في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزةـ في غزة، لا يولد الصوت عابرا، ولا تقال الكلمة بلا ثمن، فمن قلب القصف والمعاناة، انطلق صوت إذاعي يقول ببساطة حاسمة: هنا غزة. ليست مجرد موجة على الأثير، بل محاولة لكسر العزل الإعلامي المفروض على القطاع، حيث تصبح الكلمة شهادة، ويغدو البوح مقاومة من أجل الحياة والبقاء.
و"هنا غزة" ليست إذاعة تبحث عن سبق إخباري، ولا شاشة تلاحق الحدث من بعيد، بل مساحة للإنسان الفلسطيني وهو يفاوض الحياة يوميا على حقه في الاستمرار. منصة تنحاز للناس، لأصواتهم الصغيرة وتفاصيلهم المؤجلة.
ويقول القائمون على إذاعة "هنا غزة" إنها "نموذج إعلامي وطني تمخّض عن شراكة جمعت مؤسسة فلسطينيات ومركز الإعلام في جامعة النجاح، وبتمويل جزئي من الاتحاد الأوروبي".
وقالت المديرة العامة لمؤسسة فلسطينيات، وفاء عبد الرحمن، للجزيرة نت، إن الإذاعة تبدأ بثها من أجل الحياة، والذاكرة، وميكروفون يقف في الصف الأول حين يتراجع العالم خطوة، وصوت يقول "نحن هنا، نحكي لنحيا، وكي لا تُسرق الحكاية، ولا تُمحى المدينة، ولا يُهزم الصوت".
وأضافت وفاء أن محتوى الإذاعة يخدم الحياة اليومية، ويلامس حاجة أهالي غزة من الصحة للتعليم والغذاء والمياه، وتفتح الهواء على مصراعيه لقضايا المرأة والطفل والشباب والصحة النفسية، وتستند إلى سياسة تحريرية تحمي الحرية، وتصون الاستقلالية، وتقدم الحقيقة دون مواربة.
ولفتت وفاء إلى أن فكرة تأسيس الإذاعة تولدت من رحم "العتمة الإعلامية" التي تعمد الاحتلال فرضها خلال حرب الإبادة على القطاع، عبر سياسة الاستهداف الممنهجة للصحفيات والصحفيين وتدمير مقار الإذاعات المحلية والمكاتب والشركات الصحفية والإعلامية.
وأشارت إلى أن الاحتلال سعى منذ اللحظة الأولى لحرب الإبادة إلى عزل غزة عن العالم، لارتكاب "جرائم صامتة"، فكان أن اغتال "عيون الحقيقة" ودمر منازلهم ومكاتبهم ومقار عملهم، لكن إرادة الصحفية والصحفي في غزة انتصرت وأبقت صوت القطاع مسموعا.
وتعيش وفاء في رام الله ب الضفة الغربية، وتنحدر من أسرة في دير البلح وسط قطاع غزة. وعايشت حرب الإبادة بتفاصيلها، والقلق على أهلها وأحبتها وأصدقائها في ظل صعوبة الاتصال والتواصل معهم، خاصة مع تكرار تقصّد إسرائيل قطع خدمات الاتصالات والإنترنت.
وهذه التجربة عززت لدى وفاء أهمية وجود إذاعة محلية تواكب الأحداث والتطورات، وتبقي الاتصال والتواصل قائما مع غزة، موضحة أن فكرة تأسيس الإذاعة تعود إلى ما قبل اندلاع الحرب، ضمن مشروع حظي بموافقة وتمويل الاتحاد الأوروبي، وكان يركز حينها على قضايا المجتمع المدني والشباب ودعم الإعلاميين ووسائل الإعلام المحلية.
ولكن الحرب فرضت إعادة التواصل مع الممول والاتفاق على تغيير بعض البنود لمواكبة تطورات الأحداث، وكانت البداية عبر "موجة إذاعية" تصدر من غزة، ويتم بثها من خلال "راديو النجاح" التابع لجامعة النجاح الوطنية في نابلس بالضفة الغربية، حسب وفاء.
ومع تصاعد وتيرة الحرب، وموجات النزوح القسري المتلاحقة والمتكررة، قالت وفاء إن الحاجة باتت مُلّحة لإذاعة كاملة، مع تطوير الفكرة إلى بث بالصوت والصورة، من خلال تردد (إف إم)، وعبر الإنترنت، مضيفة أن البث التلفزيوني سيتضمن مشاهد حية ومباشرة من أحياء مختلفة من القطاع، وتصوير الحياة اليومية وكيف آلت الأوضاع إثر الحرب.
وتبدأ "هنا غزة" فقراتها اليومية ببرنامج "صباحك غزة"، ويركز على قضايا وتفاصيل الحياة اليومية، التي تمخضت عن حرب الإبادة وتداعياتها، ويتناول الأسعار في الأسواق، وحالة الطقس، وحركة معبر رفح والقيود الإسرائيلية على سفر الحالات الإنسانية من المرضى والجرحى وعودة العالقين في الخارج.
كما يتناول "صباحك غزة" حالة الشوارع والطرقات وصعوبة المواصلات، وأزمات مركبة كالعلاج والدواء والمياه، وعمل الطواقم الإنسانية في البلديات والدفاع المدني، وسط ظروف معقدة ناجمة عن الحصار وخروق الاحتلال ل اتفاق وقف إطلاق النار، ورفضه إدخال الإمدادات الإنسانية والطبية والآليات الثقيلة والأدوات اللازمة للتعامل مع الدمار وتداعيات الحرب.
وتعد الإذاعة -حسب وفاء- دورة برامجية خاصة ب شهر رمضان المبارك، من أبرز محتوياتها برنامج الصحة النفسية، وآخر يتناول آليات التعامل مع المتفجرات ومخلّفات الحرب، وبرنامج للتعليم وقت الأزمات، ورابع يقدم مسابقات وجوائز.
وتنظر وفاء لإذاعة "هنا غزة" كجزء من التعافي، وإعادة الثقة وبث الروح للمواطن بغزة بأن "الإعمار ممكن"، وأثنت على الصحفيات والصحفيين ووصفتهم بأنهم "رأس مالنا ورأس حربتنا، قاوموا على جبهة الحقيقة، ولم يغادروا الميدان رغم شراسة الجرائم، ولا يزالون يقفون بثبات، وأضافوا لعلم الصحافة تجارب حية وغير مسبوقة وجديرة بالدراسة".
من جهتها، قالت يافا أبو عكر، وهي إحدى المذيعات الثلاث في "هنا غزة"، إن تجربتها في العمل الإذاعي والتلفزيوني لسنوات طويلة، خاصة وقت الحرب علمتها كيف تحمل الكلمة بمسؤولية وكيف تنقل وجعَ الناس بأمانة.
وأضافت للجزيرة نت "في بيئة مليئة بالتحديات والمخاطر نتعلم أن نكون قريبين من الناس، وأن نصغي لنبض الشارع وأن نحترم عقل المستمع والمشاهد وقلبه في آن واحد".
وخلال حرب الإبادة فقدت أبو عكر أكثر من 50 شهيدا من عائلتها وأحبتها، مشيرة إلى أن الحرب غيَّرتها كثيرا على المستويين الشخصي والمهني، وجعلتها أكثر حساسية تجاه الألم وأكثر خوفا على أطفالها، وأكثر وعيا بقيمة الحياة التي قد تسلب في لحظة.
وعايشت أبو عكر ويلات النزوح والتشتت مع أسرتها وعائلتها، وأضافت "الحرب وضعتني أمام اختبار حقيقي للثبات والالتزام، وتعلمت كيف أعمل تحت الضغط، وكيف أتحقق من المعلومة وسط الفوضى، وكيف أحافظ على مهنيتي رغم الألم، لكن في الوقت ذاته تركت أثرا نفسيا عميقا، لأن الصحفي في غزة لا يملك رفاهية الفصل بين العمل وحياته الخاصة".
وعن أبرز التحديات أمام إذاعة "هنا غزة" وضعت المسؤولة وفاء عبد الرحمن "المخاطر" الناجمة عن الاستهداف الإسرائيلي في المقدمة، وقالت "لا ضمانات للحماية، وفي ظل الاستهداف الممنهج لن نكون نحن استثناء".
ومن بين التحديات أيضا -حسب وفاء- الخشية من الاختراق والتشويش على تردد الإذاعة، وضعف الإمكانيات نتيجة القيود الإسرائيلية، فكان الخيار المتاح تركيب أجهزة بث إذاعي في الخليل جنوب الضفة، كأقرب منطقة جغرافية لتغطية قطاع غزة.
كما يمثل التمويل تحديا بالنسبة لاستمرارية عمل الإذاعة وتطورها، وأوضحت وفاء أن الإذاعة ممولة جزئيا من الاتحاد الأوروبي، في حين تلقت مبادرات من القطاع الخاص لرعاية برامج إذاعية.
بدوره، قال الدكتور تحسين الأسطل نائب نقيب الصحفيين الفلسطينيين، للجزيرة نت، إن انطلاقة أي وسيلة إعلامية محلية من غزة تمثل تحديا للاحتلال، ومقاومة حياة في مواجهة الموت والتدمير، خاصة بعد عامين من حرب الإبادة وضع الاحتلال خلالها الإعلام الفلسطيني في بؤرة الاستهداف، ودمّر 23 إذاعة محلية، وأغلبية المكاتب الصحفية ومقار شركات إعلامية وإنتاج تلفزيوني.
وأشار الدكتور إلى القيود المشددة التي يمنع الاحتلال بموجبها إدخال أي معدات أو أجهزة خاصة بالبث الإذاعي والفضائي، علاوة على استمرار جرائم تصفية الصحفيين، التي أودت -حتى الآن- بحياة 260 صحفيا وصحفية وأصابت المئات بجروح.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة