يجري الحديث في الأساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية بشأن تصنيف قطر “دولة عدو لإسرائيل،، عقب إعلان رئيس المعارضة، عضو الكنيست يائير لابيد عزمه التقدم بمشروع قانون لإدراج قطر رسميا ضمن الدول المصنفة “عدوا”.
ولا يعد الحديث عن هذا الموضوع جديدا في إسرائيل، إذ سبق وأن أثير في أوقات التوتر بين إسرائيل والدوحة من دون أن يُترجم إلى تشريع نافذ.
ويبرر لابيد مبادرته بإن قطر رغم عدم تصنيفها رسميا حتى الآن كدولة عدو، انتهجت سياسة تتعارض مع المصالح الأمنية والسياسية لإسرائيل، بحسب قوله.
وقال لابيد إن الدوحة تدعم وتمول منظمات تصنفها إسرائيل إرهابية، وعلى رأسها حركة حماس، إضافة إلى استضافة عدد من قيادات الحركة.
ويستند تصنيف “الدولة العدوة” إلى قوانين تتعلق بعقوبات تجارية.
لكن طرح لابيد لا يقتصر على البعد القانوني بل يترافق مع خطاب سياسي يتهم قطر بالوقوف خلف شبكات تأثير إعلامي ودولي معادية لإسرائيل بما يتضمن شبكة “الجزيرة”، وتوظيف قضية “قطر غيت” التي تتعلق بمزاعم حول تلقي شخصيات مقربة من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو أموالا من جهات قطرية في حملة للتأثير السياسي والإعلامي داخل إسرائيل.
وكانت قطر قد نفت هذه الاتهامات، وأكدت في بيانات رسمية أن دورها يتركز على الوساطة الإنسانية والسياسية، وأن مثل تلك المزاعم تهدف إلى تقويض جهود التهدئة وتشتيت الانتباه عن الكلفة الإنسانية للحرب.
يقول د. مئير مصري، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية في القدس، إن دولة قطر لعبت دورا محوريا في دعم حركة حماس، من خلال تمويل التنظيم وإيواء مكاتبه وقياداته، وهو ما يجعل إدراجها ضمن قائمة الدول المعادية لإسرائيل خطوة مبررة، بحسب رأيه.
ويضيف أن الحكومة الإسرائيلية امتنعت عن اتخاذ هذه الخطوة لعدة أسباب، من بينها تفضيل التعامل مع قطر بسياسة الاحتواء بدلا من المواجهة، خاصة في ظل استمرار قنوات الاتصال المفتوحة مع الدوحة منذ عقود، إضافة إلى التخوف من أن يؤدي أي تصعيد مباشر معها إلى توتير العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي.
ويشير مصري إلى أن هذه تصنيف قطر يبدو قضية إشكالية نظرا لتعاون حكومات بنيامين نتنياهو المتعاقبة مع قطر في عدد من الملفات، ولا سيما ما يتعلق بإدخال الأموال إلى قطاع غزة على مدى ما يقارب خمسة عشر عاما.
رغم تقديم التعاون في إطار إنساني، يقول إن تلك الأموال استغلتها حماس في تعزيز قدراتها العسكرية. ويرى أن مبادرة يائير لابيد تنطوي على بعدين داخليين: أولهما مخاطبة الرأي العام الإسرائيلي بخطوة تحظى بتأييد واسع، وثانيهما إحراج رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على خلفية سنوات من التواصل مع القيادة القطرية، بما قد يستخدم سياسيا لتحميل الحكومة مسؤولية إخفاق السابع من أكتوبر.
ويضيف أن القيادة القطرية لا تؤدي دور الوسيط، بل تدعم حماس عبر التمويل والمساندة العلنية، معتبرا أن هذا الطرح يعكس مزاجا سائدا لدى شريحة واسعة من الإسرائيليين. وبناء عليه، يصف مبادرة لابيد بأنها خطوة سياسية ذكية يصعب معارضتها داخليا.
وفي هذا السياق، كشفت القناة 12 الإسرائيلية عام 2025 عن مبادرة تشريعية داخل الكنيست تهدف إلى تصنيف قطر قانونيا دولة داعمة للإرهاب. ومن شأن هذه الخطوة استحداث توصيف قانوني جديد يفرض قيودا واسعة على التبرعات والتبادل التجاري والعلاقات الدبلوماسية مع الدوحة.
وبحسب القناة، جاءت المبادرة بدفع من وزير الاقتصاد نير بركات، غير أن قيودا إجرائية حالت دون تقديمها باسمه مباشرة، ما دفع عددا من أعضاء الكنيست من أحزاب مختلفة إلى تبنيها.
وكان بركات قد صعّد خطابه تجاه قطر خلال عام 2024، مشككا في دورها كوسيط في المفاوضات مع حماس، وموجها اتهامات مباشرة للدوحة بدعم الحركة والوقوف خلف شبكة الجزيرة، رغم استمرارها في الحفاظ على علاقات وثيقة مع دول غربية.
يطرح تصاعد الدعوات لتصنيف قطر دولة عدوا بعد الحرب الأخيرة تساؤلات حول دوافعه.
يقول الدكتور عبدالله باعبود، المتخصص في العلاقات الدولية، إن توقيت طرح المسألة يعكس تصاعد التوتر الإقليمي وحساسية الرأي العام الدولي تجاه ما يجري في غزة، إلى جانب احتدام المنافسة على صياغة رواية الصراع. ويرى أن إثارة التصنيف في هذا الظرف تمثل جزءا من معركة سرديات، حيث يعاد رسم خطوط الاصطفاف ويجري ربط جهود الوساطة والدعم الإنساني بسياق أمني مشحون.
لماذا قطر؟
يوضح باعبود أن مجموعة من العوامل تجعل قطر هدفا منطقيا في هذا السياق، أبرزها دورها المركزي كوسيط قادر على التواصل مع أطراف متنازعة في وقت واحد، إلى جانب حضورها الإعلامي المؤثر في تشكيل الرأي العام الإقليمي.
ويضيف أن علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة تمنح أي ضغط عليها بعدا يتجاوزها ليحمل رسالة غير مباشرة إلى واشنطن، فضلا عن هامش الاستقلالية الذي تنتهجه في سياستها الخارجية.
ويختتم بالقول إن العلاقة مع حركة حماس تمثل الذريعة المباشرة في هذا الخطاب، غير أن الهدف الأوسع يتمثل في محاولة إعادة رسم حدود الدور القطري كوسيط، فيما يرتبط التوقيت بالسعي إلى إدارة السردية السياسية في لحظة تصعيد، ويعكس اختيار قطر وزنها الفعلي في هندسة قنوات الاتصال الإقليمية.
يقدم الدكتور علي الهيل، أستاذ جامعي ومحلل سياسي قطري، قراءة تضع استهداف الدوحة في سياق أوسع من خلافات ظرفية، معتبرا أن جذوره تعود إلى مواقف قطر الداعمة للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، إنسانيا وسياسيا.
ويرى أن هذا الموقف يرتبط بدورها الإقليمي في ملفات أخرى، بينها دعم الجيش السوداني في مواجهته مع قوات الدعم السريع، التي يقول إنها مدعومة من أبوظبي وتمثل، في هذا السياق، امتدادا لمصالح إسرائيلية في المنطقة.
ويقول الهيل إن استهداف قطر يندرج ضمن رؤية إسرائيلية أوسع تسعى، منذ سنوات، إلى تفتيت العالم العربي إلى كيانات ضعيفة تكرس هيمنتها الإقليمية، بعد تعثر محاولات فرض نفوذ مباشر على دول مركزية مثل سوريا ولبنان والعراق.
ويستحضر ما سبق أن أشار إليه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني من أن بنيامين نتنياهو يتطلع إلى تحويل المنطقة إلى مجال نفوذ إسرائيلي، وهو ما يصطدم، بحسب قوله، بالمواقف القطرية المستقلة.
ويضيف أن الدوحة اختارت عدم الانضمام إلى مسار التطبيع، خلافا لدول مثل الإمارات والبحرين، وواصلت دعمها لغزة، بما في ذلك دفع رواتب الموظفين وتأمين الكهرباء والغاز، رغم الحصار الإسرائيلي، وبالتنسيق مع الولايات المتحدة، بهدف الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار الإنساني في القطاع.
ويخلص الهيل إلى أن الدوحة تنظر إلى هذا التحرك الإسرائيلي باعتباره أداة ضغط ورسالة ابتزاز سياسي أكثر منه تهديدا فعليا، لا سيما في ظل تنسيق قطر مع الولايات المتحدة وشبكة علاقاتها الإقليمية والدولية، ما يجعل استهدافها مسارا معقدا وغير مضمون النتائج.
المصدر:
الحرة