آخر الأخبار

لماذا أعادت السعودية ضبط “رؤية” ولي العهد؟ | الحرة

شارك

في خطوة لافتة، أصدر العاهل السعودي، الخميس، أمرا بإعفاء وزير الاستثمار خالد الفالح من منصبه، وتعيين فهد آل سيف خلفا له، في سياق تغييرات وزارية وإدارية كبيرة.

وتواجه المملكة ضغوطا مالية وتحديات مرتبطة بعدد من مشاريعها العملاقة التي تضمنتها “رؤية 2030،” وهي الخطة التي أطلقها ولي العهد، محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للبلاد، لتنويع مصادر دخل المملكة.

كان الفالح، الذي شغل سابقا منصب وزير الطاقة، قد تولى وزارة الاستثمار في 2020، في وقت كانت تسعى فيه السعودية إلى رفع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى نحو 100 مليار دولار سنويا بحلول 2030. لكن الأرقام الرسمية لعام 2024 تظهر أن المملكة لم تصل إلا لنحو ثلث المبلغ المستهدف، (32 مليار دولار). ونصت الأوامر الملكية على تعيين الفالح في منصب وزير دولة وعضو في مجلس الوزراء.

على الجانب الآخر، شغل آل سيف منصب رئيس الإدارة العامة لاستراتيجية الاستثمار والدراسات الاقتصادية في صندوق الاستثمارات العامة الذي تبلغ قيمة الأصول التي يديرها 925 مليار دولار.

وتسعى الرياض منذ مدة إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاستثمارية، من خلال التركيز بوتيرة متصاعدة على الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع إعادة تقييم بعض المشاريع الضخمة التي استحوذت على اهتمام عالمي خلال السنوات القليلة الماضية، وأبرزها مشروع نيوم.

يرى أندرو ليبر، أستاذ العلوم السياسية ودراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في جامعة تولين، أن بقاء الفالح في منصب وزير دولة “يشير إلى أن ولي العهد ليس مستاءً منه شخصيا”، وهذا سيكون عامل ضغط على الوزير الجديد لإيجاد سبل لتحسين صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.

ويصف تيم كالين، الزميل الزائر في معهد دول الخليج العربي، تعيين فهد آل سيف بدلا من الفالح بأنه “إعادة ضبط قيادي”. ويشير إلى أن الوزير الجديد “على دراية كبيرة بصندوق الاستثمارات العامة … كما أنه شخصية معروفة جيدا لدى المستثمرين الأجانب”.

ومنذ إطلاق رؤية 2030، راهنت القيادة السعودية على إعادة تشكيل اقتصادها، بعيدا عن الاعتماد الكلي على النفط، من خلال تنمية قطاعات السياحة والترفيه والتكنولوجيا والصناعة. وقد حققت تقدما ملحوظا وفق مؤشرات، منها ارتفاع مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي، وزيادة مشاركة المرأة في سوق العمل.

وبدأت المملكة تقليص مشاريعها العملاقة فعليا مع بداية العام 2026. وفيما كانت التقديرات الأولية لمدينة “ذا لاين” تستهدف إيواء 1.5 مليون نسمة بحلول 2030، تشير تقارير حديثة إلى تقليص المستهدف إلى أقل من 300 ألف نسمة.

وأُلغي عقد بقيمة 5 مليارات دولار في نيوم قبل يوم واحد من مراسم توقيعه الرسمية. كما جرى تقليص المرحلة الأولى من مشروع “ذا لاين”، التي كان مخططا أن يبلغ طولها 170 كيلومترا، إلى خمسة كيلومترات فقط بحلول عام 2030، بعد سلسلة تأخيرات وتقارير عن رواتب مرتفعة للمديرين الأجانب، وأجواء عمل وصفت بالسامة.

يأتي التغيير وسط انخفاض أسعار النفط إلى مستويات تقل عن 70 دولاراً للبرميل، فيما يُقدّر صندوق النقد الدولي وخبراء أن الرياض بحاجة إلى أسعار نفط تتجاوز 90 دولارا للبرميل لتحقيق التوازن في ميزانيتها والمضي قدما في رؤية 2030.

وعلى الرغم من أن مراقبين سعوديين أشاروا إلى أن التعديلات الوزارية في البلاد أمر طبيعي ولا تحمل أي أبعاد غير معلنة، يراها آخرون بمثابة إعلان فشل.

يقول الباحث السعودي، عبد العزيز الخميس، من معهد الشرق الأوسط، إن إقالة الفالح ليست “تدوير مناصب، بل اعتراف صامت بأن خطاب الانفجار الاستثماري كان أكبر من الواقع”.

وأضاف في منشور على أكس أن المشكلة “ليست في شخص واحد، بل في عقلية التضخيم أولا ثم البحث عن النتائج لاحقا”.

ويصف المحلل في موقع “سيمافور” الأميركي، ماثيو مارتن، خالد الفالح بأنه “كان أحد أكثر أعضاء الحكومة السعودية صراحة بعد أن شكّك مؤخرا في جدوى بعض المشاريع ضمن رؤية 2030.

وكان الفالح صرح، الاثنين الماضي، قبل يومين من إقالته، بإن “ظهور أولويات جديدة، مثل استضافة المملكة لبطولة كأس العالم 2034، وانخفاض جدوى بعض المشاريع مثل “ذا لاين” يستلزم إعادة ترتيب الأولويات.

ودعا خلال جلسة نقاش ضمن “منتدى القطاع الخاص 2026” الذي نظمه صندوق الاستثمارات العامة في الرياض، إلى “تحسين جودة الحياة، ليس فقط للزائرين ولكن لسكان المناطق التي ستكون فيها الملاعب” لاستضافة كأس العالم.

ويعتقد مارتن أن مهمة وزير الاستثمار الجديد لن تكون سهلة، إذ سيتعين عليه بذل مزيد من الجهد “لجعل السعودية بلدا يرغب الناس في الاستثمار فيه، لا بلدا يشعرون بأنهم مضطرون للاستثمار فيه”.

لكن المحلل السياسي، المستشار زايد العمري، يقول في حديث مع “الحرة” إن التغييرات الوزارية هي “تدوير إداري في المناصب العليا … وهذه الآلية تعتمد عادة كل أربع سنوات”، ويؤكد الكاتب السعودي “دحام العنزي أن معظم القرارات تندرج ضمن إعادة توزيع المناصب.

تضمنت الأوامر ملكية سلسلة من الإعفاءات والتكليفات في مواقع قيادية، شملت مناصب على مستوى المحافظين والوزراء ورؤساء جهات قضائية، وفق كالة الأنباء السعودية “واس”.

وتثير سياسات ولي العهد الاقتصادية نقاشات داخل الأوساط المعنية داخل المملكة حول الفجوة بين الطموحات المعلنة والقدرة التنفيذية، خاصة في ظل تنافس إقليمي متصاعد على جذب الاستثمارات.

ويرى مراقبون أن تعيين آل سيف قد يعزز التنسيق بين وزارة الاستثمار وصندوق الاستثمارات العامة، بما يحد من التداخل بين الأدوار، ويعيد صياغة أولويات جذب الاستثمارات الأجنبية لتتماشى مع قدرات التمويل المتوفرة.

وتشيرتوقعات إلى أن التركيز سيكون منصبا على قطاعات ذات عوائد أسرع نسبيا، مثل مراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والطاقة المتجددة، بدلا من المشاريع العقارية الضخمة ذات الآجال الطويلة والمخاطر المرتفعة.

وأعلنت المملكة في 2019 عن استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي ، مستهدفة أن تصبح مركزًا إقليميًا في هذا المجال، مع خطط لتدريب عشرات الآلاف من المتخصصين واستقطاب استثمارات بمليارات الدولارات.

ويقول كالين لـ”الحرة” إن تقليص بعض المشاريع العملاقة “مؤشر إيجابي على تعديل الخطط وفق تغير الظروف”، معربًا عن أمله في أن يقود ذلك إلى “استراتيجية استثمار أكثر استدامة في بيئة تتسم بانخفاض أسعار النفط”.

بينما يرى ليبر أن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يعكس مزيجًا من الطموح الاستراتيجي والواقعية المالية.

“القيادة السعودية أعطت في السنوات القليلة الماضية أولوية متزايدة لبناء موطئ قدم في تقنيات الذكاء الاصطناعي سريعة التطور، في الوقت الذي أثارت فيه تجاوزات التكاليف والصعوبات اللوجستية شكوكًا حول بعض المشاريع العملاقة التي حظيت بترويج واسع” يقول ليبر لـ”الحرة”.

“مع تزايد الضغوط على الميزانية، بدأت المملكة تقليص التزاماتها المالية تجاه بعض المشاريع الضخمة محل الشك، لصالح التركيز على قطاعات واعدة أكثر” يضيف.

أُطلقت “رؤية 2030″ في عام 2016 تحت قيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بهدف تقليص الاعتماد على النفط الذي يشكل نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي، وشملت إنشاء مدن عملاقة مثل نيوم بقيمة تصل لـ 500 مليار دولار، إلى جانب برامج لتعزيز السياحة والترفيه والصناعة.

لكن السنوات الأخيرة شهدت تأخيرات وتجاوزات تكاليف، مما دفع المملكة إلى إعادة تقييم، ففي عام 2025، أمر صندوق الاستثمار بخفض الإنفاق بنسبة 20% على الأقل في بعض المحافظ، وشهدت قيمة عقود المشاريع الكبرى انخفاضا حادا في الأشهر الأولى من العام.

وواجهت مشاريع سعودية عملاقة صعوبات مالية وإدارية، بينها مشروع منتجع تروجينا للرياضات الشتوية. وتوقف العمل تماما في ناطحة سحاب ضخمة مكعبة الشكل في العاصمة الرياض.

وأشار تقرير لـ Arabian Gulf Business Insight (AGBI) إلى أن بعض الميزانيات خُفِّضت بنسبة تصل إلى 60%، في خطوة طالت بشكل خاص ما يُعرف بـ”المشاريع العملاقة” الخمسة، وعلى رأسها مشروع نيوم، ومشروع Red Sea Global السياحي الذي يستهدف تطوير وجهة تمتد على 1500 ميل مربع وتضم 25 فندقا جديدا.

وتحدثت تقارير أيضا عن مشكلات في التدفقات النقدية أدت إلى تأخير مستحقات مقاولين، خصوصا في قطاع الإنشاءات، وعن مطالبة شركة دولية كبرى بمستحقات تبلغ 800 مليون دولار، معتبرة أن تأخر المدفوعات كان عاملا رئيسيا في تقليص عملياتها داخل المملكة، فيما انسحبت شركة أوروبية كبيرة من السوق السعودية بسبب مخاطر مالية وعدم وضوح الرؤية.

ويأمل المسؤولون أن يؤدي التركيز الجديد على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا إلى جذب استثمارات أجنبية أكبر، حيث أعلنت شركات كبرى مثل “بلاك ستون” الأميركية وغيرها عن خطط لبناء مراكز بيانات في المملكة، فيما يستهدف الصندوق زيادة الاستثمارات في القطاعات غير النفطية.

ويتعزم صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF) إطلاق استراتيجية جديدة لخمس سنوات (2026–2030)، في ما يُعد أكبر إعادة ضبط حتى الآن لمسار التحول الاقتصادي المرتبط بـ”رؤية 2030″، وفق ما نقلته رويترز عن ثلاثة مصادر وصفتها بالـ”مطلعة، الاثنين الماضي.

ومع اقتراب الذكرى العاشرة لإطلاق الرؤية، يُنظر إلى هذا التغيير الوزاري كخطوة نحو مرحلة أكثر واقعية واستدامة. يقول كالين إن “من المنطقي جلب قيادة جديدة للإشراف على هذه المرحلة الجديدة من الخطة”.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا