آخر الأخبار

في ذكرى الثورة الإيرانية.. ماذا بقي من "بيت الخميني"؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في إيران، لا يعمل النظام السياسي بمنطق الوراثة الصريحة، لكنّ بعض الأسماء تتحول مع الزمن إلى "رأسمال رمزي".

واسم الخميني هو الأوضح: مؤسس الجمهورية الإسلامية الذي ما زالت صورته وخطابه جزءا من شرعية الدولة، وفي الوقت نفسه ظلت تلك الصورة والخطاب جزءا مما يمكن وصفه بمعارك تعريف الثورة ومعنى "خط الإمام".

ومع حلول الذكرى الـ47 للثورة الإيرانية، تعود هذه الرموز إلى واجهة المشهد، لا بوصفها ماضيا مؤرشَفا، بل كأدوات حية في صراع الحاضر على الشرعية والمعنى.

اليوم، لم تعد عائلة الخميني مركز القرار، لكنها بقيت فاعلا في منطقة وسطى: منطقة الرمزية والشرعية. وفي مقدمة هذه العائلة يقف حسن الخميني حفيد الإمام، ومعه جيل أصغر أكثر احتكاكا بالسياسة والإعلام، بينهم أحمد الخميني (نجل حسن)، في مشهد يقرؤه خصومهم وحلفاؤهم باعتباره "مؤشرا" على توازنات داخل النظام أكثر مما هو مشروع حكم عائلي.

مصدر الصورة حسن الخميني ونجله أحمد (حساب أحمد الخميني على إنستغرام)

ما أبرز الوجوه في عائلة الخميني الآن؟

حسن الخميني.. "حارس الإرث" بملامح سياسية

هو حفيد الخميني، ويعد أبرز وجه للعائلة في المجال العام، وموقعه لا يقوم على منصب تنفيذي، بل على مصادر قوة متداخلة:


* الرمزية الدينية التاريخية، بصفته حفيد مؤسس الجمهورية.
* حضوره المتكرر في الفضاء المرتبط بذاكرة الخميني، مثل ضريح الخميني وحسينية جماران المعروفة بدورها التاريخي في الثورة، حيث كان الخميني يلقي خطاباته الثورية فيها وهي محاذية لمنزله القديم في شمال شرق العاصمة طهران.

وهما (الضريح وجماران) ليسا مجرد موقعين، بل منصتين للرسائل السياسية.

وتكتسب لغة حسن الخميني السياسية أهمية بالغة، حيث يعتمد خطابا يُقرأ غالبا على أنه أقرب إلى مفردات "الاعتدال" و"الإصلاح"، مثل الدعوة إلى التماسك الداخلي، وإعلاء "صوت الشعب"، والحذر من تعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع.

هذا المزيج، جعل حسن الخميني مرجعا رمزيا لتيار واسع من الإصلاحيين والمعتدلين، أو على الأقل نقطة تلاقٍ معهم، ليس باعتباره قائدا حزبيا، بل باعتباره شخصية يمكن الاستناد إليها لإعادة إنتاج فكرة "العودة إلى خط الإمام" في مواجهة التشدد أو الانغلاق.

إعلان

لكنّ الأهم أن حضور حسن الخميني لا يتقدم خطوة واحدة دون أن يصطدم بسؤال "إلى أي حد يسمح مركز الثقل الحقيقي في النظام (المؤسسات الرقابية والأمنية والدولة العميقة) بترجمة الرمزية إلى سلطة مؤسسية؟".

مصدر الصورة أحمد الخميني يمثل وجها من "الجيل الثالث" لعائلة الخميني (حساب أحمد الخميني على إنستغرام)

أحمد الخميني.. جيل أكثر احتكاكا بالمزاج العام

يمثل أحمد الخميني وجها من "الجيل الثالث" لعائلة الخميني. وهو أقل حملا للقيود البروتوكولية التي تحكم عادة خطاب علماء الدين الكبار، وأكثر اقترابا من المزاج العام على منصات الإعلام والنقاش السياسي.

في نظر الإصلاحيين، وجود أحمد ضمن مشهد العائلة يضيف عنصرين:


* امتدادا زمنيا، بمعنى استمرار حضور "بيت الخميني" لدى جيل شاب يشعر أن الثورة صارت تاريخا مدرسيا أكثر منها تجربة معيشة.
* جرأة نسبية، بمعنى مساحة أكبر للتعبير عن انتقاد الأداء، ولو ضمن سقف النظام.

فأحمد، ابن الحفيد، من المؤيدين للرئيس الأسبق وزعيم التيار الإصلاحي محمد خاتمي. كما يدعم قادة الحركة الخضراء التي تشكّلت على خلفية انتخابات عام 2009، أي مير حسين موسوي الذي لا يزال تحت الإقامة الجبرية ومهدي كروبي الذي أفرج عنه في مارس/آذار 2025، بعد احتجازهما عام 2009.

كما يشارك أحمد في مهرجانات فنية وسينمائية ورياضية ويدعم الفنانين والشباب باستمرار، إلى جانب تعليمه في الحوزة الدينية.

أما في نظر المحافظين، فالأسماء الصاعدة من بيت الخميني يمكن أن تُقرأ بوصفها محاولة لإعادة تدوير الشرعية لصالح تيار سياسي بعينه، ما يفسر حساسية التعاطي معها: قبول بالرمز كجزء من "ذاكرة الثورة"، وتحفظ شديد تجاه أي تحول من الرمزية إلى التنظيم السياسي.

مصدر الصورة أحفاد الخميني يختلفون في الاتجاهات الفكرية (حساب أحمد الخميني على إنستغرام)

علي الخميني.. الضرورة الأمنية الثورية

علي الخميني واحد من أحفاد المؤسس الخميني، لكن حضوره داخل "بيت الإمام" يأتي عادةً بنبرة مختلفة عن حسن الخميني. فبدلا من لعب دور "الرمز الجامع" أو الجسر بين التيارات، يظهر علي الخميني غالبا أقرب إلى لغة المؤسسة المحافظة وضروراتها الأمنية-الثورية، ما جعله يُستدعى في الإعلام الإيراني كصوت يذكّر بالنسخة "الصلبة" من سردية الثورة: أولوية بقاء النظام، واعتبار الحسم الأمني جزءا من "منطق الدولة الثورية".

وقد لفت الانتباه على هذا الخط خصوصا في عام 2016 عندما دافع في تصريحات، نقلها موقع "إيران وير" المعارض للنظام الإيراني، عن الإعدامات الجماعية للسجناء السياسيين في الثمانينيات بوصفها إجراءً "ضروريا" لحماية الجمهورية الإسلامية، وهو موقف أثار جدلا حقوقيا وسياسيا.

كما أعاد طرح سؤال قديم جديد داخل السلالة نفسها: كيف يمكن لاسم واحد -هو اسم الخميني- أن يُستخدم لتغذية قراءتين متعارضتين للثورة.. قراءة تُقدّم "خط الإمام" بوصفه قابلا للتماس مع فكرة الجمهورية وامتصاص التوتر الداخلي، وقراءة أخرى تجعله مرادفا لمنطق الردع والتطهير وحسم الصراع مع الخصوم؟

وفي هذا المعنى، لا يمثل علي الخميني مجرد "فرد من العائلة"، بل يُعد -من قبل خصومه وحلفائه- علامة على أن بيت الخميني ليس كتلة واحدة، وأن الرأسمال الرمزي للعائلة يمكن أن يعمل في اتجاهين: تهدئة الرمزية أو تشديدها، بحسب من يتصدر المشهد وفي أي لحظة.

مصدر الصورة أحمد الخميني (يمين) وياسر الخميني في مرقد الإمام في رمضان 2017 (حساب أحمد الخميني على إنستغرام)

زهراء وياسر.. حضور باهت

إلى جانب حسن الخميني وأحمد الخميني وعلي الخميني، تضم العائلة أسماء أخرى تظهر بدرجات متفاوتة في المجال العام، لكنها لا تحتل عادة موقع "الواجهة" السياسية. من أبرزها زهراء مصطفوي (ابنة الخميني) التي يُشار إليها أحيانا في الإعلام الإيراني بوصفها حارسة لجزء من الذاكرة العائلية، ولها حضور في مناسبات مرتبطة بإرث والدها.

إعلان

كما يبرز اسم ياسر الخميني (شقيق حسن وعلي) بوصفه أحد أفراد الجيل الأصغر في السلالة، ويظهر اسمه بين حين وآخر في سياقات اجتماعية ودينية أو عند الحديث عن "بيت الإمام" وتنوع أصواته.

وفي الخلفية الأوسع تقف شبكة المصاهرة والقرابة داخل الوسط الديني -خصوصا ارتباط العائلة ببيئات حوزية معروفة- بما يجعل "بيت الخميني" أقرب إلى مظلة رمزية متعددة الفروع: بعض فروعها يميل إلى خطاب توافقي يُقرأ قرب الإصلاحيين، وبعضها يتماهى أكثر مع لغة المؤسسة المحافظة، بينما يختار آخرون البقاء بعيدين عن الاستقطاب اليومي والاكتفاء بحضور بروتوكولي في مناسبات الدولة والذكرى.

مصدر الصورة من اليمين، حسن الخميني، محمد خاتمي، أحمد الخميني (حساب أحمد الخميني على إنستغرام)

لماذا يتعامل الإصلاحيون مع "بيت الخميني" كرافعة؟

منذ صعود التيار الإصلاحي عام 1997، بقيت معضلته الأساسية أنه يعمل داخل نظام يمتلك أدوات "الفرز" قبل صناديق الاقتراع، وبعدها.

لذلك بحث الإصلاحيون مرارا عن مظلة شرعية من داخل النظام لا من خارجه. وهنا يبرز اسم الخميني بصفته مرجعية يصعب نزع صفة "الثورية" عنها.

تكفي الإشارة إلى أن حسينية جماران تعد من أبرز مقرات الإصلاحيين في المناسبات "الحساسة"، حيث يقصدها زعماء التيار الإصلاحي وفي مقدمتهم الرئيس الأسبق محمد خاتمي وعائلة هاشمي رفسنجاني للتصويت في الانتخابات.

ومن هذا المنطلق سألت الجزيرة نت في لقاء سابق، حسن الخميني "كيف أصبحت حسينية جماران معقلا للإصلاحيين"، فرد ضاحكا بلكنته الطهرانية التي تقلب الألف واوا، بأن "جمارون للجميع".

يقوم ا لمنطق الإصلاحي في توظيف اسم الخميني على معادلة "إذا اتهمت التيارات المحافظة خصومها بأنهم يخرجون عن خط الثورة، فإن الرد الأسهل هو نحن أقرب إلى نص المؤسس وخطابه".

ومن هنا تأتي قيمة حسن الخميني تحديدا، فهو ليس ناشطا حزبيا معارضا، بل عالِم دين من داخل البنية الرمزية، ويمكن تقديمه عنوانا لـ"إصلاح من داخل الثورة"، لا قطيعة معها.

عائلة الخميني مع خاتمي (حساب أحمد الخميني على إنستغرام)

لماذا يتحفظ المحافظون؟

على الضفة الأخرى، يرى محافظون كثر أن النقاش ليس حول احترام الخميني أو إرثه -وهو جزء من شرعية الدولة نفسها- بل حول احتكار تفسير هذا الإرث.

فحين يتحول "خط الإمام" إلى سلاح في الجدل السياسي، يصبح بيت الخميني، بحكم القرابة، قادرا على تقديم نفسه بوصفه "الأقرب إلى الأصل".

يخلق هذا لدى المحافظين هاجسا مزدوجا، وهو هاجس المنافسة على الشرعية، أي انتقال من "رمز وطني" إلى "قطب سياسي".

بعبارة أخرى، يُعد هذا هاجس إعادة تعريف الثورة، لأن الإصلاحيين يستخدمون مفردات مثل الجمهورية، ورأي الشعب، والمرونة السياسية، وهي مفردات موجودة في أدبيات الثورة، لكنّ توظيفها اليوم قد يحرج التيار الأكثر تشددا.

ولذلك، يميل التعاطي المحافظ إلى وضع حدود واضحة أمام ترجمة الاسم إلى دور سياسي مؤسسي، عبر آليات النظام المعروفة في ضبط المجال السياسي.

أحمد الخميني (يمين) والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (حساب أحمد الخميني على إنستغرام)

حدود الاسم عندما يصطدم بالمؤسسة

أحد أهم الأمثلة التي تُستحضر في قراءة موقع حسن الخميني هو استبعاده من الترشح لانتخابات مجلس الخبراء عام 2016.

وبغض النظر عن التبريرات الإجرائية التي رافقت الاستبعاد، فإن الرسالة السياسية كانت مفهومة لدى كثيرين داخل إيران: حتى اسم الخميني لا يمنح حصانة تلقائية أمام بوابة المؤسسات الرقابية.

أصبحت هذه الواقعة علامة فارقة في فهم "حدود السلالة". وعليه، يمكن القول إن العائلة تمتلك شرعية رمزية واسعة. لكنها لا تمتلك "مفاتيح" المرور في كل لحظة إلى مؤسسات السلطة.

ومن هنا، يتعامل الإصلاحيون مع حسن الخميني أحيانا كقيمة معنوية يجب حمايتها من الاستنزاف، بينما يتعامل معه المحافظون كحد أقصى "مكانة داخل إطار النظام، لا مشروعا داخل مؤسسات القرار".

حسن الخميني استُبعد من الترشح لانتخابات مجلس الخبراء عام 2016 (حساب أحمد الخميني على إنستغرام)

مؤسسات الإرث.. سلطة ناعمة تؤثر على اللغة السياسية

لا يُقاس نفوذ بيت الخميني اليوم بعدد المقاعد أو الحقائب، بل بقدرته على التأثير في "قاموس الثورة" عبر مؤسسات حفظ ونشر تراث الخميني، بما يعني التحكم النسبي في النصوص والأرشفة وإنتاج المعرفة المرتبطة بالمؤسس.

إعلان

وكذلك، المناسبات الرسمية في المواقع الرمزية، التي تتحول إلى مساحة لالتقاط الإشارات، من حضر، ومن غاب، ومَن صافح مَن، وأي خطاب قيل.

هذه ليست تفاصيل شكلية في إيران، لأن السياسة هناك غالبا ما تُدار بالإشارات بقدر ما تُدار بالقرارات. وفي كثير من الأحيان، لا يكون تأثير العائلة في "تغيير قرار"، بل في تعديل سردية، بمعنى ما الذي يعنيه "الاستقلال"، وما معنى "الجمهورية"، وما حدود "ولاية الفقيه" في خطاب المؤسس.

علاقة العائلة بسؤال "ما بعد المرشد"

في كل مرة يتصاعد فيها الحديث عن مستقبل القيادة العليا في إيران، يعود اسم حسن الخميني إلى التداول، ليس لأنه مرشح حتمي أو قريب، بل لأن موقعه يحقق شروطا رمزية، فهو عالم دين، ومن بيت المؤسس، وهذا يجعل المحافظ أمام رفض صعب وإن كان لا يميل له، كما يتمتع بقبول في أوساط إصلاحية ومعتدلة وإن كانت الدولة العميقة لا تكترث لهم كثيرا.

فضلا عن أنه قد يكون هو المخرج من المأزق الذي تصطدم به إيران في هذه المرحلة. فثمة من يرى أن الدولة العميقة و الحرس الثوري ستكون لهما لحظة "عقلانية وإدراك" بأن المخرج هو اختيار مرشد معتدل يغير التعاطي مع الولايات المتحدة الأمريكية وبنفس الوقت يحمل اسم الخميني ويظهر بأننا لم نتنازل عن ثوابتنا.

لكنّ هذا التداول يصطدم بثلاث حقائق، وهي أن:


* القرار محكوم بمؤسسات وتوازنات لا بالاسم وحده.
* السلطة الفعلية في إيران نتاج شبكة معقدة من مراكز نفوذ (دينية وأمنية وسياسية).
* الحساسية من "شبهة الوراثة"، فحتى خصوم الإصلاحيين داخل النظام يتجنبون تقديم أي مسار يبدو وراثيا، لأن ذلك يتعارض مع السردية الرسمية للجمهورية.

لذلك، يبقى ذكر حسن الخميني في هذا السياق أقرب إلى "قياس اتجاه الريح" منه إلى معلومة سياسية مؤكدة.

حساسية العائلة تتضاعف الآن (حساب أحمد الخميني على إنستغرام)

لماذا تتضاعف حساسية العائلة الآن؟

هناك سببان رئيسيان:

اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع: في لحظات الاحتجاج أو التوتر الاقتصادي، تبحث قطاعات داخل النظام عن رموز تخفف الاحتقان. وبيت الخميني، بحكم موقعه، قد يُستدعى كجسر رمزي. وفي المقابل، قد يُهاجم بوصفه منحازا إذا اقترب من خطاب الإصلاحيين أكثر مما يحتمل المحافظون.

تحول الصراع من سياسات إلى سرديات: الصراع اليوم لا يدور فقط حول قرارات يومية، بل حول معنى الثورة نفسها: هل هي مشروع "دولة مقاومة" فقط، أم "جمهورية" تقيس شرعيتها برضا المجتمع أيضا؟ هنا تحديدا يصبح إرث الخميني مادة صراع، وتصبح عائلته جزءا من هذا الصراع، حتى لو لم ترغب.

بيت "مؤسسة" لا بيت حكم

ما بقي من "بيت الخميني" اليوم، وفي القلب منه حسن الخميني ومعه الجيل الأصغر مثل أحمد الخميني، يمثل قوة رمزية أكثر منها قوة قرار.

ويتحرك في مساحة دقيقة: الاستفادة من اسم المؤسس لإعادة طرح خطاب "الإصلاح من داخل الثورة"، مقابل مؤسسات محافظة تحرص على ألا يتحول الاسم إلى منافس سياسي مؤسسي.

في إيران، قد لا يحكم "بيت الخميني"، لكنه يظل قادرا على إرباك النقاش العام حين يتكلم، وعلى لفت الانتباه حين يصمت. وهذه بالضبط وظيفة الرموز في أنظمة شديدة الحساسية للشرعية: أن تكون حاضرة بما يكفي لتصنع معنى، ومقيدة بما يكفي كيلا تصنع قرارا.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا