تابعت الأوساط السياسية والإعلامية في إسرائيل باهتمام وقلق جولة المحادثات التي عقدت في العاصمة العمانية مسقط بين الولايات المتحدة وإيران.
وفي حين وصفت طهران الجولة بـ"الإيجابية"، واعتبرها وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي مفاوضات "جادة للغاية ومفيدة لتوضيح وجهات النظر"، أجمعت القراءات الإسرائيلية على غياب "الاختراق الملموس"، معتبرة أن المسار لا يزال محكوما بسقف "إدارة الأزمة" وتجنب التصعيد.
وذكرت قناة "كان" الإسرائيلية الرسمية أن المحادثات جرت في أجواء "حذرة وحساسة" ولم تسفر عن تقدم ملموس، رغم اتفاق الجانبين على مواصلة المسار التفاوضي. وأشارت القناة إلى أن المحادثات تركزت بشكل شبه كامل على الملف النووي، وتحديدا مستويات تخصيب اليورانيوم وآليات الرقابة.
ووفقا لتقديرات القناة، فإن إسرائيل تتابع هذه اللقاءات بحذر، إذ تسود قناعة في تل أبيب بأن واشنطن تسعى إلى "تفاهم مرحلي" يهدف فقط إلى خفض التوتر ومنع التصعيد، وليس التوصل إلى اتفاق شامل يعيد فرض قيود واسعة على البرنامج النووي الإيراني.
واعتبرت القناة أن الأيام المقبلة ستظهر ما إذا كانت جولة مسقط ستبقى ضمن إطار "إدارة الأزمة" أم تمهد لمسار تفاوضي أوسع وأكثر استدامة.
من جانبه، قدم رون بن يشاي محلل الشؤون العسكرية في صحيفة يديعوت أحرونوت، قراءة وصف فيها المحادثات بأنها "اختبار لحدود التفويض" الممنوح للوفد الإيراني.
وأوضح بن يشاي أن التقديرات في إسرائيل تشير إلى أن المرشد الإيراني علي خامنئي لم يمنح وزير الخارجية عباس عراقجي صلاحيات كافية لإدارة مفاوضات موسعة.
ويرى بن يشاي أن دور الوفد الإيراني اقتصر على طرح أفكار تقنية، مثل تقليص مخزون اليورانيوم المخصب أو نقله إلى خارج البلاد (مع ترجيح روسيا كوجهة محتملة)، مع إصرار طهران على الإبقاء على مبدأ "التخصيب داخل إيران".
وبحسب القناة، فقد بعثت طهران برسائل ردعية تزامنا مع المفاوضات، محذرة من أن أي محاولة لتوسيع جدول الأعمال قد تؤدي إلى انسحابها الفوري، في محاولة لتعزيز موقعها التفاوضي دون تقديم "تنازلات جوهرية".
وأفادت صحيفة جيروزاليم بوست بأن إسرائيل نقلت "خطوطها الحمراء" مباشرة إلى المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف خلال اجتماع مطول مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقادة الأمن هذا الأسبوع.
وتصر تل أبيب، وفقا للصحيفة، على أن أي اتفاق يجب أن يتجاوز الملف النووي ليشمل: الوقف الكامل لتخصيب اليورانيوم وإزالة المخزون الحالي، وتفكيك برنامج الصواريخ الباليستية، وإنهاء دعم الحلفاء الإقليميين.
وسلطت صحيفة هآرتس الضوء على تباين لافت في الأهداف، ففي حين يطمح نتنياهو إلى "إسقاط النظام" كجزء من برنامجه الانتخابي المقبل، يبدو الرئيس دونالد ترمب معنيا بالتوصل إلى "اتفاق جديد".
وحذرت الصحيفة من أن إسرائيل تخشى أن يفقد ترمب اهتمامه بتنفيذ الاتفاق مستقبلا، أو أن يؤدي رفع العقوبات إلى "إضفاء الشرعية" على نظام استطاع تجاوز أزماته الداخلية واحتجاجاته الشعبية الأخيرة.
توقفت الصحافة الإسرائيلية، وتحديدا النسخة الإنجليزية لموقع صحيفة يديعوت أحرونوت، عند دلالات مشاركة قائد القيادة الوسطى الأمريكية (سنتكوم) براد كوبر ضمن الوفد الأمريكي، معتبرة أن وجوده يحمل "رسالة ضغط واضحة" تلمح بإبقاء الخيار العسكري مطروحا بالتوازي مع المسار الدبلوماسي.
كما لفت الموقع إلى أن انعدام الثقة تجلى في شكل المحادثات التي كانت "غير مباشرة بالكامل"، إذ غادر الوفد الإيراني قبل وصول الوفد الأمريكي، مما يعكس عمق الفجوة التي تحاول الوساطة العمانية تجسيرها.
وفي حين نقل موقع تايمز أوف إسرائيل تصريحات عراقجي التي وصف فيها المحادثات بـ"الإيجابية"، فإنه خلص إلى أن استمرار الحوار لا يعني تضييق الفجوة الجوهرية.
وتأتي المفاوضات بين البلدين في وقت تتصاعد فيه التوترات بينهما، وسط حشد عسكري أمريكي في المنطقة ضد طهران. وتؤكد طهران أن الإدارة الأمريكية وإسرائيل تختلقان ذرائع للتدخل العسكري وتغيير النظام فيها، وتتوعد بالرد على أي هجوم عسكري حتى لو كان محدودا، وتتمسك برفع العقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة عليها مقابل تقييد برنامجها النووي.
ويشكل تخصيب اليورانيوم نقطة خلاف رئيسية بين الطرفين، وتطالب إيران برفع العقوبات مقابل التزامها بتقييد برنامجها النووي بما يمنع إنتاج قنبلة ذرية.
في المقابل، تطالب الولايات المتحدة إيران بوقف أنشطتها لتخصيب اليورانيوم بشكل كامل، وإخراج اليورانيوم عالي التخصيب من أراضيها خارج البلاد.
كما سعت الإدارة الأمريكية إلى طرح برنامج إيران الصاروخي ودعمها للجماعات المسلحة في المنطقة على طاولة المفاوضات، لكن إيران أكدت مرارا أنها لن تتفاوض بشأن أي قضايا أخرى غير برنامجها النووي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة