آخر الأخبار

العلويون بعد أحداث الساحل: تشتّت في التمثيل السياسي.. ووحدة في الموقف تجاه السلطة

شارك

رغم وحدة مطالبهم بعد أحداث الساحل في آذار/مارس 2025، يعيش العلويون تشتّتًا حادًّا في التمثيل السياسي، مع تعدّد الزعامات وغياب إطار جامع، ما حوّل هذا التنوّع من تنافس على رؤى سياسية إلى سباق تحكمه المخاوف على وجود الطائفة بحد ذاتها.

بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، خرج العلوبون من تحت عباءة سلطة لطالما استخدمت هذه الطائفة وسيلة لتثبيت سطوتها على الصعيدين الاجتماعي والعسكري. لكن في المقابل، حُرم هؤلاء من أي دور سياسي أو تمثيلي حقيقي. فعلى مدى عقود، قُيّد وجودهم داخل مؤسسة الجيش والأجهزة الأمنية، وبقيت المطالب المدنية والسياسية مغيّبة عن النقاش الوطني.

مع انهيار النظام، علق السوريون آمالا كبيرة على أجواء أكثر حرّية، لكنهم تفاجؤوا بعد أقل من 3 أشهر، باندلاع موجة عنف في مارس 2025 استهدفت العلويين في جبلة وريف حماة وبانياس، لتُظهر بوضوح هشاشة وضع هذه الطائفة في غياب الضمانات الدستورية والسياسية.

في أعقاب تلك المجازر، التي قُتل فيها مئات المدنيين -بينهم نساء وأطفال- وطُردت عائلات بأكملها من قراها، ظهرت على السطح تيارات علوية متعددة، بعضها في الداخل وبعضها في الشتات.

وعلى الرغم من اختلاف المسميات وأشكال التمثيل، فإن هذه التيارات تتقاطع في جوهر مطالبها: الأمان، العدالة للأفراد لا للجماعة، الاعتراف السياسي، الإنقاذ الاقتصادي لمنطقة لساحل. لكن هذا التوافق في الجوهر يصطدم بواقع التشتت التنظيمي، وتكاثر الزعامات، وغياب إطار جامع يوحّد الجهود.

القاسم المشترك: "انتهاكات دون تمييز"

من برلين، يؤكد الدكتور علي عبود، رئيس مجلس إدارة اتحاد العلويين السوريين في أوروبا، لـ "يورونيوز" أن ما يجمع كل التيارات العلوية -حتى تلك التي كانت معارضة للنظام السابق- هو تعرضها "لكل أنواع الانتهاكات دون تمييز".

ويشرح أن هذه الانتهاكات لم تبدأ ولم تنته بما حدث في آذار مارس 2025، بل امتدت لتشمل الفصل التعسّفي من الوظائف لأسباب طائفية، والتهجير القسري من القرى والبيوت، وحرق الأراضي والمحاصيل الزراعية، والاعتداء على المقدسات الدينية، وخطاب الكراهية والتحريض الطائفي. لكن الأخطر، وفق عبود، هو "الاعتقال التعسّفي لأبناء الطائفة بداعي وشبهة "الفلول" (بقايا النظام السابق)، حيث يوجد اليوم ما يقارب 14 ألف معتقل دون محاكمات، ولا حتى تهم أو إدانات واضحة. فيكفي أن تكون علوياً ليكون اعتقالك مبرراً من قبل السلطة المؤقتة"، يقول المتحدث.

هذا التوصيف القاتم للواقع السوري من شخصية تعيش في الخارج، يجد من يؤكده في الداخل أيضا. ففي حمص متلا التي شهدت انعقاد الاجتماع التأسيسي لهيئة المجالس العلوية في الأول من أيار 2025، و في حديث مع "يورونيوز"، يكشف أحد أمناء الهيئة -الذي طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية- أن "المجتمع (الدولي) لم يقدم بالفعل ولا كلمة بحق مظلومية الطائفة".

ويصف المتحدث الوضع الإنساني بأنه كارثي: "في دمشق وحدها هناك 50 ألف عائلة دون رواتب، وعساكر سجناء وآخرون بلا هوية ومتقاعدون". ويؤكد أن "التهمة موجودة دائماً: فلول، بأي وقت تُستحضر".

وحدة المطالب

نتيجة هذه التجربة الصادمة، برز "هاجس الأمان ومنع الانتقام" كأولوية قصوى، وفق عبود، الذي يضيف أن هذا الخوف الجماعي دفع بالطائفة إلى تبني مطلبيْن جوهرييْن: الأول هو "تمييز الفرد الفاعل عن الجماعة"، وهو مبدأ تدعمه التقارير الدولية حول مخاطر "الإسناد بالهوية"، والثاني هو "المطالبة بالاعتراف السياسي عبر تمثيل ضمن ترتيبات انتقالية، وضمانات دستورية وقانونية لحقوق المواطنة المتساوية وعدم التمييز".

لكن هذا المطلب يصطدم برفض رسمي بحسب الشخصية التي رفضت الكشف عن اسمها فهي تؤكد أن "المجالس العلوية في سوريا غير معترف فيها من قبل السلطة، ولا تقبل بتوحّد الطائفة لأنها تهدد مصالحها".

ويذهب المتحدث إلى التشكيك في شرعية أي تمثيل رسمي، قائلاً: "مجلس الشعب لا يمثل شعبي، أنتم من وضعهم وليس نحن من انتخبناه".

التشتت التنظيمي: اختلاف في الطريقة والمقاربة لا في الجوهر

رغم تشابه المطالب الأساسية، يبدو المشهد العلوي أكثر تشتتاً من أي وقت مضى. ويعزو رئيس مجلس إدارة اتحاد العلويين السوريين في أوروبا، علي عبود هذا التشتت إلى ثلاث طبقات متراكبة: الأولى هي "صدمة ما بعد الانهيار وفقدان مركز الثقل"، إذ إن "النظام السابق لم يكن مجرد سلطة؛ كان أيضاً 'واسطة' بين قطاعات من العلويين والدولة (وظائف، أمن، شبكات). فبسقوطه، تفتّتت المرجعيات".

والثانية هي "الانقسام الاجتماعي - الاقتصادي داخل الطائفة: الساحل، المدن، الريف، الفقراء، بقايا الأجهزة، والشتات.. لكلٍّ مخاوف وأولويات مختلفة (معيشة، ثأر، اعتقال، مصادرة، هجرة)".

أما الثالثة، فهي "البيئة الانتقالية التي لم تُقنَّن سياسياً بالكامل"، ما يدفع إلى "تكاثر 'التمثيلات' وتتسابق على الشرعية".

ويقرّ عبود بأن لهذا التعدد جانباً "صحياً": "بعد عقود من الحكم الأمني والمركزي، من الطبيعي أن تظهر تيارات متعددة داخل أي جماعة، وهذا بحد ذاته مؤشر على الخروج من 'التمثيل القسري' الواحد".

ولكنه يحذر من أن "التعدد يصبح مشكلة حين يغيب سقف جامع (برنامج حقوقي - وطني) وحين تتحول المنافسة إلى تشكيك متبادل أو إلى ارتهان لقوى خارجية".

ويخلص إلى أن "التعدد بذاته ليس أزمة؛ الأزمة هي غياب إطار سياسي وقانوني يضمن الحقوق بالتساوي، لأن غياب الضمانات يحوّل التعدد إلى سباق خوف بدل أن يكون تنافس برامج".

وفي هذا السياق، يوضح عبود أن "ما يفرّق العلويين هو غير موجود بالمعنى الصحيح للتفرقة، وإنما هو اختلاف وليس خلافاً في أدوات الفعل السياسي". فبعض المبادرات "تعمل عبر الشتات والمحاكم والضغط الحقوقي (مثل تحركات في فرنسا وألمانيا)"، وأخرى "عبر شبكات محلية أهلية أو طرح 'حماية ذاتية' في بيئات متوترة".

ويؤكد أن اتحاد العلويين السوريين في أوروبا "قد سار بالفعل قدماً في المسارات السياسية والقانونية والقضائية والاجتماعية معاً، لتشكيل منظومة شاملة لمسارات العمل الذي تطلبه الطائفة، وجامعة للرؤى والأفكار، بما يؤدي في النتيجة إلى تشكيل حالة جمعية وردم أسباب اختلاف التيارات المتعددة".

مصدر الصورة حي المزة 86 في دمشق ذو الغالبية العلوية 2026 يورونيوز

المطالب من سلطة دستورية مستقبلية

ويوضح عبود أن السلطة الحالية "سلطة مؤقتة جاءت بتفاهمات استخباراتية مبنية على مصالح دول خارجية، ولذلك فهي لا تمثل الشعب السوري".

ويضيف، أما في حال مجيئ سلطة جديدة بتوافق شعبي وشكل دستوري، فإن مطالب العلويين هي كالتالي: "أمن محلي غير انتقامي، ووقف الاعتقالات العشوائية والقتل خارج نطاق القانون، وضبط المجموعات المسلحة، ومحاسبة شفافة على أحداث الساحل وغيرها"؛ و"عدالة انتقالية 'فردية' لا 'هوياتية': محاسبة الجناة باعتبارهم أفراداً وتشكيلات، لا طائفة"؛ و"تمثيل وإدماج: أي السماح بالمشاركة في الإدارة المحلية والأجهزة المدنية وفق معايير مهنية، وإشارات دستورية صريحة ضد التمييز"؛ و"ملف اقتصادي - خدماتي."

ويؤكد عبود أن الساحل تحديداً يحتاج إلى خطة إنقاذ معيشية (وظائف، كهرباء، إعادة إعمار، تعويضات) لأن "العيش الكريم" ليس شعاراً بل شرط للاستقرار وفق تعبيره.

المجتمع الدولي: خطاب بلا ضغط حاسم

أما عن دور المجتمع الدولي، فيطالب عبود بـ"ربط الدعم، ورفع العقوبات الجزئي، وتقديم المساعدات بمعايير حماية المدنيين والمساءلة وإصلاح القطاع الأمني"، إضافة إلى "دعم آليات التحقيق والتوثيق وحماية الشهود".

لكن المتحدّث يقر بأن الضغط الدولي "خطابي إجرائي محدود، وليس ضغطاً حاسماً". فمجلس الأمن أصدر بيانات إدانة، ولجنة أممية للتحقيق دعت علناً إلى إنهاء العنف ضد العلويين، "لكن عملياً، الأولويات الدولية غالباً تميل إلى: منع انهيار الدولة، مكافحة الإرهاب، إدارة اللاجئين، ومنع حرب جديدة، وهذه قد تُهمّش الملفات الحقوقية إن لم تُربط بشروط سياسية واضحة".

ويحدد عبود مواقف الدول الكبرى: روسيا تتحرك بـ"مصلحة استراتيجية واضحة: الحفاظ على نفوذ وموطئ قدم عسكري، مع إدارة صورتها بوصفها 'فاعلاً أمنياً'". أما فرنسا وأوروبا، فميزانهما "يميل إلى حقوق الإنسان واللاجئين و الاستقرار". فيما تتعامل الولايات المتحدة مع الملف ضمن "حساب رئيس: منع فراغ أمني، مكافحة الإرهاب، ومنع موجات عنف جديدة".

مصدر الصورة حي المزة 86 في دمشق ذو الغالبية العلوية 2026 يورونيوز

الرواية من الداخل: أرقام واتهامات ورفض للتمثيل الخارجي

في المقابل، يقدم المسؤول في مجلس أمناء المجالس العلوية رواية أكثر تفصيلاً. ويؤكد أن عدد أفراد الطائفة في سوريا اليوم "يتعدى 6 ملايين و400 ألف شخص موزعين على خمس محافظات"، ويقول إن"السبب الأول لهذا العدد الكبير هو عدم وجود علويين في المهجر فهم يعيشون حصرا في سوريا". ويؤكد المتحدث أن "الإعلام يحاول تصوير مظالم العلويين بوصفهم أشخاصاً وليست مرتبطة بحقوق الناس وأكلها وشربها".

ويشدد على أن " التيارات في المهجر لا تمثل العلويين لا سياسياً ولا دينياً ولا اجتماعياً"، وأنه "لا يوجد هناك أي دولة متعاطفة مع المجتمع العلوي".

الجدل حول غزال غزال

ويتناول المسؤول العلوي قضية الشيخ غزال غزال بتفصيل دقيق، ويقول: "دعوات الشيخ غزال غزال هي كلمةُ حق يُراد بها باطل لخدمة الأكراد وسواهم. والدعوات اللاحقة غير صحيحة" ويمضي في كلامه قائلا: "يوم كان العلويون يُذبحون في شهر آذار، كان الأكراد يوقّعون اتفاقية".

ويضيف المتحدث أن "الشيخ ليس له مجلس وليست له أرضية. نحن مع دعواه من حيث النتيجة ومع كل شخص يطالب بالحقوق، لكن ليست له أرضية (شعبية). اتصلنا معه لم يتواضع (لم يتنازل) ولم يجب على تواصلنا. دعيناه على اجتماع وليس لنا مشكلة من يكون رئيس الطائفة هو أو غيره، لم يقبل ربما كان مأموراً من جهات ما" وفق تعبيره.

وعن موقفه من اللقاءات الرسمية مع السلطة في دمشق، يقول المسؤول العلوي: "طالبنا بلقاء أحمد الشرع لكنه لم يقبل أن يلتقي بنا، واليوم ليست لنا مصلحة في لقائه حتى تتحقق المطالب". ويشرح المتحدث سبب الرفض قائلا: "كيف نلتقي وما زال العلوي يُطرد من عمله ويبقى بلا أكل وعمل؟ حتى هو لا يستطيع لقاءنا لأن جمهوره سيحتج على ذلك".

السجناء: رهائن سياسية

ويصف وضع المعتقلين بأنهم "رهينة سياسية بلا سبب، لأجل جمهور السلطة". ويؤكد أن "من أصل 10 آلاف خرج 900 شخص"، موضّحاً أن "الوضع الدولي هو من يفرض خروج السجناء وليس مرتبطاً بنشاط السلم الأهلي". ويؤكد المتحدث أن "السجناء أبرياء، كانوا يخدمون في جيش الوطن وليس ذنبهم أنه جيش سابق". ويكشف المتحدث أن "هناك سجوناً جيدة وسجوناً قمة في الإهانة حسب تصنيف الأمم المتحدة"، ويوضح أنهم "التقوا بوفود من الأمم المتحدة وقدّموا مطالبهم".

ويرفض أمين هيئة المجالس العلوية أن تُختزل هوية طائفته في الجانب الأمني أو السياسي. ويقدم رؤية فلسفية عميقة قائلا: "الفكر العلوي إنساني. خُلق مع خلق الإنسان على الأرض، أخذ من اليونان فلسفته، ومن الهند روحانيته، ومن المسيحية لاهوتها، ومن اليهودية تجربتها، ومن الإسلام شريعته، ومن آل البيت ثقافتهم".

وفي مسألة المساءلة، يرفض المتحدث أي شكل من أشكال الانتقائية فيقول: "أنا مع أن يُحاسب الجميع. هناك مجازر عدرا العمالية وسجن التوبة -التي قام بهما جيش الإسلام- ومجازر اللاذقية عام 2013. الحساب للجميع، وليس لعسكري نفّذ أمراً. يجب على من أعطى الأمر أن يُحاسب".

ويختتم حديثه برسالة أمل مفادها: "لا تموت الحقوق بعدم تنفيذها. هي حقوق شعب. وسيأتي يوم تُعاد فيه هذه الحقوق".

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا اسرائيل مصر إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا