آخر الأخبار

منتدى الجزيرة يناقش تأثير الفضاء الرقمي في تشكيل الرأي العام

شارك

الدوحة- ناقش منتدى الجزيرة الـ17 ب الدوحة التحولات العميقة التي يشهدها الفضاء الرقمي، وصعود صناعة المحتوى بوصفها فاعلا رئيسيا في تشكيل الرأي العام وإعادة صياغة السرديات السياسية والإنسانية، لا سيما في سياق الحروب والصراعات.

وفى جلسة بعنوان "ظاهرة المؤثرين ودورها في صناعة السرديات"، أكد مشاركون من صنّاع المحتوى والصحفيين أن الفضاء الرقمي أصبح أحد أبرز ميادين التأثير في الرأي العام وصناعة السرديات، في ظل تصاعد دور المنصات الرقمية وتراجع ثقة الجمهور بالإعلام التقليدي، مما أسهم في تداخل الأدوار بين الصحافة المهنية وصناعة المحتوى، خصوصا في تغطية النزاعات والأحداث الكبرى.

وأضافوا أن الواقع الجديد يفرض على جميع العاملين في المجال الإعلامي وصنّاع المحتوى الالتزام بالدقة والشفافية، مؤكدين أن كل من يساهم في نقل المعلومات أو توثيق الأحداث يلعب دورا مهما في تشكيل الصورة العامة، خاصة في ظل القيود على وصول الصحفيين المهنيين إلى مناطق النزاع.

مصدر الصورة ميريام فرنسوا: ما يجري في الفضاء الرقمي لا ينفصل عن صراع أوسع على السرديات (الجزيرة)

أداة دعائية

وتطرقت الجلسة إلى العلاقة المركبة بين الصحافة المهنية والمؤثرين، وأبرزت كيف أصبحت منصات المحتوى الرقمي أول ساحات حرب للمعلومات والسرديات، مع تراجع قدرة الإعلام التقليدي على محاسبة السلطة وكشف الحقيقة، مما يفسح المجال أمام ظهور أصوات متعددة من الصحفيين والمواطنين وصنّاع المحتوى لنقل الأحداث والتجارب الإنسانية بشكل مباشر.

وتناولت الباحثة ومخرجة الأفلام الوثائقية ميريام فرنسوا -في حديثها عن الفضاء الرقمي- ما يُعرف بـ"اقتصاد المؤثرين"، قائلة إنه لا يمكن النظر إليه بوصفه مساحة بريئة أو عفوية، ولكنه بات يشكّل اليوم أداة تسويق ودعاية تستخدمها الشركات الخاصة والأفراد والحكومات على حد سواء للتأثير في الرأي العام وصياغة السرديات.

إعلان

وأوضحت أن هذا الاقتصاد شهد نموا هائلا خلال السنوات الخمس الماضية، إذ تضاعف حجمه 3 مرات، مع توقعات بوصوله إلى ما بين 35 و120 مليار دولار في السنوات القليلة المقبلة، معتبرة أن هذا التوسع يعكس حجم الاستثمار الموجَّه للتأثير في الفضاء الرقمي.

وشهد هذا الفضاء الرقمي بروز أصوات مهنية، وفقا لها، من بينها صحفيون مدرَّبون تمكنوا من نقل معلومات دقيقة وضرورية في لحظات مفصلية، إلا أنه يجب الحذر من تمجيد فضاء المؤثرين، إذ إن كثيرين منهم يتقاضون اليوم ملايين الدولارات مقابل الترويج لرؤى محددة للعالم.

وشددت فرنسوا على أن ما يجري في هذا الفضاء لا ينفصل عن صراع أوسع على السرديات، لافتة إلى ضخ أموال طائلة لتوجيه الخطاب العام، وضربت مثالا بمحاولات إنفاق عشرات الملايين من الدولارات للتأثير في المصطلحات والمفاهيم المتداولة على المنصات الرقمية.

وأكدت أن الاعتقاد بوجود مؤثرين "حسَني النية" يعملون بمعزل عن التمويل والتوجيه هو تصور مضلل، داعية إلى التدقيق في مصادر التمويل، ومن يدفع لمن ولماذا، موضحة أن الطرف المقابل في هذه المعركة يتلقى دعما ماليا يفوق بكثير إمكانيات الصحفيين المستقلين وأصحاب المبادرات المهنية.

موجات تضليل

وقالت فرنسوا "لقد بات الفضاء الرقمي ساحة معركة حقيقية، بل وأول ساحات حرب السرديات، كما أن الصحافة اليوم هي شكل من أشكال حرب المعلومات، وهدفها الأساسي إيصال المعلومات الدقيقة إلى الجمهور".

وأشارت إلى أن استطلاعات الرأي الحديثة، ومنها استطلاع أجرته مؤسسة "غالوب" عام 2026، أظهرت تراجع الثقة بوسائل الإعلام التقليدية إلى أقل من 28%، مقابل انتقال هذه الثقة إلى الفضاء الرقمي، حيث يندمج دور الصحفي مع دور المؤثر.

من جانبه، قال الصحفي ومقدم برامج البودكاست أحمد شهاب الدين إن تجربته -بوصفه صحفيا وفلسطينيا في الوقت نفسه- جعلته يدرك منذ اللحظة الأولى ما الذي كان قادما، والمتمثل في موجات واسعة من التضليل الإعلامي، وغياب السياق، ونشر المعلومات المضللة بشكل متعمد.

وأكد أن قوة ظاهرة المؤثرين في تشكيل السرديات تعود أساسا إلى تخلي جزء كبير من الإعلام التقليدي عن دوره الجوهري، والمتمثل في محاسبة السلطة وكشف الحقيقة، مشددا على أن الجمهور بات اليوم أكثر تفاعلا مع القصص الإنسانية الصادقة والتجارب الحقيقية.

وأوضح شهاب الدين أنه في الأيام الأولى للأحداث في قطاع غزة كان تفاعله إنسانيا وعاطفيا بالدرجة الأولى، مضيفا أنه لم يكن يتناول الطعام أو ينام واستطاع أن ينتج نحو 20 مقطع فيديو يوميا، معتبرا أن ذلك كان رد فعل طبيعيا على محاولات المحو ونزع الإنسانية التي لا يزال الشعب الفلسطيني يتعرض لها.

وتحدث عن استبدال الصحافة بالمؤثرين، مبيّنا أن ما غيّر السردية الفلسطينية وساهم في وصولها للعالم كما هي بصورتها الحقيقية هو ما سماه "فقدان الاحتكار" للإعلام التقليدي، إذ لم تعد الدول ولا وسائل الإعلام التقليدية تتحكم بمن يروي القصة أو متى تُروى، بل أصبحت تُروى من الجمهور.

تجربة قاسية

من ناحيتها، قالت مراسلة قناة الجزيرة في فلسطين نجوان سمري إن ما جرى خلال العامين الماضيين مع اندلاع الحرب على غزة، شكّل تجربة بالغة القسوة على المستويين الإنساني والمهني، موضحة أنها شعرت في البداية بحالة من الاستفزاز والضغط الشديد، خصوصا مع الانتشار الكثيف للمحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحول عدد كبير من الأشخاص إلى فاعلين في الفضاء الرقمي.

إعلان

وأضافت سمري أن الشعور السائد في تلك المرحلة كان أن الجميع يحاول القيام بدوره منفردا، في ظل واقع بالغ القسوة، وغياب القدرة على الوصول المباشر إلى قطاع غزة، مشيرة إلى أن هذا الإحساس لم يكن فرديا، بل شكّل حالة عامة لدى الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي الذين كانوا يرون أن الجميع تحولوا إلى صحفيين ومراسلين بدون قيود مهنية.

وأوضحت أن الصحفيين، بحكم طبيعة عملهم المهني، ملزمون ببذل جهد مضاعف في التحقق من الأخبار والعودة إلى المصدر الأول، والعمل ضمن إطار منهجي وأخلاقي صارم تحكمه ضوابط المهنة وأخلاقياتها، وهي قيود لا يخضع لها صانعو المحتوى أو المؤثرون في كثير من الأحيان، مما يمنحهم سرعة وانتشارا أوسع، وقدرة أكبر على التعبير المباشر، حتى وإن شاب هذا المحتوى أحيانا مبالغة أو أخطاء.

وأكدت أن هذا الواقع يفرض ضرورة إعادة تعريف مفهوم الصحافة، مشددة على أن نقل المعلومة ومشاركة الواقع الإنساني باتا مسؤولية جماعية، وأن كل من يرفع هاتفه لينقل ما يحدث يؤدي دورا ضمن هذه المنظومة، لا سيما في ظل منع الاحتلال الإسرائيلي للصحفيين من دخول غزة.

فجوة ثقة

من جهته، قال رئيس الائتلاف العالمي لمناهضة الاحتلال الإسرائيلي، سيف أبو كشك، إن تجربة " أسطول الصمود" عكست بوضوح تحوّلا عميقا في طبيعة معركة السردية، مشيرا إلى أن وجود صحفيين محترفين إلى جانب كاميرات قناة الجزيرة، ومراسلين متعددين، وصناع محتوى ومؤثرين من خلفيات مختلفة، لم يكن أمرا عشوائيا بل مقصودا، انطلاقا من الإيمان بأن تنوع الزوايا يثري السردية ويمنحها بُعدا إنسانيا ومهنيا في آن واحد.

وأوضح -في تصريح للجزيرة نت- أن صناعة السردية لم تكن يوما حِكرا على صناع المحتوى، بل هي معركة قديمة خاضتها الأحزاب السياسية، ثم وسائل الإعلام، وصولا إلى الشعوب نفسها، إلا أن ما تغيّر اليوم هو تراجع الثقة بالإعلام التقليدي نتيجة انخراط بعض مؤسساته في نقل روايات زائفة أو منحازة لقوى استعمارية، الأمر الذي خلق فجوة ثقة واسعة بين الجمهور ومصادر الأخبار.

ويضخ الاحتلال الإسرائيلي، لا سيما في ما يتعلق ب القضية الفلسطينية، أموالا هائلة في معركة السردية، في محاولة لتزييف الواقع وتشويه صورة غزة، "تلك المعركة التي تُعد من أخطر وأهم المعارك في المرحلة الراهنة، نظرا لتأثيرها المباشر على الرأي العام العالمي وصناعة القرار السياسي".

ولا يشكل صناع المحتوى كتلة واحدة متجانسة، بل يأتون من خلفيات متعددة، تشمل ناشطين بيئيين وحقوقيين وإنسانيين ومشاركين في الحركات الشعبية، وكل منهم يساهم في نقل جزء مختلف من الصورة، حسب أبو كشك، الذي أوضح أن الهدف من هذا التنوع هو تمثيل جميع مكونات المجتمع، من الصحفي والبرلماني والطبيب، وصولا إلى المواطن العادي.

وشدد على أن ما يشهده العالم اليوم يمثل مرحلة مفصلية في تاريخ الإعلام، تتقاطع فيها الصحافة المهنية مع صناعة المحتوى، مؤكدا أن التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على الدقة والمصداقية، دون التفريط بإنسانية القصة أو بحق الناس في الوصول إلى الحقيقة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا