في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بغداد- يبدو أن أزمة سياسية جديدة بدأت ملامحها داخل الإطار التنسيقي الشيعي في العراق بُعيد تصريحات لافتة أدلى بها رئيس الوزراء الأسبق المرشح لهذا المنصب مجددا نوري المالكي، شددت على حصر السلاح بيد الدولة، مما أثار تعليقات غاضبة من قيادات وكتل سياسية داخل تحالف الإطار.
وقال المالكي خلال رده على أسئلة الصحفيين عبر نافذة التواصل مع وسائل الإعلام "إن الشعب العراقي عانى طويلا من الحروب والعنف، ويستحق اليوم أن يعيش بأمان وكرامة"، وأكد "ضرورة بسط سلطة القانون وحصر السلاح بيد الدولة، ووجود جيش واحد يضم أبناء جميع مكونات الشعب، تحت قيادة القائد العام للقوات المسلحة"، وأن ذلك "يمثل الأساس لبناء دولة مستقرة".
وفُهمت هذه التصريحات لدى بعض الأوساط السياسية الشيعية على أنها محاولة منه للتماهي مع مطالب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي سبق أن رفض، في أواخر يناير/كانون الثاني الماضي، في منشور له على منصته تروث سوشال ترشيح نوري المالكي لولاية جديدة من رئاسة الوزراء، مهددا بتبعات سياسية واقتصادية على العراق.
وكان تحالف الإطار التنسيقي، المظلة الجامعة للقوى السياسية الشيعية، قد أعلن في 24 من الشهر نفسه ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء مجددا بعد أن كان قد شغل المنصب لدورتين متتاليتين بين عامي 2006 و2014، وشهدت الأشهر الأخيرة لولايته الثانية سيطرة مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية على مساحات واسعة من البلاد شملت محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار وأجزاء من ديالى وبغداد وبابل وكركوك.
ورغم خطوة الإطار، فإن الترشيح لم يكن بالإجماع داخله، إذ رفضت ذلك عصائب أهل الحق وكتلة النصر وتيار الحكمة وتيارات سياسية أخرى.
وتتابعت الردود على تصريح المالكي بشأن حصر السلاح في يد الدولة ضمن ما وصفه مراقبون بحرب إعلامية، إذ قال النائب بالبرلمان نعيم العبودي عن تحالف "صادقون" في منشور له على منصة " إكس"، "إن الموقف من الحشد الشعبي يُعتبر صورة صادقة ومعيارا لحظوظ المرشح لرئاسة الوزراء، ونتيجة حتمية مسبقة تقول: لن يكون هناك رئيس للوزراء ما لم يكن داعما لبقاء الحشد".
كما أعاد زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي -الذي كان مناوئا لترشيح المالكي- نشر ما كان قد نشره سابقا حين إقرار قانون الحشد الشعبي، ونصه "حشد دائم حتى ظهور القائم".
ويرى الباحث السياسي مجاشع التميمي أن تصريحات المالكي لا تُعد تفصيلا عابرا، بل تموضعا سياسيا محسوبا. وقال للجزيرة نت إنها تُعتبر محاولة لإعادة تقديم نفسه بأنه رجل دولة يتبنى خطاب السيادة والمؤسسات في لحظة احتدام النقاش داخل الإطار التنسيقي حول شكل المرحلة المقبلة، لافتا إلى أن رد الخزعلي يعكس أن جزءا من الإطار قرأ التصريح على أنه إشارة إلى إعادة ضبط معادلة السلاح، لا مجرد تنظيم إداري له.
من جانبه، أشار الباحث السياسي علي فضل الله إلى أن المالكي كان قد أكد في أكثر من مناسبة على أهمية وجود الحشد بوصفه مؤسسة أمنية عقائدية مستقلة تابعة للقائد العام للقوات المسلحة، ينبغي لساسة البلاد دعمها.
ولفت فضل الله -في حديث للجزيرة نت- إلى أن التأويلات التي فُسرت على أن المالكي ذاهب باتجاه حل الحشد إما نابعة من سوء فهم للتصريح، أو وجود نيات وصفها بأنها "سيئة" ضمن حرب إعلامية للتقليل من شأنه أمام الشارع الشيعي.
أما عضو ائتلاف دولة القانون زهير الجلبي فقد أكد في تصريح صحفي أن ترشيح المالكي يمثل تحديا، وأن أي تنازل للإطار بعد فيتو ترمب قد يفتح المجال لتدخلات خارجية جديدة دولية وإقليمية، وكان يمكن للرفض الأمريكي أن يكون مبطنا وليس في وسائل الإعلام، لكن إعلانه أدى إلى تحول الترشيح إلى تحدٍّ للإطار ذاته.
وبُعيد تصريحات المالكي، نشر الموقع الرسمي للسفارة الأمريكية ببغداد حديثا للقائم بالأعمال الأمريكي في العراق جوشوا هاريس جدد فيه تأكيده على "استعداد واشنطن لاستخدام كامل نطاق الأدوات المتاحة لمواجهة الأنشطة الإيرانية المزعزعة للاستقرار في العراق".
وشدد هاريس على أن أي حكومة ينبغي أن تبقى مستقلة كليا ومركزة على تعزيز المصالح الوطنية لجميع العراقيين، الأمر الذي فُهم في العراق على أنه تأكيد أمريكي على رفض ترشيح المالكي.
من جهته، يرى منقذ داغر مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة كالوب للأبحاث -ومقرها واشنطن- أن تصريحات المالكي تؤكد إصراره على توليه المنصب رغم أن فرصته تكاد تكون مستحيلة الآن، خاصة بعد إبلاغ واشنطن عدة أطراف عراقية أنها لن تتعامل مع أي حكومة يقودها.
وفي حديثه للجزيرة نت، أوضح داغر أن إصرار واشنطن على عدم تنصيبه يرتبط بملفات إقليمية كذلك، وأنها كانت قد أوكلت الملف العراقي قبل أيام لمبعوثها توم براك الذي يتولى مهمة إقليمية وليس في بغداد فحسب.
وأضاف أن براك يسعى لترتيب الأوضاع إقليميا، لا سيما أن الاجتماع الأخير ل لتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الذي عقد في العاصمة السعودية الرياض أكد خلاله المبعوث الأمريكي سعي واشنطن لترتيب أوضاع المنطقة بما يلائم إرادتها، وبما يتفق كذلك مع ما كانت قد رسمته للمنطقة وبشكل متفق عليه وفق إستراتيجية أمريكية أوسع.
وحسب داغر، فإن ظروف المنطقة ومدى استجابة حكوماتها وقبولها لحكومة عراقية يرأسها المالكي يُعد معيارا أمريكيا، "خاصة أن بعض حكومات المنطقة لديها تجارب سيئة مع حكومتي المالكي السابقتين ولا تريد هذه الدول تكرارها".
أما الباحث السياسي مجاشع التميمي فيرى أن تصريحات المالكي ستفهم في واشنطن وبعض العواصم العربية على أنها رسالة طمأنة تنسجم مع مطلب احتكار الدولة للقوة، مشيرا إلى أنها تتقاطع مع متغيرات إقليمية أوسع تطمح لإعادة هندسة التوازنات ضمن ما يُسمى بمشروع "الشرق الأوسط الجديد".
واختتم حديثه بترجيحه ذهاب الإطار التنسيقي إلى تسوية داخلية دون تغيير جذري في بنية النفوذ، سيتحدد توقيتها وفق توازنات إقليمية أكثر مما قد يعتبره البعض اعتبارات داخلية بحتة.
المصدر:
الجزيرة