على غير المتوقع، تحول الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو في نظر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، من "زعيم للمخدرات" إلى ضيف مرحب به، هو وفريقه في المكتب البيضاوي في واشنطن الأسبوع الماضي.
وقد جرى اللقاء دون أية إهانات تذكر من الرئيس الأمريكي، الذي عودنا على توجيهها لأغلب ضيوفه.
ويبدو أن أجواء اللقاء الودية أطفأت حماس وسائل الإعلام اليميني الكولومبي، المتعطش لتسديد ألذع الانتقادات للرئيس بيترو وتقزيمه بشكل ممنهج، في الأيام القليلة التي تفصل البلاد عن الانتخابات التشريعية، وعلى بعد أشهر معدودة عن الرئاسية.
ونظرا لأن الصدى الذي أثاره الاجتماع كان مفاجئا، بداية من التغطية الإعلامية الإيجابية للبيت الأبيض، فإن اهتمام ترسانات الإعلام اليميني الكولومبي كان باهتا وحريصا على وأد أي زخم يخدم صورة الرئيس بيترو وحلفائه من المرشحين لانتخابات البرلمان، ومجلس الشيوخ في 8 مارس/آذار المقبل، وللرئاسة في 31 مايو/أيار القادم أيضا.
ولهذه الأسباب وغيرها، لم يحظَ الاجتماع بما يستحقه باهتمام إعلامي، حتى في وسائل الإعلام الدولية، فضلا عن أنه تم بعيدا عن الكاميرات، ودام ساعتين وفق قول السفير الكولومبي في واشنطن، والذي كان حاضرا إلى جانب الرئيس بيترو ووزيرة الخارجية ووزير الدفاع.
تحول مفاجئ
ويذهب الرأي الذي يعتبر الرئيس بيترو، الفائز الحقيقي من اللقاء مع نظيره الأمريكي في مكتبه البيضاوي، إلى التحول الجذري والمفاجئ في تعامل ترمب مع ضيفه، بعد أن تصدرت معاركهما الكلامية المشهد السياسي منذ تولي ترمب ولايته الثانية في يناير/كانون الثاني 2025. حيث سجلت هذه المعارك محطات فارقة تداولتها وسائل الإعلام العالمية، لما فيها من شجاعة وتحدٍ من الرئيس بيترو، وتعالٍ واستخفاف من الرئيس ترمب به.
وتمثلت المحطة الأولى، في إقدام الرئيس الكولومبي على رفض هبوط طائرة أمريكية في مطار بوغوتا، كانت تقل مهاجرين غير نظاميين كولومبيين، عندما أمر الرئيس الأمريكي في أسبوع رئاسته الأول، وقتها، بترحيل عدد من هؤلاء المهاجرين من مختلف الجنسيات اللاتينية، على مراحل، وتم شحنهم كالسلع في طائرات عسكرية، مقيدين بالسلاسل وفي ظروف غير آدمية.
ورغم امتعاض عدد من زعماء المنطقة، فإن الرئيس الكولومبي كان هو الوحيد الذي أمر بعودة الطائرة، طالبا من الجانب الأمريكي احترام مواطنيه.
وتسبب ذلك الموقف في اندلاع أزمة دبلوماسية بين البلدين، وسحب التأشيرة الأمريكية من الرئيس بيترو وعدد من أعضاء حكومته، وسلسلة أخرى من العقوبات شملت التلويح برفع الرسوم الجمركية على الواردات الكولومبية إلى حدود 50%.
أما المحطة الثانية، فكانت خطاب الرئيس الكولومبي في الدورة 80 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي، حيث وجه فيه أصابع الاتهام رأسا لنتنياهو وترمب، واعتبرهما المسؤولين الرئيسيين عن جرائم الإبادة في حق الشعب الفلسطيني.
ولم يكتفِ بذلك بل إنه خرج للمشاركة في الفعاليات الموازية للحدث في شوارع نيويورك، وانضم للمظاهرات المناصرة للفلسطينيين، ودعا خلالها شرطة العاصمة لعصيان أوامر ترمب، واصفا إياه بالطاغية!
ولا تختلف المحطة الثالثة عن سابقاتها، حيث كان موقف بيترو من اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته هو الأكثر جرأة، بشكل جعل الرئيس ترمب في أحد تصريحاته الشهيرة، يهدده على المباشر، وينصحه بالاستعداد لنفس المصير؛ لأنه سيكون الهدف القادم.
ومع كل محطة من المحطات المذكورة، كانت المعارضة الكولومبية تنتشي بهذا الصدام مختل القوى، بين الرئيسين، لتغذية خطاب الترهيب من الغضب الأمريكي وحرمان كولومبيا من دعم أقوى وأعرق حليف لها، وإقناع الناخبين بأن بيترو لا يعدو أن يكون سوى زعيم من ورق، غارق في بطولاته الوهمية وغير عابئ بكلفتها السياسية والاقتصادية على بلده.
وهو خطاب كانت قد اعتمدته المعارضة، منذ بداية "طوفان الأقصى" واصطفاف الرئيس الكولومبي اللامشروط مع الفلسطينيين، على عكس هوى أغلب الرأي العام في بلد ينعت بـ"إسرائيل أمريكا اللاتينية".
كانت تصريحات ترمب على إثر الاجتماع مفاجئة، حيث وصف ضيفه بـ"الرائع" وقال إنه كان لديه انطباع مغاير جدا عنه، وأهداه كتابه "فن الصفقة" بتوقيع منه "أنت عظيم"
وإلى حدود انعقاد الاجتماع بأيام قليلة، ارتفعت نبرة خطاب المعارضة في شيطنة الرئيس بيترو، وكانت رهاناتها على فشل الاجتماع واضحة، بشكل يضمن الخروج بصورة تسخر من الرجل وتحمله مسؤولية "العبث" بمصالح كولومبيا، فقط من أجل إرضاء ثقته بنفسه واللهاث وراء أحلامه بحوار "الند للند" كما ردد يوما في إحدى تغريداته الموجهة إلى ترمب.
تصريحات غير معتادة
لكن قرار وزارة العدل الأمريكية رفع السرية عن ملايين الوثائق في قضية جيفري إبستين، والزلزال السياسي والإعلامي الذي خلفته الأخبار والأسماء الجديدة في القضية، قبل يوم واحد من لقاء الرئيس ترمب بضيفه الكولومبي في البيت الأبيض، ربما ألقى بظلاله على اللقاء بين الرجلين ليخرج على صورة غير متوقعة من جانب الرئيس الأمريكي – الذي باغتته ملفات إبستين- وفي أجواء متوشحة بالود لعلها لم تدر بخلد الرئيس ترمب نفسه الذي بدا فيها على غير المألوف من طباعه في مثل هذه المواقف.
وبالفعل، وعلى عكس ما تعودناه من الرئيس ترمب وإدارته في التفنن في "تقزيم" ضيوفه من الرؤساء، على اختلاف أوزانهم، ونقل الاجتماعات على الهواء ومنح الصحفيين طرح أسئلة مهينة ومحرجة للضيف، توحي أحيانا بأنها مبرمجة، فإن الاجتماع بالرئيس بيترو كان ضيقا، وبعيدا عن أعين الصحافة.
بالإضافة إلى ذلك، كانت تصريحات ترمب على إثر الاجتماع مفاجئة، حيث وصف ضيفه بـ"الرائع" وقال إنه كان لديه انطباع مغاير جدا عنه، وأهداه كتابه "فن الصفقة" بتوقيع منه "أنت عظيم".
كما أن موقع البيت الأبيض نشر صورتين للقاء، بدا فيهما الرئيسان على نفس الحد من الحضور والثقة بالنفس. ومن جانبه، لم يخفِ بيترو غبطته بإيجابية اللقاء ونجاعته من حيث ما أفاد به مضيفه عن الملفات التي تستحق الدراسة بين البلدين، وأجمع أنصاره على أن اليمين الكولومبي كان متعطشا لصورة "بيترو راكعا" أو منهزما وجاهزا لارتداء الزي البرتقالي، بعد مادورو.
لقد مثل الاتفاق على توقيت الاجتماع مغامرة من الرئيس الكولومبي في رفع شعبيته أو التسبب في انهيارها، على بعد أيام قليلة من الانتخابات التشريعية، كيف لا والرجل يدخل أعزل على الرئيس الأمريكي ترمب ووزير خارجيته المتربصين بكولومبيا، التي طوت 200 سنة من حكم اليمين على يدي هذا الرئيس اليساري، وها هي استطلاعات الرأي توحي بانتصار تحالفه في الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة، إن لم تتدخل الأيادي الخارجية.
لكن السؤال المشروع في هذا المستوى، يطرح نفسه: هل كان موعد الاجتماع، مقصودا من الجانب الأمريكي لتقديم هدية لليمين الكولومبي، في العبث بصورة الرئيس بيترو وضمان هزيمة تحالفه؟ إم أن الأمر كان صدفة، وما أندر الصدف في السياسة؟
ومهما يكن، فربما من المرجح أن مستجدات قضية إبستين أربكت الحسابات وجاءت بالرئيس ترمب منهكا ووديعا، فخرج بيترو منتصرا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة