آخر الأخبار

هل تفجّر احتجاجات الحريديم أزمة جديدة في وجه نتنياهو؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تحوّلت الطرق قرب مدينة بيت شيمش في القدس المحتلة إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الجيش الإسرائيلي و الحريديم (اليهود المتدينين).. حواجز بشرية تغلق الشوارع، وأجساد المحتجين تمنع السيارات من المرور، في مشهد يعكس صراعا عميقا على هوية المجتمع الإسرائيلي.

هذه المواجهات ليست وليدة اللحظة أو مجرد احتجاجات على التجنيد الإجباري، بل صراع طويل الأمد يعود بين الحين والآخر للواجهة من جديد، بين مجتمع متدين يرى في الخدمة العسكرية تهديدا لطبيعة حياته الدينية، وإسرائيل التي تسعى لفرض القانون على الجميع.

احتجاجات سوداء

على منصات التواصل الاجتماعي انتشرت مقاطع فيديو، الاثنين، تُظهر الحريديم يرتدون الملابس التقليدية السوداء وهم يغلقون الطريق الرئيسي المؤدي إلى القدس والخارج منها.

هذه الاحتجاجات جاءت بعد أحداث واسعة شهدتها مدينة بني براك في القدس، ذات الغالبية الحريدية، الأحد، إثر وصول جنديتين إلى منزل أحد الشبان الحريديم المرشحين للتجنيد للقيام بزيارة تحضيرية قبل انضمامه للجيش.

ووفقا لمقاطع الفيديو المتداولة، قام الحريديم بقلب سيارة أثناء مطاردتهم الجنود، واستمروا في ملاحقتهم، قبل أن تتدخل الشرطة لتأمين سلامة الجنود وإبعادهم إلى مكان آمن.

وأسفرت الاحتجاجات عن اعتقال 26 حريديا على الأقل، لكن وفقا لتقارير قناة الـ12 الإسرائيلية، فقد تم الإفراج عن جميع المعتقلين ووضعهم تحت الإقامة الجبرية في منازلهم.

وفي 7 يناير/كانون الثاني 2026، شهدت القدس مظاهرة أكبر شارك فيها عشرات الآلاف من الحريديم احتجاجا على التجنيد الإجباري، دعا إليها عدد من الحاخامات البارزين، من بينهم موشيه تسيداكا، رئيس مدرسة "بورات يوسف" الدينية، أحد أبرز الأصوات المعارضة للتجنيد في الأوساط السفاردية (يهود ينحدرون من أصول إسبانية وبرتغالية).

ويشير هذا إلى أن هذه الاحتجاجات تقودها قيادات دينية كبيرة في المجتمع الحريدي، ما يعطيها قوة تنظيمية وقدرة على حشد آلاف المشاركين في موجة احتجاجية موحدة، ويُظهر مدى تأثير كبار الحاخامات في توجيه الرأي العام داخل المجتمع الحريدي.

إعلان

ويأتي ذلك في سياق استمرار الحريديم في احتجاجاتهم ضد التجنيد في الجيش الإسرائيلي عقب قرار المحكمة العليا في 25 يونيو/حزيران 2024، وإلزامهم بالتجنيد ومنع تقديم مساعدات مالية للمؤسسات الدينية التي يرفض طلابها الخدمة العسكرية.

الملف الحريدي

وبينما حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت، الأحد، مما وصفها بإقامة "دولة حريدية مستقلة"، داخل إسرائيل لا تخضع للقانون الإسرائيلي، مطالبا بـ"معالجة هذه المشكلة من جذورها الآن أو ستنفجر في وجوهنا جميعا".

وأضاف بينيت أن هذه "الدولة المستقلة" يتم تمويلها من بقية السكان الإسرائيليين، من خلال أموال الضرائب التي تُستخدم لدعم التهرّب من التجنيد، ودعم دور الحضانة، وتخفيضات ضريبة الأملاك، وغيرها.

وأكد أن الوضع مرتبط بسياسات رئيس الحكومة الحالي بنيامين نتنياهو، الذي يعتمد، بحسبه، على زعيمي الحزبين الحريديين " شاس" و" يهودوت هتوراه"، مما يجعله ضعيفا ومستسلما لهم في كل منعطف سياسي، رغم أن وزراء الحكومة يعلمون أن قانون الإعفاء لن يجنّد حريديا واحدا.

وعلى النقيض، يُظهر نتنياهو نهجا مختلفا، إذ تركّزت تصريحاته على تعويم الملف وتخفيف حدته إعلاميا والسيطرة على الرأي العام، واعتبر ما وصفها بـ"أعمال الشغب العنيفة" صدرت عن "أقلية متطرفة لا تمثل مجتمع الحريديم ككل".

وتابع البيان الصادر عن مكتب نتنياهو: "هذا عمل خطير وغير مقبول. لن نسمح بالفوضى، ولن نتسامح مع أي اعتداء على أفراد الجيش الإسرائيلي وقوات الأمن الذين يؤدون مهمتهم بتفانٍ وإخلاص".

ويُمثل الحاخام الحريدي والقوى السياسية التابعة لهم عنصرا حاسما في ملف التجنيد، إذ هددوا نتنياهو في ديسمبر/كانون الأول بدعم حل الكنيست (البرلمان) والذهاب لانتخابات مبكرة، ما لم يسرّع وتيرة النقاش حول مشروع قانون يعفيهم من التجنيد.

وسبق أن هدد حزبا شاس (11 نائبا) ويهدوت هتوراه (7 نواب)، بإسقاط الحكومة إذا لم يتم تمرير قانون التجنيد، مما قد يؤدي لانتخابات مبكرة، بينما تنتهي ولاية الكنيست الحالي في أكتوبر/تشرين الأول 2026، ويملك الائتلاف الحكومي بما فيه الحريديم 68 مقعدا في الكنيست من أصل 120 ويحتاج إلى 61 مقعدا على الأقل للاستمرار في السلطة.

مصدر الصورة نحو 157 ألفا من الحريديم يتهربون من الخدمة العسكرية النظامية وقوات الاحتياط (الجزيرة)

جذور الصراع

وتعود جذور التوتر إلى السنوات الأولى لقيام "إسرائيل"، حين قررت النخب احتواء المجتمع الحريدي لصالح إسرائيل، عبر ترتيب يضمن هوية جامعة.

ففي عام 1948، وافق دافيد بن غوريون -أول رئيس وزراء لإسرائيل- بناء على طلب حزب "أغودات يسرائيل" إعفاء عدد محدود من طلاب اليشيفوت من التجنيد، باعتبار أن نمط الحياة الحريدي القائم على مركزية الدراسة الدينية والفصل الاجتماعي يتعارض مع الجيش بوصفه مؤسسة تنتج هوية إسرائيلية حديثة.

ومنذ ذلك الوقت تحوّل الاستثناء إلى قاعدة وإطار بينوي توسّع إلى امتيازات وإعفاءات واستقلال ديني وتعليمي ودعم سياسي مباشر وغير مباشر، ومشاركة انتقائية في النظام السياسي، مقابل القبول بإسرائيل كأمر واقع.

إعلان

ويشكّل الحريديم نحو 13% من سكان إسرائيل البالغ عددهم 10 ملايين نسمة، ويرفضون الخدمة العسكرية بدعوى تكريس حياتهم لدراسة التوراة، مؤكدين أن الاندماج في المجتمع العلماني يشكّل تهديدا لهويتهم الدينية واستمرارية مجتمعهم.

واليوم، الوضع لم يعد قابلا للاستقرار، حيث كان الحريديم كتلة أصغر، بل أصبح محل نقاش تحت عوامل ضغط عدة، منها الضغط القضائي المتصاعد والذي يطالب بسند تشريعي منسجم مع مبدأ المواطنة، والتنامي الديموغرافي داخل إسرائيل والنفوذ السياسي الكبير بفضل موقع الحريديم داخل الكنيست.

وعلى الرغم من ذلك، تمكّنت إسرائيل من دمج بعض الحريديم في الخدمة العسكرية خلال تسعينيات القرن الماضي، إذ أسست وحدة عسكرية خاصة بهم، كما انخرطوا في مختلف المجالات العسكرية والأمنية، بما في ذلك جهاز المخابرات.

في عام 2017 أصدرت المحكمة العليا في إسرائيل قرارا بإلغاء إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، وأمرت الحكومة بإيجاد حل ووضع قانون لذلك، وأمهلتها إلى 30 مارس/آذار 2024.

لكن الحكومة طلبت تمديد المهلة حتى 30 أبريل/نيسان، وهو الوضع الذي فجّر الأوضاع داخل إسرائيل، خاصة أن هناك قادة حريديين هددوا بمغادرة إسرائيل في حالة سن قانون يجبرهم على الخدمة العسكرية، ومنذ ذلك الوقت بدأت الأزمة تتصاعد لتشكّل واحدة من أكبر الملفات التي تهز إسرائيل.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا