في بيت أحالته النيران إلى سواد لكنها لم تستطع محو الذكريات، تقف أُم فلسطينية أمام فراغ أثقل من الركام، بعد أن أحرق جيش الاحتلال الإسرائيلي منزلها، فلم تعد الجدران شاهدة على حياة كانت تضج بين أركانه، بل على حكاية فقد مركب، تختلط فيها الشهادة بالأسر، والموت بالانتظار.
قبل عامين تقريبا، في 23 فبراير/شباط 2024، كان أبناء عائلة ماضي مجتمعين في هذا المنزل: فتيات في مقتبل العمر، وشابان، أحدهما يوسف ابن السيدة تحرير ماضي. فجأة، اقتحمت قوات الاحتلال المنطقة، لتتحول اللحظات الأخيرة في البيت إلى لغزٍ دموي.
بعد انسحاب القوات، لم يبق سوى منزل محترق، وأثر جريمة لم تتضح ملامحها كاملة.
بعد 4 أيام، عادت الأم إلى المكان. كانت أول من وصل، تصف المشهد بصوتٍ مثقل: "في غرفة كومة عظام، وفي أخرى 3 كومات. 4 رفات، بلا ملامح، بلا هوية. حضرت فرق الدفاع المدني واللجان المختصة، وانتشلت الرفات، لكن التعرف على أصحابها كان مستحيلا. قيدوا، قتلوا، ثم أحرقوا"، وذلك وفق ما ترجح لدى الجهات المعنية.
في خضم هذا الغموض، صدرت شهادات وفاة لـ4 فتيات، من بينهن ملاك، ابنة تحرير ذات الـ20 عاما. أغلقت القصة على هذا الأساس: الفتيات شهيدات، ويوسف وعمه أسيران، بعدما وجدت قيود قرب باب المنزل. مضت الشهور، والأم تعيش على يقينٍ موجع: ابنتها في عداد الشهداء.
لكن الصدمة جاءت متأخرة، ففي 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ظهر اسم ملاك ضمن قوائم الأسرى. شهادة حياة لفتاة متوفاة، وأم تنتقل من الحزن إلى ذهول ممزوج بالأمل والخوف. منذ ذلك اليوم، تحاول العائلة معرفة أي معلومة مؤكدة: أين ملاك؟ كيف حالها؟ هل ترى الشمس؟
ملاك، طالبة تمريض ومتطوعة في مستشفى ناصر الطبي لأشهر طويلة خلال الحرب، عادت مع شقيقها إلى المنطقة لإحضار كتبها وكتب "التوجيهي" الخاصة به. لم يعودا. هو مفقود، وهي أسيرة، وفق ما تسرب من أسماء بلا تفاصيل. لا زيارة، لا اتصال، ولا خبر يقين.
تقول الأم إنها كل صباح تعد أبناءها، فتجد العدد ناقصا. لا تعرف إن كانت ابنتها في زنزانة بعيدة، أم إن مصيرها مجهول كما مصير يوسف. "نحن راضون بقضاء الله"، تقول، "لكن الوجع أن تعيش الأم بين احتمالين: الموت أو الأسر، بلا جواب".
رسالة تحرير ماضي إلى العالم بسيطة وقاسية في آن: لا تطلب شفقة، بل موقفا. أن تعامل ملاك كابنة لكل من يسمع قصتها، وأن يعرف مصير يوسف، وأن يسمح لمحام أو جهة حقوقية بزيارتهما. "أريد فقط طرف خيط"، تقول أم احترق قلبها قبل بيتها.
في هذا المنزل المحروق، تعود العائلة لا لتستعيد ما فُقد، بل لتقول إن الألم لم يكسرها. بين رفاتٍ صامتة، وشهادة وفاةٍ كتبت على عجل، واسم ظهر فجأة في قوائم الأسرى، تبقى القصة مفتوحة.. وقلب أُم معلقا على باب قد يطرق يوما.
المصدر:
الجزيرة