آخر الأخبار

كيف علّق المصريون على مقترح إنشاء بنك للأنسجة والجلود؟

شارك

القاهرة- أثار اقتراح تقدّمت به عضو مجلس الشيوخ المصري، عن الحزب الديمقراطي الاجتماعي، أميرة صابر قنديل، بشأن التبرع بالأنسجة والجلود بعد الوفاة، وإنشاء بنك وطني للأنسجة البشرية، جدلا بين مؤيدين رأوا فيه حلا عمليا لأزمات الحروق، وما يصاحبها من أعباء مالية متزايدة لاستيراد الأنسجة والجلود، ومعارضين اعتبروا أنه يهدف أساسا لتقليل نفقات تتحملها الحكومة في علاج مصابي الحروق.

وبدأت الضجة فور تقدم النائبة بالاقتراح إلى مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان المصري) بهدف "توفير ملايين الجنيهات التي تنفقها الدولة سنويا على استيراد الجلد البشري من الخارج لإجراء مئات العمليات الجراحية".

ويعكس هذا الجدل المتجدد فجوة ممتدة بين الإطار التشريعي والتطبيق العملي لقضية التبرع بالأعضاء، رغم إدراج الملف ضمن أولويات الدولة منذ التوجيهات الرئاسية عام 2022 بتطوير معهد ناصر ليصبح مدينة طبية عالمية، وإنشاء مجمع متكامل لزراعة الأعضاء، إضافة لإعداد قاعدة بيانات قومية للتبرع بالأعضاء والأنسجة، في حين أعلنت وزارة الصحة -سابقا- تعاونها مع إسبانيا للاستفادة من نموذجها في هذا المجال.

مصدر الصورة المبادرة تقترح تنفيذ تدريب للكوادر الطبية بالتعاون مع بنوك أنسجة دولية وإنشاء سجل إلكتروني وطني للمتبرعين (غيتي)

تحديات

وتستند المبادرة البرلمانية إلى واقع صحي ضاغط، خصوصا في وحدات الحروق، حيث تمثّل إصابات الأطفال نسبة كبيرة من الحالات، مع ارتفاع معدلات الوفيات بسبب نقص الأنسجة الحيوية، وعلى رأسها الجلد الطبيعي.

وتبرز تجربة مؤسسة "أهل مصر" كنموذج عملي لإمكانية بناء منظومة وطنية تقلل الاعتماد على الاستيراد مرتفع التكلفة.

ويقترح المشروع تنفيذ تجربة أولية في مستشفى متخصص، وتدريب الكوادر الطبية بالتعاون مع بنوك أنسجة دولية، وإنشاء سجل إلكتروني وطني للمتبرعين، بالتوازي مع حملة توعية مجتمعية.

إعلان

ورأى متابعون أن واحدا من أقوى أسباب جمود مسار التبرع بالأعضاء هي فتوى سابقة للشيخ محمد متولي الشعراوي بتحريم هذا التبرع ولو بعد الوفاة، رغم تأكيد متكرر لدار الإفتاء بجواز التبرع بالأنسجة بعد الوفاة بضوابط صارمة، وسط تساؤلات عما إذا كانت الفتاوى الدينية يمكن أن تشكّل مدخلا حقيقيا لاختراق الجمود الذي يهيمن على هذا الملف في مصر منذ سنوات، لا سيما أن بنوك الأعضاء التي أُنشئت سابقا ظلت عمليا بلا رصيد من الأعضاء أو المتبرعين.

والتحدي الأساسي ليس قانونيا، برأي البعض، بل ثقافي وتنظيمي أيضا، ويتطلب ترجمة التوجيهات الرئاسية والنصوص التشريعية إلى ممارسة فعالة تُنقذ الأرواح.

دواعي المقترح

وفي مواجهة الانتقادات التي طالتها عقب طرح المقترح، بادرت النائبة قنديل للإعلان أنها أوصت بالتبرع بكبدها بعد وفاتها، وقالت إن دوافعها "إنسانية بحتة لا سعيا لتحقيق مكاسب مالية للدولة".

وأوضحت أن المقترح جاء في ظل غياب بنك للأنسجة والجلود في مصر مقارنة بعدد من دول الجوار، رغم مرور نحو 16 عاما على إقرار قانون ينظم التبرع بالأعضاء، مؤكدة أن التبرع بالجلد بعد الوفاة يتم وفق المعايير الطبية المعتمدة المعلنة من وزارة الصحة.

وأشارت قنديل إلى أن اقتراحها لاقى تجاوبا أوليا من وزارة الصحة، التي أعلنت عزمها دراسة إنشاء بنك للأنسجة والجلود قريبا، معتبرة -في حديثها للجزيرة نت- أن ذلك يُمثل خطوة إيجابية. وأضافت أنها تعتزم استخدام أدوات برلمانية أخرى، منها دراسة الأثر التشريعي لضمان ترجمة المبادرة إلى خطوات عملية على أرض الواقع، وتفادي مصير النسيان الذي لحق بملفات مماثلة.

وأعربت عن أملها في تأسيس شبكة معلومات قومية للتبرع بالأنسجة والجلود، وتنشيط منظومة التبرع بجميع الأعضاء، لافتة إلى أن بنوك الأعضاء ما زالت تفتقر لأي رصيد فعلي من التبرعات.

وعدّدت البرلمانية أهدافها من المقترح، أهمها:


* الحاجة الملحة للتقدم في هذا المجال لمواجهة الارتفاع المستمر في أعداد مصابي الحروق.
* تيسير إجراءات التبرع ووضع آليات واضحة.
* إعادة فتح النقاش المجتمعي حول ملف زراعة ونقل الأعضاء البشرية. مصدر الصورة الأطباء يأملون بأن ترى مبادرة النائبة حول بنك الأنسجة النور قريبا (غيتي)

ليس ماديا

من جانبه، اعتبر عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، ورئيس قسم طب وجراحة العيون بجامعة أكتوبر، مجدي مرشد، أن اقتراح النائبة أميرة قنديل يمثّل تطورا مهما قد ينهي حالة الجمود التي يعانيها ملف التبرع بالأعضاء في مصر، رغم إقرار القانون رقم 5 لسنة 2010 وتعديله بالقانون رقم 124 لسنة 2017.

وأوضح أن مصر لا تمتلك بنكا للأنسجة والجلود، في حين يوجد بها أكثر من 5 بنوك لحفظ القرنيات، لكنها تفتقر إلى قرنيات متبرع بها فعليا، مبينا أن إعلان مستشفى "أهل مصر" استيراد أنسجة وجلود من الخارج بتكلفة باهظة، كان دافعا مباشرا لتدخل النائبة.

ونفى مرشد وجود أي بواعث مادية وراء المقترح، مؤكدا أن القانون يحظر التبرع بمقابل مالي، ولا يجيز نزع الأنسجة أو الجلود إلا بناء على رغبة المتوفى الموثقة أثناء حياته وهو بكامل قواه العقلية.

إعلان

وأشار إلى أن قضية التبرع بالأعضاء بمصر تتطلب تضافر جهود المؤسسات الدينية والإعلامية والثقافية، إلى جانب خطاب ديني واضح يُرسّخ جواز التبرع، خاصة في ظل وجود فتاوى صريحة من الأزهر ودار الإفتاء، تحتاج فقط إلى تفعيلها مجتمعيا.

وأبدى دهشته من محدودية النتائج على أرض الواقع، معربا -في حديثه للجزيرة نت- عن أمله في أن يسهم مقترح النائبة في "تحريك المياه الراكدة".

من جهته، وصف استشاري الأمراض الجلدية بأحد المراكز الطبية، أحمد عمر، ملف التبرع بالجلود بأنه "منسي" مقارنة بالاهتمام بالتبرع بالكلى وأجزاء من الكبد رغم أهميته البالغة في تحسين فرص الشفاء وإنقاذ الحياة، لافتا إلى أن نقص الأنسجة يُجبر الفرق الطبية أحيانا على اللجوء إلى حلول مؤقتة تؤخر التعافي.

وانتقد -في تصريحه للجزيرة نت- غياب بنوك الأنسجة والجلود وقواعد البيانات الواضحة، مؤكدا الحاجة الماسة إلى كوادر طبية وإدارية متخصصة، وتشريعات واضحة تضع حدا للخلط المستمر بين التبرع المشروع والاتجار غير القانوني بالأعضاء.

وشدد على أهمية خلق رأي عام داعم للتبرع بالأعضاء، عبر الترويج لقصص نجاح حقيقية، تشجع المواطنين على التبرع بالأنسجة والجلود بعد الوفاة عن قناعة كاملة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا