تبدأ أفلام التجسس، غالبا، بتجنيد مباشر وسريع -بوعي أو من دون وعي- ومن ثم ينتقل الفيلم إلى مهمات الجاسوس وخياناته والمطاردات والمعارك، لكن عملية "التجنيد" وأسلوب الأجهزة الاستخباراتية في الالتفاف حول الشخص وإغرائه أو ابتزازه أو تخويفه، تعد مجرد خلفية للأحداث، أو ما يسمى تاريخ ما قبل الفيلم.
يقدم فيلم "ساعي البريد" (The Courier) عام 2020، للمخرج والكاتب البريطاني دومينيك كوك، تلك العملية بهدوء واضعا التجنيد في قلب القصة.
لا يعتمد كوك على مشاهد الحركة (Action) الجذابة دائما، أو الحركات الإعجازية للجاسوس أو جهاز المخابرات التي تتميز بالذكاء الخارق أو القدرات التي لا تصدق، لكنه يتابع خطوة بخطوة ذلك التحول الهائل لشخص قد يكون عاديا جدا إلى خائن.
وقد عمل كوك في المسرح قبل أن ينتقل إلى السينما والتلفزيون، ويشتهر بسرده الهادئ الذي يميل لإبراز شخصيات العمل.
أخرج أعمالا بارزة مثل "على شاطئ تشيسيل" (On Chesil Beach) عام 2017، المقتبس من رواية إيان ماكيوان، حيث قدم سردا دراميا دقيقا عن علاقة زوجين شابين في بريطانيا ما بعد الحرب.
وقدم أيضا "كيف أعيش الآن" (How I Live Now) عام 2013. يتميز كوك بحساسية تجاه العلاقات الإنسانية والتفاصيل النفسية، مما جعل انتقاله إلى سرد قصة تجسس هادئة مثل "ساعي البريد" امتدادا منطقيا لاهتمامه بالشخصيات وتوترها الداخلي.
تدور أحداث "ساعي البريد" حول غريفيل وين، الذي يجسد دوره بنديكت كومبرباتش، وهو لم يتدرب ليصبح عميلا، ولم تدفعه أيديولوجية ولا يبحث عن المغامرة. هو مجرد رجل أعمال بريطاني، يعيش حياة مملة، ويتلخص عالمه في الصفقات والولائم.
يجد وين نفسه فجأة داخل أخطر لعبة سياسية في القرن العشرين، وذلك حين تقوم الاستخبارات البريطانية والأمريكية بتجنيده ليكون قناة سرية لنقل الرسائل والمعلومات بين الغرب وضابط سوفيتي رفيع هو أوليغ بينكوفسكي.
ولأنه ليس جاسوسا محترفا، بل مجرد مدني اختير تحديدا لأنه يبدو "غير مرئي" وسط العالم التجاري، فإن مهمته تتحول سريعا إلى عبء حين يبدأ السفر المتكرر إلى موسكو والاجتماعات السرية تحت رقابة جهاز المخابرات السوفيتي.
وبعد أن كان يعيش حياة عائلية مستقرة، يبدأ الفيلم في إظهار كيف يتحول التجسس إلى شرخ داخل حياته الشخصية، فالسفر المتكرر والسرية يضعان بينه وبين زوجته حالة غموض، ويجعلانه يعيش بوجهين، أحدهما يحاول أن يبدو طبيعيا في بيته، والآخر غارق في الخوف والترقب.
يتم كشف الشبكة ويجد الرجل العادي نفسه في مواجهة آلة أمنية كاملة، لتتحول قصة التجسس هنا من مغامرة إلى مأساة شخصية عن الخوف والاختيار والثمن الذي يدفعه من يمر التاريخ عبر يده.
تبدأ عملية التجنيد في فيلم "ساعي البريد" طبقا لمبدأ معروف، وهو أن أفضل جاسوس هو من لا يمكن أن تتوقع أنه يصلح جاسوسا.
وتؤكد المشاهد الأولى للفيلم على هذا. يتقرب ضابط الاستخبارات من وين تدريجيا، بحذر. لا توجد لحظة درامية من نوع ممارسة الضغوط أو التهديد، فقط لغة إقناع ناعمة.
لا تجند أجهزة الاستخبارات وين بوعده بالمجد، بل بتأطير المهمة على أنها مؤقتة، قابلة للإدارة، تكاد تكون بيروقراطية، لكنه دور "ساعي بريد" بسيط، ينقل الرسائل بين الغرب ومصدر سوفيتي. هكذا تنصب الفخاخ دائما.
قدم الممثل بنيدكت كامبرباتش شخصية وين ببراعة جسدية، وبدا كأنه يتضاءل مع تقدم الأحداث، ونقلت إيماءاته العصبية وهدوؤه المصطنع التوتر دون حاجة للحوار.
أما الممثل ميراب نينيدز، في دور بينكوفسكي، فأضفى على الفيلم ثقلا قيميا بهدوء واتزان، واستسلام للعواقب.
تجنب المؤلف توم أوكونور والمخرج دومينيك كوك الميلودراما في النصين المكتوب والبصري، كما تجنبها الممثلان الرئيسيان. فقد بدا في نهاية العمل أن الرجلين عالقان في الفخ نفسه، ولكن كل منهما يقف في جانب منه.
وسط زحام أفلام الجاسوسية وتيار جيمس بوند الجارف بما فيه من معارك، وصحب، ومبالغات، يتمسك المخرج دومينيك كوك بالواقعية، مع بث تفاصيل الصراع والانفعال بحسابات دقيقة.
تستعرض الكاميرا غرف الفنادق والممرات الضيقة والإضاءة المعتمة، التي بدت وكأنها تتآمر مع الوجوه لإخفائها.
ورغم ذلك، فإن بداية المهام الجاسوسية جاءت كإشارة لظهور الأبواب المغلقة والممرات الضيقة والشعور الدائم بالمراقبة والخوف من الفضح، والحذر المبالغ فيه، وظهر ذلك جليا في موسكو التي بدت في العمل كما لو كانت فضاء يضيق على من فيه، يلتحف بالرمادي البارد والأزرق الباهت.
ويعد "ساعي البريد" من الأفلام النادرة التي تنتمي لعالم الجاسوسية، والتي يكون الإيقاع فيها بطيئا بهذا الشكل، لكنه لعب بهذا البطء دورا كبيرا في تشكيل ملامح الشعور بالقلق.
بدت الانتقالات بين لندن وموسكو أشبه بمحطات للتحول العاطفي، فكل عودة تحمل ثقلا أكبر، وكل رحيل يثير رعبا أعمق. وقد صنعت الموسيقى التصويرية غلافا رقيقا حول السرد يدعمه ويمنحه قدرا من الخفة وسط ثقل المشاعر والقلق.
لم يقاوم "ساعي البريد" المبالغة المنتشرة في أفلام الجاسوسية فقط، لكنه أضفى سمة إنسانية على بطليه ونسج ما يشبه العلاقة الإنسانية بينهما، وبدلا من الإثارة والعنف والحركة في الفيلم، قدم التجسس باعتباره جزءا من عمل بيروقراطي، وخوف وانتظار، وضعف إنساني واضح لدى الطرفين.
ولعل المبرر الأهم في تلك اللحظة، تاريخيا، هو خطورتها، إذ كان الخلاف والنقطة المقنعة للبطل كي يصبح جاسوسا هي أزمة الصواريخ النووية عام 1962، والتي كادت تفجر حربا نووية حقيقية، وبالتالي كان الخوف هو السوار الذي جمع الكبار والصغار معا مما يمكن أن تسفر عنه.
يبرر الفيلم بقاءه في الذاكرة بالحساسية المختلفة والزاوية الإنسانية التي عالج بها عملية التجنيد، وذلك الذكاء الذي مكنه من تصوير مهمة الجاسوس باعتبارها مهمة لإنقاذ العالم، وهو مبرر كاف تماما ليقع أي شخص تحت تأثيره.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة