كابُل- لم تكن الطفلة الأفغانية، التي لم يتجاوز عمرها شهرين حين خرجت من بين الأنقاض، تعلم أن حياتها ستتحول إلى واحدة من أكثر القضايا القانونية والإنسانية تعقيدا في تاريخ الحرب الأمريكية في أفغانستان، قضية بدأت بضربة جوية، ومرّت بمحاكم محلية وفدرالية، وانتهت -حتى الآن- بطفلة تعيش في الولايات المتحدة، في حين تقف عائلة أفغانية عاجزة عن استعادتها.
وفي سبتمبر/أيلول 2019، شنّت القوات الأمريكية والأفغانية السابقة، غارة على قرية ريفية شرقي أفغانستان، قال المسؤولون إنها استهدفت "إرهابيين أجانب"، وبعد القصف، عُثر على طفلة رضيعة بين الأنقاض، وقد قُتل والداها وعدد من أشقائها، وأصيبت هي بحروق وكسور خطِرة.
ونُقلت الطفلة إلى مستشفى قاعدة بغرام الجوية، حيث تلقّت العلاج لأسابيع، وتحوّلت من ناجية مجهولة الهوية إلى محور نقاش داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، وشكّك بعض الجنود في هويتها، وتساءلوا عن إمكانية نقلها إلى أمريكا.
وقال مترجم أفغاني عمل مع القوات الأمريكية في قاعدة بغرام -لم يكشف هويته- "بعد انتهاء المرحلة الحرجة من علاج الطفلة، تبيّن للسلطات الأمريكية أنها أفغانية الجنسية، وأن عمّها كان يسعى لتولي رعايتها".
وأضاف للجزيرة نت "ما إن علمت الحكومة الأفغانية السابقة بقصتها، حتى طالبت رسميا بتسليمها إلى أسرتها، وأن كلا من الحكومة الأفغانية والعائلة لم تكونا تعلمان بأن جنديا أمريكيا كان قد تقدّم، في موازاة ذلك، بطلب حضانة أمام محكمة أمريكية تمهيدا لتبنّيها".
وعقدت السفارة الأمريكية في كابُل اجتماعا مع أعضاء من القوات الأمريكية والحكومة الأفغانية في أكتوبر/تشرين الأول 2019، واتفق الطرفان على إعادة الطفلة إلى عائلتها وفق الوثائق الموجودة و القانون الدولي.
وعندما وصلت القصة إلى مايك بومبيو، وزير الخارجية في عهد الإدارة الأولى ل دونالد ترمب، وفي رسالة وقّعها في 25 فبراير/شباط 2020، وصف أوامر الحضانة الصادرة عن محكمة أمريكية بأنها "غير مكتملة".
وجاء في البرقية أن أي تأخير إضافي في نقل الطفلة يمكن اعتباره "احتجاز حكومة الولايات المتحدة لطفل أفغاني ضد رغبة عائلته والحكومة الأفغانية".
وكان من بين الحاضرين في الاجتماع جوشوا ماست، حيث كان حينها في مهمة قصيرة في أفغانستان كمحام عسكري، وصمّم على أن تغادر الطفلة إلى أمريكا، وقد اتصل بعائلته وتحدّث معهم عن الطفلة.
وأعلن القاضي أن الطفل "عديم الجنسية" واستند في حكمه إلى ادعاء ماست بأن والدي الطفل إرهابيان بدويان، وأن الحكومة الأفغانية ستتخلى عن ولايتها القضائية عليه في غضون أيام، وهو ما لم تفعله الأخيرة.
ومع ذلك، لم تعتبر العائلة حضانة الطفل كافية، وقدمت في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2019 التماس تبنٍّ طارئ للمحكمة المحلية في فلوفانا، ومنح القاضي عائلة ماست التبنّي المؤقت وأمر إدارة الإحصاءات في ولاية فرجينيا بإصدار شهادة ميلاد جديدة وتسجيلها كابنة لعائلة ماست.
وصدر حكم القاضي في الوقت الذي كان فيه المسؤولون الأمريكيون في أفغانستان يبحثون عن عائلة الطفل، وعلموا -في الوقت نفسه تقريبا- بالعثور على رجل يدّعي أنه عمّ الطفل.
وقال مترجم عمل مع السفارة الأمريكية في كابُل -فضّل عدم كشف اسمه- "والد الطفلة كان مزارعا محليا لا صلة له بأي نشاط مسلح، وإنه قُتل مع زوجته و5 من أطفاله في الغارة".
كما أن الحكومة الأفغانية السابقة -حسب حديث المترجم للجزيرة نت- "فتحت تحقيقا في ملابسات الحادثة، وانتهت لتأكيد هوية الطفلة الأفغانية وصحة رواية عائلتها، وهو ما أقرّ به مسؤولون أمريكيون آنذاك. وعلى إثر ذلك، سُلّمت الطفلة إلى عمّها بوصفها فردا من أسرته، فتكفّل بها وأودعها لدى ابنه وزوجته، اللذين عاشا معها، وبنيا معها رابطة أبوّة مكتملة الأركان".
لكن في الجانب الآخر من العالم، لم يتوقف المسار القانوني الأمريكي، ففي ديسمبر/كانون الأول 2020، أصدر القاضي المحلي نفسه قرار تبنّ نهائيا، متجاهلا رفض محكمة فدرالية سابقة لطلبات ماست، ومتجاوزا اعتراضات وزارة الخارجية الأمريكية.
وكتب القاضي أن الطفلة "يتيمة وعديمة الجنسية"، رغم وجود وثائق رسمية تثبت العكس، وفي صيف 2021، ومع الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، دخلت القضية مرحلة أخطر، حيث تواصل جوشوا ماست مباشرة مع الزوجين الأفغانيين، مستخدما مترجما، وعرض عليهما إخراجهم من البلاد ضمن عمليات الإجلاء، ولم يُبلَّغ الزوجان بأن هناك حكما أمريكيا يمنح التبنّي لعائلة ماست.
وتم نقل الأسرة إلى ألمانيا، وهناك التقت الطفلة لأول مرة بالضابط الأمريكي. ولاحقا، نُقلت إلى قاعدة فورت بيكيت في فرجينيا، حيث انتُزعت الطفلة من الأسرة الأفغانية التي ربّتها، في مشهد وصفه محامو الأسرة بالاختطاف القسري.
من جهته، قال أستاذ القانون الدولي في جامعة كابُل، الدكتور عبد القادر أمين إن اعتبار الطفلة عديمة الجنسية وإصدار تبنٍّ أمريكي دون موافقة الدولة الأصلية ينتهك سيادة أفغانستان ويخرق القانون الدولي، "وهذه حالة نادرة، لكنها تعكس ضعف الضوابط القانونية في الحروب الحديثة".
وأضاف للجزيرة نت "النية الإنسانية لا تكفي، والقانون موجود لمنع استغلال هشاشة الأطفال والدول الخارجة من نزاع، ولا يمكن لقاضٍ محلي في بلد أجنبي أن يتجاوز دولة ذات سيادة وأسرة كاملة بحجة التعاطف، فهذا يخلق سوابق خطِرة على المستوى الدولي".
وفي عام 2022، أعيد فتح الملف أمام قاضٍ جديد، يدعى كلود ووريل، وركّز على أن أفغانستان لم تتنازل يوما عن ولايتها القانونية على الطفلة، وفي مارس/آذار 2023، أبطل التبنّي، وأكد أن الإجراءات السابقة انتهكت قواعد الاختصاص والسيادة، وأيّدت محكمة الاستئناف الحكم، ولا يزال الملف أمام المحكمة العليا في فرجينيا دون قرار نهائي.
واليوم، تبلغ الطفلة 6 سنوات، وتعيش مع عائلة الجندي الأمريكي منذ 4 سنوات، في حين لم تر الأسرة الأفغانية منذ ذلك اليوم.
وأوضح الأكاديمي عبد القادر أمين أن القضية "ليست من أحب الطفلة أكثر، بل من يملك الحق القانوني والأخلاقي في تقرير مصيرها، فالقضية تُظهر الفجوة بين المبادئ الإنسانية والقوانين الدولية، وتضع الأطفال في قلب الصراعات التي لم يختاروا المشاركة فيها".
والمسألة الأساسية ليست النسب البيولوجي، قال الكاتب والمحلل السياسي، نجيب الكوزي، الذي راقب سير المحكمة، وأضاف للجزيرة نت "بل السيادة القانونية، فأفغانستان تعتبر الطفلة مواطنة لها، وبالتالي لا يحق لمحكمة أمريكية تبنيها دون موافقتها".
ووصلت القضية إلى المحكمة العليا في فرجينيا في فبراير/شباط 2026، والتي أصدرت -الخميس الماضي- حكما يقضي بأن يحتفظ جندي من مشاة البحرية الأمريكية وزوجته بطفلة أفغانية يتيمة أحضراها إلى الوطن في تحدٍّ لقرار الحكومة الأمريكية بضمّها إلى عائلتها الأفغانية. في حين لا تزال العائلة الأفغانية تنتظر حكم إعادة الطفلة إلى حضنها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة