آخر الأخبار

الجزائر: 7 سنوات على حراك 22 فبراير 2019.. هل "اتنحّاو قاع" حقاً أم تغيّر "الديكور" فقط؟

شارك

بعد مرور سنوات على تلك الهبة الشعبية، يبدو أن المشهد السياسي الذي تغير "ديكوره" الخارجي، لا يزال يحمل في قلبه ذات الهياكل الصلبة التي انتفض الشارع ضدّها عام 2019.

تحت شعار "يتنحاو قاع" أو "فليرحلوا جميعا" صدحت ملايين الحناجر في الشوارع الجزائرية عام 2019 مطالبة برحيل رموز النظام السياسي برمّته، في مشهد غير مسبوق منذ عقود.

كان الشعار اختزالًا لغضبٍ شعبي تراكم لسنوات، وانفجر مع إعلان ترشح الرئيس آنذاك عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة وهو الذي حكم الجزائر منذ 1999 وكان من المفروض أن يغادر السلطة بعد عهدتيْن بموجب الدستور. لكن تم تم التعديل عشية انتخابات 2009 وأصبح العدد مفتوحا ليتولى بوتفليقة بعد ذلك عهدة رابعة رغم تدهور صحته وغيابه شبه الكامل عن الحياة العامة منذ 2013 تاريخ إصابته بجلطة دماغية أثرت على قدرته على الحركة والكلام.

وسرعان ما تحوّلت الاحتجاجات التي انطلقت شرارتها في 22 فبراير/شباط 2019 إلى حراك وطني واسع ، اتسم بسلميّته وانتظامه الأسبوعي، وجمع مختلف فئات المجتمع، في مطلب جامع يدعو إلى تغيير جذري لمنظومة الحكم، وبناء دولة قانون ومؤسسات. ومع تصاعد الضغط الشعبي، أعلن بوتفليقة استقالته في 2 أبريل/ نيسان ، لتدخل البلاد مرحلة سياسية جديدة انتهت بانتخاب عبد المجيد تبون رئيسًا للجمهورية في ديسمبر 2019.

هكذا بدأت الحكاية التي ظن العالم أنها ستعيد رسم وجه "الجزائر الجديدة". لكن، وبعد مرور سنوات على تلك الهبة الشعبية، يبدو أن المشهد السياسي الذي تغيّر "ديكوره" الخارجي، لا يزال يحمل في قلبه ذات الهياكل الصلبة التي انتفض الشارع ضدّها.

مصدر الصورة خرج متظاهرون جزائريون إلى شوارع العاصمة الجزائر للاحتجاج ضد الحكومة، يوم الجمعة 16 أغسطس/آب 2019. Toufik Doudou/Copyright 2019 The AP. All rights reserved.

تغيُّر الواجهة وثبات جوهر السلطة

في حديثه إلى "يورونيوز"، يرى المحامي والمحلل السياسي إسماعيل معراف أنّ الجزائر شهدت منذ حراك 22 فبراير/شباط 2019 تحولات على مستوى الشكل السياسي والمؤسساتي، إذ تغيّرت الوجوه، وتبدّل الخطاب الرسمي، وأُعيد ترتيب بعض الهياكل الإدارية، بما أعطى انطباعًا بمرحلة جديدة عنوانها "القطيعة مع الماضي".

غير أنّ هذه التحولات، بحسب تقديره، بقيت ضمن حدود "الديكور السياسي"، ولم تَطَلْ جوهر منظومة الحكم ولا طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع.

ولا يرتبط الإشكال بالأشخاص بقدر ما يتصل بطبيعة النظام وآليات اشتغاله، وفق تعبير معراف، "فمناخ الحقوق والحريات، ما يزال محل جدل واسع، في ظل استمرار متابعات قضائية بحق نشطاء وصحفيين وأصحاب الآراء المخالفة، وهو ما يعكس، في رأيه، بقاء المقاربة الأمنية حاضرة في إدارة الفضاء العام".

ويضيف أنّ السجون "تعجّ بمعتقلين بسبب آرائهم أو مواقفهم السياسية التي تحمل أفكارًا مخالفة لأطروحة النظام"، ما يثير تساؤلات حول سقف حرية التعبير والعمل الحزبي والنقابي.

كما يشير إلى أنّ "عدة أصوات خفتت" خلال السنوات الأخيرة، وأن المجال الإعلامي لم يعد يؤدي كامل دوره في نقل مختلف وجهات النظر، معتبرًا أنّ بعض وسائل الإعلام باتت أقرب إلى منطق الإشادة بالسلطة بدل ممارسة الرقابة عليها.

أما المنظومة الحزبية، فيصفها بأنها تعاني ضعفًا في الاستقلالية والفاعلية، إذ يغلب على خطابها "الإشادة والمدح للحاكم" بدل بلورة بدائل سياسية حقيقية.

بعض الجزائريين باتوا يحنّون، رغم قسوة تلك المرحلة، إلى عهد بوتفليقة، معتبرين أنّ هامش العمل النقابي والحزبي وحرية الإعلام كان آنذاك أوسع مما هو عليه اليوم
إسماعيل معراف
محام ومحل سياسي

"فرصة تاريخية لم تُستثمر"

يعتبر معراف، في تصريحه، أنّ الحراك الشعبي شكّل فرصة تاريخية للجزائر، سلطةً وشعبًا، للانتقال إلى مرحلة أكثر انفتاحًا وانعتاقا من إرث الدولة الأمنية ومنطق البوليس السياسي.

ويرى أنّ تلك اللحظة كانت مؤهلة لإطلاق مسار تأسيسي يعيد صياغة قواعد اللعبة السياسية ويؤسس لدولة قانون تقوم على الفصل الفعلي بين السلطات وضمان الحريات العامة. غير أنّ ما تلا استقالة بوتفليقة، بحسب رأيه، لم يرتقِ إلى مستوى تطلعات الشارع.

ويشير المتحدث إلى أنّ "بعض الجزائريين باتوا يحنّون، رغم قسوة تلك المرحلة، إلى عهد بوتفليقة، معتبرين أنّ هامش العمل النقابي والحزبي وحرية الإعلام كان آنذاك أوسع مما هو عليه اليوم".

ويرى المحامي أنّ المرحلة الحالية، في ظل رئاسة تبون، اتسمت بارتفاع منسوب الخوف والقلق لدى بعض فئات المجتمع، ما دفع عددًا من الشباب والنخب إلى مغادرة البلاد بحثًا عن فضاء أرحب سياسيًا واقتصاديًا وهربا من "بطش النظام".

ويخلص إلى أنّ "الحراك كان فرصة حقيقية لم تُستثمر"، معبّرًا عن أسفه لـ"عدم توظيف تلك اللحظة في خدمة مصالح الشعب والدولة".

اقتصاد غني وخدمات متعثّرة

اقتصاديًا، يلفت معراف إلى مفارقة صارخة، فالجزائر بلد غني بالموارد الطبيعية وتُخصّص له ميزانيات ضخمة سنويًا، غير أنّ أثر هذه الإمكانات لا ينعكس وفق تقديره على الحياة اليومية للمواطنين.

ويؤكد أنّ القدرة الشرائية شهدت تراجعًا ملحوظًا، وأن الفقر بات يطال عددًا متزايدًا من العائلات في ظل ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة.

ويرى المتحدث أنّ السياسات الاجتماعية والاقتصادية، رغم حجم الإنفاق العمومي، لم تنجح في إحداث توازن فعلي بين الثروة الوطنية ومستوى معيشة المواطنين، ما يعمّق الشعور بالإحباط لدى الطبقات المتوسطة والضعيفة.

ورغم إقرار معراف بوجود بعض التغيّرات على مستوى البنية الاجتماعية والاقتصادية، لكنه يعتبرها غير كافية بالنظر إلى ما تزخر به البلاد من إمكانات.

وعلى الصعيد الاجتماعي، يصف معراف واقع المدرسة الجزائرية بأنه "منكوب".

فالأزمة لا تقتصر على المناهج، بل تمتد إلى الحوكمة وغياب رؤية إصلاحية مستقرة، فضلًا عن تكرار التعديلات دون تقييم شامل للنتائج، كما أنّ المنظومة التربوية لم تعد قادرة على مواكبة التحولات أو إعداد أجيال مؤهلة لسوق عمل متغير.

وفي قطاع الصحة، يشير إلى اضطرار عدد من المواطنين إلى البحث عن العلاج خارج البلاد، ما يعكس فجوة بين الخطاب الرسمي حول تطوير القطاع وواقع الخدمات المقدمة، مؤكدا أنّ الحق في علاج لائق ما يزال تحديًا قائمًا.

الجزائر في عزلة دبلوماسية

وخلال حديثه، تطرق معراف إلى ما يصفه بحضور قوي للمؤسسة العسكرية في معادلة القرار السياسي، معتبرًا أنّ هذا الحضور يؤثر في توازن السلطات وطبيعة الحياة السياسية.

كما انتقد المتحدث الخطاب السياسي الذي يتسم أحيانًا بالحدّة.

أما دبلوماسيًا، فيشير إلى توترات شهدتها علاقات الجزائر مع عدد من الدول خلال السنوات الأخيرة.

ويختتم معراف تصريحه بالتأكيد على أنّ "التغييرات التي حدثت لم تكن في مستوى ما أراده الجزائريون"، مكررًا أنّ الحراك كان فرصة حقيقية لم تُحسن الدولة استثمارها في تعزيز مسار الإصلاح السياسي.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا