاتلي "داعش" في المخيم ، مشاعرَ الخوف على مصيرهن وحالة من الندم والخيبة من الانضمام للتنظيم، فرغم المناشدات المتكررة لحكوماتهنّ بضرورة إرجاعِهن إلى بلدانهن الأصلية، يتملكهن القلق من نسيان أمرهن وقضاء بقية حياتهنّ في هذا المعسكر المغلق.

وترى الناشطة الكردية نورا خليل المديرة التنفيذية لمنظمة "شمس للتأهيل والتنمية"، وهي إحدى الناشطات المدنيات التي عملت لسنوات في هذا المخيم، ونفذت مئات الورش التدريبية والتوعية لقاطنيه، أن بيئة المخيمات عموماً تشهد توترات أمنية وتحديات هائلة، وقالت خلال حديثها لـ DW عربية: "إن ذلك يعقد عملية تقديم الدعم والرعاية للنساء والأطفال، لأن بقاء النساء وزوجات (داعش) في هذه المخيمات يعرضهن للعيش تحت ضغط الظروف القاسية، كما يعوق عملية دمجهن في مجتمعاتهن بعد عودتهن إلى بلدانهن الأصلية".

بدورها؛ أخبرت مديرة المخيم، حكمّية إبراهيم، أن هجوم القوات الحكومية على المناطق الكردية شمال شرقي البلاد بداية الشهر الحالي، أحيا أمال عودة "داعش" بين أوساط النساء المؤيدات وأن عناصر الحراسة كشفوا رسومات ورايات التنظيم مطلية على الجدران وبعض الخيام، وقالت إن: "الهجوم منحهن جرأة كبيرة خلال الحديث وعنفا بالسلوك. قالت بعض النساء قالت صراحة لعناصر الحراسة بأنه سيطلق سراحهن قريباً، وأخريات هددنّ عناصر الأمن بالانتقام لسنوات المكوث هنا"، وهذه السلوكيات لم تظهر على هذه النساء خلال السنوات الماضية، بحسب الإدارية الكردية.

الأطفال في مخيم روج محرومون من التعليم حيث لا توجد مدرسة ولا تعليم في المخيم حيث يقضون معظم وقتهم باللعب صورة من: Delil Souleiman/AFP/Getty Images

انتظار موعد طائرة العودة..

في إحدى زوايا المخيم تجمهرت مجموعة من النسوة بملامح قوقازية من آسيا الوسطى لبسن عباءات ملونة طويلة، كما وضعن كمامات حتى لا يظهر من وجوههن سوى عيون فضولية، وتولت إحداهنّ وكان اسمها مرغوبة محمود عبد السلام الكلام لتقول، "صديقتي هنا اسمها ريانا والثالثة نركيزا كلنا من دولة قيرغيزستان وهناك أخت تقف معنا من أوزبكستان، نحن ننتظر موعد طائرتنا للعودة لبلدنا"، غير أن هذ الكلام لا أساس له بعد رفض الحكومات استعادة رعاياها كحال غالبية الدول الغربية والعربية.

ومع مضي الأيام والأشهر متثاقلة على هذه السيدة ووجودها بالمخيم لأكثر من 7 سنوات، بدت على وجهها علامات الحيرة وخيبة الأمل من كثرة الانتظار، تلوم زوجها مرة وأهلها مرة ثانية لهذا القرار الذي قلب حياتها رأساً على عقب، وتابعت مرغوبة بحسرة: "لأوضاع هنا ليست جيدة، لا كهرباء ولا مياه نظيفة للشرب، أطفالنا يكبرون ثم يأخذونهم إلى السجن، نحن لا نريد مخيم، متى ستأتي حكوماتنا لإعادتنا؟".

لكن المفارقة هي أن جميع أزواج هؤلاء النسوة قتلوا في معارك التنظيم داخل الأراضي السورية، وأنجبن أطفالا منهم، وعلقت مرغوبة قائلة: "أنا عندي 5 أطفال يعيشون معي، صديقتي لديها طفل واحد والثالثة أربعة أطفال، وهناك من لديها 5 أطفال وكلهم يعيشون هنا"، وأكدت أن زوجها كان إداريا في التنظيم وكيف قتل في مدينة الميادين بريف محافظة دير الزور، ونفت قتالها في صفوف التنظيم ولم تلتحق بـ"كتيبة الخنساء" على حد زعمها.

حياة مزرية وصعبة تحت خيام مهترئة صورة من: Baderkhan Ahmad/AP Photo/picture alliance

وقيرغيزستان مثل العديد من دول آسيا الوسطى يشكل المسلمون 90 بالمائة من سكانها، وتحولت خلال السنوات الماضية إلى مصدر رئيسي لعناصر التنظيم الذين هاجروا إلى سوريا والعراق وقاتلوا في صفوفه.

فيما عاشت المصرية أميرة محي الدين صادق (35 سنة) نحو 12 سنة من حياتها في مناطق النزاع والمخيمات، عانت الأمرّين بسبب الظروف القاسية التي واجهتها. وتقولها إنها عندما تعرفت على شاب مغربي زميل لها يدرس بنفس الجامعة بمدينتها القاهرة، أقنعها بالسفر إلى تركيا والدخول إلى سوريا، وأوضحت "كذب علي وقال إن لديه عمل بمنطقة حدودية تركية، وبالفعل سافرنا ودخلنا تل أبيض ثم ذهبنا للرقة". وعن مهام زوجها ومنصبه أكدت أنه "لم يكشف عنها كلياً حيث كان يذهب 28 يوم ويأتي ليوم واحد يقضيه بالمنزل ثم يعود للقتال، كنا نعيش في كابوس، حرمني من الهاتف والاتصال وأخذ جواز سفري من أول يوم".

وقتل زوجها بعد عام من دخولهم الرقة السورية بقصف جوي لطيران التحالف الدولي ووصفت حياتها السابقة قائلة: "كنت أعيش في سجن كبير معزول عن العالم الخارجي"، أما طفلاها: ابنتها سلسبيل وابنها محمد كانا يلهوان باللعب وهما طفلين ببشرة سمراء وملامح مصرية، وأمضى الطفلان معظم حياتهما كحال الآخرين في مخيمي "الهول" ثم "روج" مع أسرهم، وعلقت أميرة على حالها قائلة: "ولد طفلاي في الرقة، ليس لديهما أوراق أو وثائق تثبت جنسيتهم المغربية أو المصرية، ننتظر بلدنا لإعادتنا للديار"، وتنتظر بفارغ الصبر عودتها وبدء حياة جديدة بعيدة عن الحروب والمخيمات.

وعلى عكس المصرية أميرة؛ تخلت كثير من النساء اللواتي التحقن بالتنظيم عن جوزات سفرهنّ بعد مبايعة "داعش"، وترفض معظم الدول النظر في أمرها نظراً لولادة الأطفال على أراضٍ خارج حدودها ووجود أطفال من جنسيات متعددة، وليس لديهم شهادات ميلاد معترف بها من حكومة رسمية، يحول دون إثبات جنسياتهم والحصول على وثائق شخصية.

مخيم روج- سوريا: كمال شيخو

تحرير: عارف جابو

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا