آخر الأخبار

كيف كشفت ساحل العاج علاقة إبستين بإسرائيل؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في أكتوبر/تشرين الأول 2015، وقّعت أريان دي روتشيلد، الرئيسة التنفيذية لمجموعة "إدموند دي روتشيلد" المصرفية السويسرية، عقدا بقيمة 25 مليون دولارٍ مع شركة استشارات مالية تدعى "ساوثرن ترست" (Southern Trust). على الورق، كان الاتفاق يتعلق بتقديم خدمات "تحليل المخاطر وتطبيق خوارزميات بعينها"، لكن "ساوثرن ترست" لم تكن شركة استشارات مالية عادية؛ كانت إحدى الواجهات المالية للممول الأمريكي جيفري إبستين المتورط في جرائم الاتجار الجنسي بالقاصرات، والذي عُثر عليه ميتا في زنزانته عام 2019.

كانت شركة إبستين نفسها مولت في وقت سابق من العام ذاته شركة إسرائيلية ناشئة عُرفت حينها باسم "ريبورتي" للأمن القومي، متخصصة في تقنيات الاستجابة للطوارئ والمراقبة، وتُعرف حاليا باسم "كارباين" (Carbyne)؛ التي يعد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك مستثمرا فيها ورئيسها التنفيذي. جدير بالذكر أنه في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، استحوذت شركة "أكسون" (Axon)، وهي شركة أمريكية من أكبر مصنّعي تقنيات إنفاذ القانون في العالم (مثل أجهزة الصعق وكاميرات الجسم وبرمجيات إدارة الأدلة الرقمية)، على شركة "كارباين" الإسرائيلية مقابل 625 مليون دولارٍ.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 كيف اختطف "كارفور" وإخوته صيام المسلمين في الغرب؟
* list 2 of 2 بإجماع 80 دولة ومنظمة.. بيان دولي يرفض "الضم" والتوسع الإسرائيلي بالضفة end of list

تكشف الكواليس عن علاقة "محتملة" غريبة بين الأطراف الثلاثة في الاتفاقين المذكورين: شركة "ساوثرن ترست" المملوكة لإبستين، و"كارباين" بقيادة باراك، ومجموعة "دي روتشيلد". ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2013، كتب إبستين رسالة إلكترونية إلى إيهود باراك، ينقل فيها كلام أريان دي روتشيلد: "إذا أراد إيهود أن يجني أموالا طائلة، فعليه أن يبني علاقة معي". ردّ باراك: "أنا مستعد. لكنني أحتاج نصيحتك، كيف؟". فأجاب إبستين بأربع كلمات: "الوقت، والاهتمام، والثبات، والتكرار".

مصدر الصورة صورة رسالة إبستين الإلكترونية المرسلة إلى إيهود باراك (دروب سايت نيوز)

لم تكن تلك مجرد محادثة عابرة بين صديقين حول فرصة استثمارية واعدة على الأرجح؛ فما تكشفه هذه الرسائل بالإضافة إلى آلاف الوثائق التي أتاحتها وزارة العدل الأمريكية ولجنة الرقابة في مجلس النواب وتحقيقات لجنة المالية في مجلس الشيوخ وتحقيقات منصة دروب سايت، يخبرنا عن وجود محتمل لما يشبه "قناة خلفية" حقيقية لتصدير تقنيات المراقبة والتجسس السيبرانية الإسرائيلية، أدارها إبستين وباراك ووظفا خلالها العديد من المؤسسات لفترة من الزمن.

إعلان

هنا سنحاول الاقتراب من عدة أسئلة مهمة: كيف تُصدَّر تقنيات المراقبة السيبرانية الإسرائيلية عبر شبكات خاصة، تضم وسيطا مدانا بجرائم جنسية، ومسؤولين سابقين؟ وكيف طمست إسرائيل عمدا الخطوط الفاصلة بين سياسات الدولة وأنشطة الأعمال للسماح بتصدير تقنياتها العسكرية؟ وأخيرا، ما طبيعة الدور الذي أداه إبستين للترويج للصناعة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية؟

أمراء الحرب السيبرانية

تمتلك إسرائيل نظاما رسميا لتصدير تقنيات الدفاع والمراقبة. نظريا، يفرض قانون مراقبة الصادرات الدفاعية، الصادر عام 2007، الحصول على ترخيص لكل صفقة من هيئة مراقبة الصادرات الدفاعية (DECA)، وهي الذراع الرقابية لوزارة الدفاع في الدولة العبرية. على سبيل المثال، برمجية التجسس "بيغاسوس" (Pegasus)، التي طوّرتها مجموعة "إن إس أو" (NSO) الإسرائيلية، مصنّفة رسميا كسلاح سيبراني، وكل عملية بيع لها تتطلب موافقة وزارية منفصلة.

لكن -وكما هو متوقع- يتضمن القانون نفسه ثغرة جوهرية تسمح بالالتفاف عليه إذا اقتضت ذلك "المصالح الدبلوماسية أو الأمنية"، بما يشمل تجاهل اعتبارات حقوق الإنسان التي تدعي إسرائيل أنها تلتزم بها في صادراتها الأمنية. وما يزيد الطين بلة أن الدول المسموح لها بالشراء والمنتجات المصرح بتصديرها سرية بالكامل، وتوسّعت ثلاث مرات على الأقل منذ عام 2019 دون أي إفصاح علني.

على المستوى الدولي، يُفترض أن تنظم "اتفاقية واسينار" (Wassenaar Arrangement) تجارة أدوات المراقبة السيبرانية، وقد أضافت الاتفاقية عام 2013 "برمجيات الاختراق" و"أنظمة مراقبة شبكات الإنترنت" إلى قوائمها المحظورة. لكن فعالية الاتفاقية لا تزال محدودة، حيث تضم نحو 40 دولة فقط، فضلا عن كون قراراتها غير ملزمة قانونيا، والأهم أن إسرائيل ليست عضوا فيها من الأساس؛ وتدّعي التزاما أحاديا بمعاييرها، لكنها تعمل خارج إطارها الرقابي بالكامل.

هذا الادعاء يتناقض مع ممارسات إسرائيل حتى المعلنة منها. فقد سبق أن استخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذه الأدوات علنا كأداة ضغط دبلوماسية، مثل استغلال تراخيص برمجية "بيغاسوس" كعملة تفاوضية مع بعض الحلفاء المحتملين. يعني ذلك أنه، باعتراف المسؤولين الإسرائيليين أنفسهم، فإن القناة الرسمية لتصدير تقنيات المراقبة السيبرانية الإسرائيلية لا تخضع لأي معايير حقوقية داخلية بقدر ما تخضع للحسابات السياسية والمصالح المتبادلة، فما بالك بالقنوات والطرق الخلفية. ربما تكون الميزة الوحيدة في تلك القناة "الرسمية" أنها تخضع لمستوى من المساءلة من جهات أمريكية ودولية، حين واجهت مجموعة "إن إس أو" عواقب فعلية من واشنطن، عبر إدراجها على القائمة السوداء لوزارة التجارة الأمريكية عام 2021، ومن خلال دعاوى قضائية رفعتها شركات تقنية أمريكية.

لكن ما كشفته وثائق إبستين، وكما هي عادة إسرائيل، توجد دائما حلول أخرى أكثر نجاعة تتمثل في تلك القنوات الخلفية الموازية. ويرتكز عمل القناة الخلفية الخاصة بصادرات المراقبة السيبرانية على ثلاثة أركان أساسية: وسيط يملك شبكة وصول إلى نخب المال والسلطة (جيفري إبستين)، ومسؤول دولة سابق يمنح المصداقية الاستخباراتية والعسكرية (إيهود باراك)، وطبقة ثالثة تتغيّر بحسب السياق، سواء كانت بنوكا خاصة أو منظمات دولية أو شركات مقاولات عسكرية. هذه القناة الفريدة لم تحظ بما يكفي من الاهتمام في وسائل الإعلام التي ركزت على فضائح إبستين والنخبة المحيطة به الجنسية، وتجاهلت نسبيا روابطه الواضحة مع إسرائيل وصناعتها الأمنية والعسكرية.

إعلان

الوسيط: جيفري إبستين

لم يكن إبستين مُمولا ثريا فحسب، ولا مجرد صاحب علاقات واسعة، بل كان وسيطا يتحرَّك عند تقاطع رأس المال والسلطة والتقنية، ويملك ميزة لا تستطيع أي هيئة حكومية أو شركة استخبارات خاصة توفيرها بالسهولة نفسها: الوصول المتزامن إلى نخب متعددة لا يجمعها سياق واحد. وترسم رسائله الإلكترونية صورة واضحة لهذا الدور، ففي مايو/أيار 2014، كتب إلى إيهود باراك يحثُّه على قضاء وقت حقيقي مع مؤسس شركة "بالانتير" (Palantir) للبيانات الاستخبارية بيتر ثيل، أحد أبرز المستثمرين في تقنيات المراقبة الحكومية، وهو للمفارقة أحد أهم ممثلي اليمين الأمريكي في وادي السيليكون.

لم يقتصر دور إبستين إذن على الاستثمار في التقنيات السيبرانية الإسرائيلية، بل كان يسعى جاهدا لعرضها على صناديق الاستثمار الأمريكية المتخصصة في هذا المجال. وفي فبراير/شباط 2016، عرض إبستين شركة "ريبورتي" على صندوق "فالار فِنتشرز" (Valar Ventures) الذي شارك بيتر ثيل في تأسيسه، لكن الصندوق رفض المشروع حينها معتبرا أنه لا يزال في مرحلة مبكرة. لكن بحلول عام 2018، بعد أن تغيَّر اسم الشركة إلى "كارباين"، انضم صندوق "فاوندرز فاند" (Founders Fund)، الذي شارك ثيل أيضًا في تأسيسه، إلى جولة التمويل الثانية للشركة بقيمة 15 مليون دولارٍ.

كان إبستين يهندس تلك التقاطعات، فلم يكتف بتعريف شخص بآخر، بل يختار اللحظة والسياق المناسب، مثلما حدث حين رتَّب لقاء بين رئيس وزراء إسرائيلي سابق وملياردير وادي السيليكون الأكثر ارتباطا بصناعة المراقبة السيبرانية الأمريكية. أما هيكله المالي فكان مناسبا لحجم هذا الدور، حيث تُظهِر تحقيقات لجنة المالية في مجلس الشيوخ أن حسابا واحدا من حسابات إبستين أجرى 4725 تحويلا ماليا بقيمة إجمالية بلغت 1.1 مليار دولارٍ. وفي قلب هذه الحركة تظهر البنية التحتية المالية القادرة على تمويل الصفقات والاستثمار في شركات مراقبة سيبرانية إسرائيلية.

مصدر الصورة رسالة بريد إلكتروني مسرّبة، وردت ضمن أرشيف دي دوس سيكريتس تكشف عن مراسلات تتعلق بعرض مشروع يُعرف باسم "ريبورتي" على شركة فالار فنتشرز خلال فبراير/شباط 2016

المسؤول: إيهود باراك

إذا كان إبستين يُوفِّر الوصول، فإن باراك كان يقدم ما لا يستطيع أي وسيط آخر تقديمه: مصداقية الدولة، فهو رئيس وزراء ورئيس أركان ووزير دفاع سابق حتى مارس/آذار 2013. ولذا حين يجلس باراك على طاولة مفاوضات مع رئيس دولة أفريقية مثلا، فإنه لا يُمثِّل شركة خاصة فحسب، بل يحمل معه ثقل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأكملها، حتى لو لم يعد يشغل منصبا رسميا.

كان هذا الثقل مقصودا ومُتعمَّدا، فحين اقترح أهارون زئيفي فركاش، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، نظام تنصت وطنيا شاملا لدولة ساحل العاج في سبتمبر/أيلول 2013، لم يرسل المقترح إلى شركة أمنية خاصة، بل أرسله إلى إيهود باراك شخصيا في وثيقة من 13 صفحة تتضمن تفاصيل بنية تحتية لاعتراض المكالمات الهاتفية والأقمار الاصطناعية والراديو واتصالات الإنترنت.

هنا تحديدا تصبح الحدود الفاصلة بين "مسؤول الدولة" و"رجل الأعمال" مائعة وغير مرئية، فبعد خروجه من الحكومة الإسرائيلية بأسابيع، تلقَّى باراك عقدا من بنك جوليوس باير السويسري (Julius Baer)، وهو مؤسسة مصرفية متخصصة في إدارة الثروات الخاصة، بقيمة 600 ألف فرنك سويسري (نحو 678 ألف دولارٍ) سنويا كي يعمل "مستشارا استراتيجيا" لتقديم الاستشارات الجيوسياسية للإدارة العليا للبنك. وهكذا لم يستغرق الانتقال من وزير دفاع إلى مستشار بنك خاص يستثمر في التقنيات الأمنية سوى أسابيع.

مصدر الصورة مراسلات بريد إلكتروني مسرّبة بين إيهود باراك وجيفري إبستين (فبراير/شباط 2014) تتناول نقاشا حول الاضطرابات السياسية وإمكانات الاستفادة منها ماليا (دروب سايت نيوز)

واصل إبستين وباراك مراسلاتهما بانتظام، إذ كان إبستين يقدم المشورة للسياسي الإسرائيلي السابق حول كيفية الاستفادة من علاقاته لكسب مزيد من الأموال. وفي 21 فبراير/شباط 2014، أرسل إبستين لباراك الرسالة التي أصبحت شعارا لعلاقتهما: "مع انفجار الاضطرابات المدنية في أوكرانيا وسوريا والصومال وليبيا، ويأس ذوي السلطة، أليس الوضع مثاليا لك؟" فأجاب باراك: "أنت محق إلى حد ما، لكن ليس من السهل تحويل ذلك إلى عائد مالي".

رأس المال: البنوك الخاصة

هنا يأتي دور العنصر الثالث في هذه المنظومة وهو رأس المال، الذي لم يقتصر على مفهوم التمويل، بل شمَل البنية القانونية والمالية، التي تمنح الصفقات غير الرسمية مظهرا مؤسسيا. وهنا تحديدا يلفت النظر ذلك التزامن العجيب بين عقد أريان دي روتشيلد مع شركة "ساوثرن ترست" بقيمة 25 مليون دولارٍ مقابل خدمات مبهمة، وبين قرار شركة إبستين الاستثمار في شركة مراقبة إسرائيلية في العام نفسه.

إعلان

لا يمكن الجزم ما إذا كان بنك إدموند دي روتشيلد شارك مباشرة في تمويل هذه الجهود السيبرانية، لكن ذلك التزامن يثير الريبة في أدنى الأحوال. وما يرفع مستوى الشكوك أكثر أن بنكا سويسريا آخر هو بنك جوليوس باير وفر لإيهود باراك البنية التحتية المالية العامة لنشاطاته. ولم يكن العقد السنوي الذي وقَّعه بوصفه "مستشارا استراتيجيا" مرتبطا بصفقة بعينها، ولكنه ضمن له أمرين: تدفقا ماليا ثابتا يغطي تكاليف السفر والاجتماعات واللقاءات مع رؤساء الدول ومسؤولي الأمن، وصفة مهنية مؤسسية تحوِّل نشاطه من "وزير دفاع سابق يسوِّق تقنيات مراقبة" إلى "مستشار استراتيجي لبنك خاص".

ما يُميِّز هذه الطبقة المالية ليس حجمها فحسب، بل وظيفتها. لا تمول البنوك السويسرية الخاصة صفقات أسلحة مباشرة ومن الصعب ربطها بتلك الصفقات بخيط متصل، لكنها قد توفِّر ما هو أكثر فائدة: هياكل قانونية تفصل بين مصدر المال ووجهته، وعقود استشارية تحوِّل عمولات الوساطة إلى "أتعاب مهنية"، وشبكات مصرفية تتحرك فيها الأموال بعيدا عن رادارات الرقابة. هذه المكونات الثلاثة، الوسيط والمسؤول ورأس المال، كانت تعمل كمنظومة واحدة، حيث يفتح إبستين الأبواب، ثم يمنح باراك المصداقية، فيما تغلف البنوك الصفقة بشرعية مالية، مما شكل قناة خلفية لتصدير تلك التقنيات، تعمل بكفاءة القنوات الرسمية وبمرونة السوق السوداء، دون أن تخضع لأي رقابة.

لم توضح الوثائق والتقارير مدى تورط الحكومة الإسرائيلية في هذه المنظومة، لكن على الأرجح لا يحدث هذا بمعزل عنها، بل ربما كانت هي المحرك الرئيسي لها، وهذا ببساطة لأنها المصنع الأساسي لتلك التقنيات الأمنية السيبرانية. لكن السؤال الأهم في قصتنا هنا هو: هل وفرت تلك القناة الخلفية وصولا للبنى التحتية للمراقبة قبل أن تفتح القناة الرسمية مع جهات الدولة؟ قد نجد الجواب في التسلسل الزمني لما حدث في ساحل العاج.

مصدر الصورة صورة خاصة متداولة ضمن أرشيف البريد الإلكتروني لإيهود باراك (يسار)، يظهر فيها إلى جانب بوريس كولاردي، الرئيس التنفيذي السابق لبنك جوليوس باير السويسري (دروب سايت نيوز)

مهمة أبيدجان

في أبريل/نيسان 2011، أنهى تدخل عسكري فرنسي وأممي أزمة ما بعد الانتخابات في ساحل العاج، وأطاح بالرئيس لوران غباغبو لصالح الحسن واتارا، الاقتصادي السابق في صندوق النقد الدولي. ورث واتارا جهاز أمن ممزقا، وجيشا يضم فصائل متنافسة من قوات المتمردين التي حملته إلى السلطة، وبلدا يخضع لحظر أسلحة أممي مفروض منذ عام 2004.

وفي يونيو/حزيران 2012، بعد عام ونيف من وصوله إلى السلطة، أعلن أن حكومته أحبطت محاولة انقلاب من ضباط موالين لغباغبو. وبعد أيام من إعلان محاولة الانقلاب، سافر واتارا إلى القدس، والتقى وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لبحث إعادة بناء الجيش الإيفواري وأجهزة الأمن الرئاسية.

كان الاجتماع رسميا بكل المقاييس: رئيس دولة يلتقي وزير دفاع في منصبه. ولكن ما لم يكن رسميا هو ما كان يحدث في الوقت نفسه على الجانب الآخر من العالم. في 18 يونيو/حزيران 2012، بالتزامن مع لقاء باراك وواتارا في القدس، كان جيفري إبستين في نيويورك يستقبل ديفيد درامان واتارا، نجل الرئيس الإيفواري، وفقا لجداول إبستين التي أصدرتها لجنة الرقابة بمجلس النواب الأمريكي.

وبعد ثلاثة أشهر، في 12 سبتمبر/أيلول، التقى إبستين نينا كيتا، ابنة أخت واتارا، التي كانت عارضة أزياء سابقة في وكالة كارين موديلز (Karin Models) التابعة لجان لوك برونيل (المقرب من إبستين)، وكانت قد سافرت على طائرة إبستين الخاصة بين نيويورك وباريس. وكان إبستين يعرف نينا منذ عام 2002 على الأقل، وتشير السجلات إلى أنه توجه بعد زيارة نينا مباشرة إلى فندق ريجنسي في نيويورك لعقد اجتماع خاص مع إيهود باراك، وزير الدفاع الإسرائيلي.

هذا هو النمط الذي يميز القناة الموازية للدبلوماسية التقليدية. لم تكن هناك قناة واحدة، بل اثنتان تعملان بالتوازي: باراك يتحدث مع واتارا عبر مؤسسات الدولة، وإبستين يتحدث مع عائلته عبر علاقات شخصية لا تخضع لأي سجل رسمي. ورغم مغادرة إيهود باراك الحكومة في مارس/آذار 2013، فإن الاتصالات لم تتوقف، بل تسارعت. فبعد أسابيع من خروجه، التقى باراك في تل أبيب بممثل عن مجموعة إم إف (MF)، وهي شركة مقاولات فرنسية-إسرائيلية كانت تخطط لإنشاء مركز مراقبة اتصالات هاتفية وإنترنت، بالإضافة إلى مركز مراقبة بالفيديو في أبيدجان. وبذل باراك وشركاؤه جهدا واضحا لإبقاء هذه الاتصالات سرية قدر الإمكان.

إعلان

في أغسطس/آب 2013، وصل باراك إلى أبيدجان، واستخدم غطاء "غير أمني" للزيارة: مقترح لبناء مستشفى ومركز تشخيص طبي أعده صهره. ولكنه قبل السفر كان قد كلف شركة الاستخبارات الخاصة إيرغو (Ergo) بإعداد ملف عن واتارا ودائرته المقربة، يتضمن هياكل تنظيمية لأجهزة الدفاع والأمن الداخلي. وفي أبيدجان، التقى واتارا ووزير الداخلية الإيفواري حامد باكايوكو ورئيس الديوان مارسيل أمون تانوه.

مصدر الصورة معارضون يرفعون لافتات احتجاجا على زيارة رئيس ساحل العاج الحسن واتارا (في الصورة) إلى إسرائيل في 17 يونيو/حزيران 2012. (الفرنسية)

قبل ذلك وبعده، أجرى باراك سلسلة اتصالات كاشفة. فقد اتصل بعاموس ملكا، رئيس الاستخبارات العسكرية السابق ورئيس مجلس إدارة شركة بلاسان الإسرائيلية الرائدة في تصميم الدروع وحلول الحماية للمركبات، والذي احتل هو الآخر مكانة غامضة بين القطاعين العام والخاص، في حالة مشابهة لإيهود باراك. لا تكشف سجلات البريد الإلكتروني عن فحوى المكالمة الهاتفية بين باراك وملكا، ولكن بعد إنهاء المكالمة، أرسل باراك إلى ملكا عبر البريد الإلكتروني السيرة الذاتية لخبير لوجستي إسباني-إسرائيلي يعمل في "مكتب رئيس الوزراء"، وهو مسمى مستعار شائع يستخدمه عناصر جهازي الأمن الداخلي والاستخبارات الإسرائيليين عند التعريف بأنفسهم خارج المؤسسة الأمنية، لأن كلا الجهازين يخضعان مباشرة لرئيس الوزراء.

بعد ذلك، اتصل باراك بميكي فيدرمان، القنصل الفخري لساحل العاج في إسرائيل (القنصل الفخري هو ممثل قنصلي لدولة ما في دولة أخرى بسبب عدم وجود حضور دبلوماسي كافٍ دون أن يحمل جنسية الدولة المرسلة) والذي يشغل للمفارقة أيضا منصب رئيس مجلس إدارة شركة "أنظمة إلبيت" (Elbit Systems) أشهر شركات السلاح الإسرائيلية. كان فيدرمان خبيرا في التعامل مع عقوبات الأمم المتحدة في دول غرب إفريقيا، وكانت شركة "أنظمة إلبيت" قد زودت ساحل العاج بطائرات مروحية عسكرية أثناء الحرب الأهلية الإيفوارية الأولى (2002-2004).

ثم أتى التحول الحاسم في القصة في ربيع عام 2014، ففي 10 أبريل/نيسان حل واتارا جهاز الاستخبارات الإيفواري، أو الوكالة الوطنية للاستراتيجية والاستخبارات، التي كان سلفه غباغبو قد أنشأها عام 2005، وأسس بدلا منها "التنسيقية الوطنية للاستخبارات" تحت سلطته المباشرة. وبعد أربعة أيام، أوصى فريق خبراء الأمم المتحدة بتخفيف حظر الأسلحة على ساحل العاج، وفي 29 أبريل/نيسان، رفع الحظر رسميا.

يستحق هذا التسلسل الزمني التوقف عنده، فحل جهاز الاستخبارات القديم وإنشاء جهاز جديد يخضع مباشرة للرئيس، ثم رفع الحظر بعد أسابيع لم يكن من قبيل المصادفة، بل كان تحضيرا لبنية تحتية أمنية جديدة قادرة على استيعاب التقنيات الإسرائيلية التي كانت قيد التفاوض فعلا منذ أكثر من عام. وبعد رفع الحظر مباشرة، تلقت زوجة باراك رسالة من السفير الإيفواري شارل غوميس بعد عودته من أبيدجان كتب فيها: "كنت في ساحل العاج الأسبوع الماضي وتحدثت مع الرئيس، وهو مستعد للتحدث مع إيهود باراك وليس مع أي شخص آخر"، كما أوضحت تحقيقات موقع دروب سايت.

في 29 مايو/أيار 2014، التقى باراك بالسفير غوميس، واصطحب معه داني ياتوم الرئيس السابق للموساد. وبعد مرور أسبوعين فقط، وصل أفيغدور ليبرمان، وزير الخارجية الإسرائيلي، إلى أبيدجان، ووقع اتفاقية ثنائية للدفاع والأمن الداخلي مع الحكومة الإيفوارية، ورافقه أكثر من 50 رجل أعمال إسرائيليا جاؤوا لتقييم فرص الاستثمار في الدولة الأفريقية.

هنا اكتملت الدورة، فما بدأ بعشاء في القدس عام 2012، مرورا بلقاءات إبستين مع عائلة الرئيس الإيفواري في نيويورك، ثم مقترحات مراقبة سرية وزيارات خاصة وإعادة هيكلة لأجهزة الاستخبارات، انتهى باتفاقية أمنية بين دولتين. لم تكن القناة غير الرسمية بديلا عن القناة الرسمية، بل كانت تمهيدا لها. وتجدر الإشارة إلى أنه منذ توقيع الاتفاقية، رصدت وحدة أبحاث مختبر المواطن (Citizen Lab) عام 2018 استخدام برمجية بيغاسوس (Pegasus) للتجسس داخل ساحل العاج.

