وجّهت السلطات اللبنانية اتهامات لإسرائيل برش مواد كيميائية من الجو فوق أراضٍ زراعية في جنوب البلاد، في حادثة أثارت مخاوف صحية وبيئية ووضعت الأمن الغذائي وسبل عيش المزارعين أمام تهديد جديد.
وقد أظهرت التحاليل المخبرية أن المبيدات التي جرى رشها تحتوي على "الغليفوسات"، وهو مبيد أعشاب قوي صنفته منظمة الصحة العالمية عام 2015 كمادة يمكن أن تُسبّب السرطان.
وقالت وزارتا الزراعة والبيئة، في بيان مشترك، إن بعض العينات أظهرت تركيزات من الغليفوسات أعلى بـ20 و30 مرة من المعدلات الطبيعية المسموح بها، محذرتين من أضرار جسيمة تطال الغطاء النباتي، والإنتاج الزراعي، وخصوبة التربة، والتوازن البيئي، فضلًا عن المخاطر المحتملة على المياه وسلسلة الغذاء بأكملها.
واعتبر البيان أن رش مواد كيميائية من طائرات عسكرية فوق الأراضي اللبنانية يشكّل عملًا عدوانيًا خطيرًا، يقوّض الموارد الطبيعية ويهدد سبل عيش المزارعين، فيما أدان رئيس الجمهورية جوزاف عون ما وصفه برش "مواد سامة"، معتبرًا ذلك انتهاكًا للسيادة اللبنانية وجريمة بيئية وصحية.
كانت قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) قد أُبلغت مسبقًا بالنشاط الجوي، ما أعاد طرح مسألة الالتزام بالقرار 1701 وضرورة متابعة الانتهاكات، وهو ما تناولته "يورونيوز" في مقابلة خاصة مع الناطقة باسم اليونيفيل كانديس أرديل.
تقول أرديل إن موقف قوات حفظ السلام ينطلق أساسًا من زاوية واحدة واضحة، هي مسألة انتهاك القرار 1701. وتوضح أن اليونيفيل، بوصفها قوة دولية، تركّز في تقييمها لأي حادثة على مدى التزامها بهذا القرار، الذي يشكّل أساس ولايتها ومجال عملها اليومي.
وتشرح أرديل لـ"يورونيوز" أن قوات اليونيفيل تلقّت إشعارًا من الجيش الإسرائيلي بنيّته تنفيذ نشاط جوي، مع إبلاغها بأن العملية ستشمل رش مادة كيميائية وُصفت بأنها غير سامة، إلى جانب نصيحة مباشرة لقوات حفظ السلام بالبقاء داخل قواعدها خلال تنفيذ النشاط.
هذا الإخطار، بحسب أرديل، أثار جملة إشكاليات: أولها تجاوز الطائرة للخط الأزرق يُعد بحد ذاته انتهاكًا للقرار 1701، أما الإشكالية الثانية، فتتعلق بتقييد حركة وأنشطة قوات "اليونيفيل" على الأرض، وهو أمر تعتبره مساسًا مباشرًا بقدرتها على تنفيذ ولايتها.
وإلى جانب ذلك، تلفت أرديل إلى القلق الأكبر يتعلق بالتداعيات طويلة الأمد على الأمن والاستقرار في المنطقة، مشددة على أن أي سلام مستدام يتطلب أن يشعر السكان بالأمن والاستقرار على جانبي الخط الأزرق. وتضيف أن أي إجراء يعيق عودة الناس إلى منازلهم أو يمنعهم من استعادة سبل عيشهم، يشكّل عائقًا حقيقيًا أمام هذا الهدف، ويُنظر إليه داخل اليونيفيل كمصدر قلق أساسي.
وفي ردّها على سؤال حول ما إذا كان الإخطار المسبق من جانب إسرائيل يهدف إلى جعل مثل هذه الحوادث أمرًا طبيعياً، اختارت أرديل التركيز على شرح آلية التنسيق والاتصال التي تعمل بها اليونيفيل مع الطرفين الإسرائيلي واللبناني.
وأوضحت أن هذه الآلية تتيح تمرير الرسائل من كلا الطرفين أو أحدهما، لا سيما في ما يتعلق بأنشطة يُعتزم تنفيذها في مناطق حساسة قرب الخط الأزرق، بهدف تفادي سوء الفهم ومنع أي تصعيد محتمل.
من جهة أخرى، اعتبرت أرديل أن هذه الحادثة كانت مختلفة لأنها أثّرت مباشرة على عمل قوات "اليونيفيل"، وقد يكون لها أيضًا تأثير مباشر على السكان المحليين، خصوصًا أولئك الذين ينتظرون العودة إلى أراضيهم وزراعة محاصيلهم بعد فترات طويلة من النزوح وعدم الاستقرار.
وعن الخطوات التي اتخذتها اليونيفيل، تؤكد أرديل أن القوات الدولية أثارت المسألة مباشرة مع الجانب الإسرائيلي، وعبّرت له عن موقفها عبر القنوات المعتمدة، مشيرة إلى أن اليونيفيل ستواصل استخدام هذه القنوات لتقديم احتجاجها. وتعيد التأكيد على أن أي إجراء يؤثر على قدرة الناس على العودة إلى منازلهم وأراضيهم يهدد الاستقرار طويل الأمد الذي تسعى "اليونيفيل" إلى بنائه في جنوب لبنان.
كما تلفت إلى بُعد آخر لا يقل أهمية، يتعلق بسلامة قوات "اليونيفيل" نفسها. فبحسب أرديل، أي أمر يعرّض صحة وأمن عناصر اليونيفيل للخطر يُعد مصدر قلق بالغ، خصوصًا أن هذه القوات تضم عناصر من نحو خمسين دولة، أُرسلت للمساعدة في دعم الاستقرار على طول الخط الأزرق ، وأي تطور من هذا النوع قد يعرقل هذه المهمة.
وتختم أرديل بالإشارة إلى أن جنوب لبنان يمر بفترة صعبة، في ظل ما شهدته السنوات الأخيرة من نزاع واسع ودمار وعدم استقرار على جانبي الخط الأزرق، إلا أن "اليونيفيل" تواصل عملها ودعمها للمجتمعات المحلية، في محاولة لإعادة بناء الاستقرار الذي فُقد، باعتباره المدخل الوحيد لتحقيق سلام طويل الأمد ضمن إطار القرار 1701.
حذّرت الخبيرة البيئية هلا كيلاني، في حديثها لـ"يورونيوز"، من خطورة مادة "الغليفوسات" التي جرى رشها، مؤكدة أنها مبيد قاتل للأعشاب يقضي على الغطاء النباتي بالكامل ويُسرّع التصحر، وأن استخدامه محظور بموجب القانون الدولي، لا سيما عند استعماله بهذه التركيزات المرتفعة. وأشارت إلى أن المستويات المستخدمة تفوق المعدلات المقبولة دوليًا، ما يشكّل مخالفة واضحة وخطيرة.
وتوضح كيلاني أن "الغليفوسات"، عند استخدامها بهذه الطريقة، لا تدمّر النباتات فحسب، بل تُلحق أضرارًا مباشرة بالتربة والمياه، فضلًا عن تقويض قدرة السكان على العودة إلى أراضيهم واستئناف أنشطتهم الاقتصادية، ولا سيما الزراعية.
وتلفت كيلاني إلى أن خطورة رش الغليفوسات جوًا تفوق بكثير أي استخدام آخر، نظرًا لانتشارها فوق مناطق مأهولة بالسكان وأراضٍ زراعية ومحاصيل غذائية، في غياب أي ضوابط. وتشدد على أن هذه المادة تُستخدم عادة بشكل محدود جدًا وفي أماكن ضيقة، مثل جوانب الطرق، وليس عبر الرش الجوي العشوائي الذي يطال مساحات واسعة.
وعن المخاطر الصحية، تُشير إلى أن هذه المادة تُحدث تداعيات خطيرة على صحة الإنسان إذ تزيد من خطر الإصابة بالسرطان. وتوضّح أن التعرض المباشر لها قد يسبب عوارض فورية مثل تهيّج الجلد واحمرار العينين ومشكلات في النظر، السعال، وصعوبة التنفس ، والغثيان، والإسهال، داعية إلى استشارة الأطباء فورًا عند ظهور أي أعراض، والابتعاد عن المناطق المتضررة، وتجنّب استهلاك أي منتجات زراعية من دون غسلها جيدًا.
في ما يتصل بالمسار الرسمي، تؤكد كيلاني ضرورة التنسيق الفوري بين وزارات الزراعة والصحة والبيئة، وتوثيق ما جرى بدقة، من حيث نوع المادة وكمياتها والتوقيت والحالات الصحية المسجّلة.
وتشدد على أهمية رفع هذه المعطيات إلى الجهات الدولية المعنية، وفي مقدّمها منظمة الصحة العالمية WHO، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP، ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية OCHA، ومنظمة الأغذية والزراعة FAO، تمهيدًا لإعداد ملف متكامل يُستخدم للملاحقة القانونية وفق القانون الدولي.
وتؤكّد كيلاني لـ"يورونيوز" أن الانتهاكات البيئية لا تقل خطورة عن غيرها من الجرائم، وأن التعامل معها إعلاميًا فقط غير كافٍ، إذ يجب ملاحقتها قانونيًا بوصفها جزءًا من نهج تدميري يستهدف الإنسان وكل مقومات بقائه، من مياه وغذاء وبيئة سليمة. وتعتبر أن حماية الأراضي الزراعية هي مصلحة وطنية عامة، لأن هذه الزراعة تمثل غذاء البلد كله، لا مجرد مورد لسكان القرى المتضررة.
وتندرج هذه الحادثة ضمن سلسلة طويلة من الانتهاكات البيئية في جنوب لبنان، إذ سبق أن وُجهت اتهامات لإسرائيل باستخدام الفوسفور الأبيض والقنابل الحارقة، ما أدى إلى إحراق مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وبساتين الزيتون والغابات، وخلّفت الحرب الإسرائيلية الأخيرة تربة ملوثة بالمعادن الثقيلة.
وفي أبريل 2025، أفادت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة بأن الحرب الإسرائيلية الأخيرة تسببت بأضرار وخسائر تجاوزت 700 مليون دولار في القطاع الزراعي اللبناني، لا سيما في الجنوب وسهل البقاع، وسط تقديرات تشير إلى أن هذا التدمير البيئي يهدف إلى جعل جنوب لبنان غير صالح للعيش.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة