كيف كوّن جيفري إبستين ثروته الضخمة رغم أنه لم يُكمل دراسته الجامعية وبدأ حياته المهنية مدرسًا للرياضيات والفيزياء؟
القصة، كما تكشفها تحقيقات وتقارير حديثة، تتداخل فيها العلاقات، والمال، والاتهامات بالاحتيال، واستغلال النفوذ.
ينحدر إبستين من عائلة عاملة في كوني آيلاند بنيويورك. في بداياته، حالفه الحظ عبر شبكة معارف ساعدته في الحصول على وظيفة داخل بنك الاستثمار "بير ستيرنز"، حيث تعرّف عن قرب على عالم المال عالي المستوى. وبحلول عام 1980 أصبح شريكًا محدودًا في البنك. بعد خمس سنوات، غادر المؤسسة، لكنه استثمر علاقاته هناك كدليل على المصداقية والخبرة.
بعد خروجه من البنك، ظل اسم إبستين يتردد في الأوساط المالية، لكن طبيعة عمله بقيت غير واضحة. صحفيون ماليون وصفوه بأنه "شخص بلا أثر مهني واضح"، إذ لم يترك المسار التقليدي المعروف لرجال وول ستريت، رغم حضوره القوي في دوائر الأثرياء.
في أواخر الثمانينيات، عمل إبستين مع ستيفن هوفنبرغ، الرئيس التنفيذي لشركة "تاورز فايننشال"، التي تبيّن لاحقًا أنها تدير مخطط بونزي ضخمًا بقيمة 460 مليون دولار. هوفنبرغ قال في مقابلة وثائقية إن إبستين تولّى جانب "الأصول الوهمية" والتلاعب بالأوراق المالية.
عام 1993 انهار المخطط، وحُكم على هوفنبرغ بالسجن 20 عامًا، بينما لم تُوجَّه اتهامات رسمية لإبستين، ما ترك دوره الحقيقي وحجم مكاسبه المالية محل تساؤل.
الولايات المتحدة – واشنطن العاصمة 2025 | نشر وثائق تتعلق بالتحقيق في قضية جيفري إبستينصورة من: Jon Elswick/AP Photo/picture alliance
منعطف مهم في ثروة إبستين جاء بعد تعرّفه في منتصف الثمانينيات على رجل الأعمال ليز ويكسنر، مالك إمبراطورية تجزئة كبرى. قدّم إبستين نفسه كمستشار مالي، وبحلول 1991 أصبح يدير الشؤون المالية الشخصية لويكسنر.
التقرير أشار إلى أنه اشترى أصولًا مملوكة لويكسنر مثل طائرة خاصة ومنزل فاخر في نيويورك بأسعار منخفضة جدًا، كما اشترى عقارات لحساب ويكسنر ثم أعاد بيعها لنفسه بخصومات كبيرة.
ثقة ويكسنر في إبستين منحت الأخير مصداقية أمام أثرياء آخرين. استخدم ذلك لتوسيع شبكته، وبدأ يتقرب من شخصيات نافذة، ويذكر أسماء بارزة لكسب ثقة مزيد من العملاء.
رغم وجود شكاوى غير علنية عبر السنوات بشأن رسوم مبالغ فيها أو استغلال ، يبقى ويكسنر أبرز من اتهمه علنًا بالاستيلاء على أموال.
حتى بعد إدانته في 2008 كمسجل في جرائم جنسية، استمرت مؤسسات مالية في التعامل معه. احتفظ بحسابات في بنوك كبرى لسنوات. بعض هذه البنوك دفعت لاحقًا تسويات بملايين الدولارات لضحايا إبستين دون الإقرار بارتكاب مخالفات، بعد اتهامات بتسهيل معاملاته رغم وجود مؤشرات خطر.
عند اعتقاله في يوليو 2019 بتهم الاتجار الجنسي بقاصرات، ثم وفاته في السجن بعد أسابيع، أظهرت وثائق حصر التركة أصولًا تُقدّر بنحو 577 مليون دولار، تشمل نقدًا واستثمارات في صناديق تحوط وأسهمًا وعقارات في عدة دول. لكن الضرائب والرسوم القانونية والتسويات القضائية استنزفت جزءًا كبيرًا من هذه الثروة.
تحقيق صحفي موسّع خلص في نهاية 2025 إلى أن إبستين بنى ثروته عبر "الاحتيال والسرقة والتضليل”، وأنه لم يكن عبقريًا ماليًا بقدر ما كان بارعًا في التلاعب بالناس واستغلال الثقة والعلاقات لتحقيق المال والنفوذ.
المصدر:
DW