لم تكن ساحل العاج حالة معزولة، وفق دروب سايت. فقد استخدم جيفري إبستين شبكته السياسية وموارده المالية للتوسط في إبرام اتفاقية تعاون أمني بين حكومتي إسرائيل ومنغوليا، وفقا لرسائل البريد الإلكتروني المسربة من بريد إيهود باراك، وتظهر مشاركة إبستين هنا لأول مرة دوره بوضوح في إبرام صفقة أدت إلى اتفاق أمني بين إسرائيل ودولة أخرى.

من اليسار: الملياردير الأمريكي توماس بريتزكر وإيهود باراك والمخرج والممثل الأمريكي وودي آلن وفي المنتصف يقف جيفري إبستين

قصة مانغوليا

في أبريل/نيسان 2013، بعد شهر واحد بالضبط من مغادرته منصب وزير الدفاع، سافر إيهود باراك إلى أولان باتور، عاصمة منغوليا، للقاء الرئيس المنغولي وقتها تساخياغين إلبغدورج وكبار مسؤولي الأمن القومي. كان الهدف المعلن من الزيارة هو استكشاف فرص تجارية لعملاء شركته الاستشارية الجديدة، أما الهدف الفعلي، كما كشفت المراسلات الإلكترونية، فكان تمهيد الطريق أمام صناعة الحرب السيبرانية الإسرائيلية لدخول السوق المنغولية.

لم يكن باراك يعمل وحده، فمن خلف الكواليس كان جيفري إبستين ينسق الخطوات من نيويورك. قبل خمسة أيام من وصول باراك إلى أولان باتور، التقى الاثنان في قصر إبستين في مانهاتن لعقد جلسة وصفها باراك بأنها "نظرة عامة على الأيام المقبلة". وفي صباح 27 أبريل/نيسان، بعد هبوطه في أولان باتور، أرسل باراك رسالة عاجلة إلى إبستين: "جيف، مرحبا. لا أستطيع الوصول إليك على أي هاتف. أرجو أن تتصل بي. خلال ساعة تقريبا سأبدأ الاجتماعات هنا. سيكون الأمر أكثر تعقيدا". في ذلك اليوم، التقى باراك أمين مجلس الأمن القومي المنغولي، ومن بعده التقى الرئيس إلبغدورج ووزيري الخارجية والدفاع، وفق ما جاء في تحقيقات دروب سايت.

ما يميز ما حدث منغوليا عن ساحل العاج هو الطبقة المؤسسية، فلم يعمل إبستين وباراك عبر شركات مقاولات خاصة فقط، بل وعبر منظمة دولية ذات سمعة دبلوماسية مثل معهد السلام الدولي (International Peace Institute). كان الدبلوماسي النرويجي تيرييه رود لارسن، رئيس المعهد، وسيطا رئيسيا في اتفاقات أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية عامي 1993 و1995، وكان باراك وقتها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي. وكان الرجلان ضمن دائرة إبستين الاجتماعية، ويحتفظان بقناة اتصال غير رسمية منذ عام 2010 على الأقل.

في 22 أبريل/نيسان 2013، أرسل رود لارسن إلى باراك مقترحا لتشكيل فريق استشاري من "خبراء معترف بهم دوليا" لتسهيل الاستثمار الأجنبي في منغوليا، مع التركيز على ثرواتها المعدنية الضخمة. وبدأ إبستين في اختيار شركائه للانضمام إلى الفريق الاستشاري للمعهد في البلد الآسيوي. وفي سبتمبر/أيلول 2013، اقترح إبستين ضم لاري سامرز، الاقتصادي في جامعة هارفارد الذي خدم في إدارتي كلينتون وأوباما. وبعد ثلاثة أشهر، قدم المعهد اتفاقية "المجلس الاستشاري الرئاسي لمنغوليا" رسميا إلى السلطات هناك، لتشكيل لجنة خبراء لتقديم استشارات بشأن الإصلاحات المؤسسية الرامية إلى تعزيز "السلام والأمن العالميين".

جيفري إبستين مع جنود مجهولي الهوية في أفريقيا (كتاب عيد ميلاد جيفري إبستين)

في مايو/أيار 2014، بعد تذكير من إبستين، أرسل باراك إلى رود لارسن مذكرة عسكرية مفصلة تغطي أنشطة الاستخبارات العسكرية وخدمات الطوارئ وتشكيل قوة استجابة سريعة وطنية. وتضمنت المذكرة خطة لـ "تحديث قدرات الاستخبارات الإشارية (SIGINT) والاستخبارات البشرية (HUMINT) والاستخبارات البصرية (VISINT)، بما في ذلك المسيرات وأنظمة مراقبة شبكات الهاتف المحمول"، كما أوصت بشراء صواريخ مضادة للدبابات ومدفعية عالية الدقة ومنظومات دفاع جوي.

التفصيلة الأكثر دلالة هي أن المذكرة كانت تحمل الشعار الرسمي لإسرائيل فوق اسم باراك، وهو استخدام يتطلب بموجب القانون الإسرائيلي موافقة وزير الداخلية. لكن باراك لم يكن وقتها وزيرا أو مبعوثا حكوميا، وكان خارج الحكومة منذ أكثر من عام، ومع ذلك فإن وثيقة المقترح تحمل شعار الدولة الإسرائيلية، رغم أن قناة الإرسال ليست وزارة الخارجية، بل معهد سلام دولي، والمستلم رئيس دولة أجنبية. لا يوجد في السجل العام ما يثبت أن باراك كان يحمل تفويضا رسميا، لكن لا يوجد ما ينفي ذلك. الموثق فقط هو أن رجلا يحمل صفة "مستشار استراتيجي لبنك خاص" أرسل مقترحا استخباريا عسكريا على ورقة رسمية لدولة لم يعد يمثلها.

في سبتمبر/أيلول 2015، دعا إبستين باراك ورود لارسن والرئيس المنغولي ووزير الخارجية إلى عشاء في منزله بنيويورك. وبعد العشاء، أرسل وزير الخارجية المنغولي رسالة إلى باراك وزوجته يعبر فيها عن سعادته باللقاء وأنه يخطط لزيارة إسرائيل. وهنا يتقاطع المساران، ففي مايو/أيار 2016، تضمن عرض استثماري لشركة ريبورتي (كارباين لاحقا) خريطة توزيع جغرافي تحمل تعليقا بجانب منغوليا يقول: "منطقة جديدة قريبا"، وهو تعليق لا يرتبط بتطلعات التسويق للشركة، بل كان يستند إلى ثلاث سنوات من العمل الدؤوب كما رأينا، منذ زيارة باراك عام 2013، حتى العشاء في قصر إبستين مع الرئيس المنغولي ووزير خارجيته عام 2015.

مرة أخرى، كانت القناة الدبلوماسية غير الرسمية تمهد الطريق، وشركة المراقبة الإسرائيلية تنتظر خلفها. في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، التقى مسؤولو أمن إسرائيليون ومنغوليون في العاصمة أولان باتور، واتفقوا على التعاون في خدمات الطوارئ و"إدخال التقنية الإسرائيلية المتقدمة في خدمة الطوارئ المنغولية".

لقد تكررت تقريبا الدورة نفسها التي حدثت في ساحل العاج، لكن بطبقة إضافية من الغطاء المؤسسي. اتصال غير رسمي عبر إبستين، ثم هيكل استشاري يضم أسماء ثقيلة دوليا يعطي المشروع شرعية، ثم مقترح عسكري مفصل على ورق رسمي، ثم عشاء في منزل إبستين يجمع رئيس دولة بوزير دفاع سابق، ثم اتفاقية أمنية رسمية بين الحكومتين.

في نهاية المطاف، اضطر رود لارسن إلى الاستقالة من رئاسة المعهد عام 2020 بعد الكشف عن تلقيه قرضا شخصيا من إبستين عام 2013، وأعلن المعهد قبول استقالته لهذا السبب في بيان رسمي. ولكن الضرر كان قد وقع، وكان رود لارسن جزءا من آلية استخدمت سمعته الدبلوماسية غطاء لتصدير صناعة التجسس والمراقبة السيبرانية الإسرائيلية، من خلال قناة خلفية أدارها ببراعة جيفري إبستين الذي يبدو أن "صندوق أسراره الأسود" لا يزال حافلا بالمفاجآت، خاصة على صعيد علاقته مع إسرائيل التي يبدو أن ما نعرفه عنها ليس أكثر من قمة جبل جليدي عميق الجذور.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا