هذا المقال بقلم كاثرين راسل المديرة التنفيذية لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) وعضو لجنة تحكيم جائزة زايد للأخوّة الإنسانية 2026، والآراء الواردة أدناه تعبر عن وجهة نظره ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN .
يدفع الأطفال دائمًا الثمن الأكبر عندما يتعثر السلام وتتآكل قيم الأخوّة الإنسانية. فالنزاعات تحرمهم الأمان، وتسلب براءتهم، وتخلّف جراحًا لا تندمل. وفي كل مرة يفقد فيها طفل طفولته، تفقد الإنسانية جزءًا من مستقبلها.
حاليًا، يعيش أكثر من 473 مليون طفل - أي واحد من كل 6 أطفال - في مناطق النزاع. وقد تضاعفت هذه النسبة تقريبًا منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث شُرّد الأطفال بفعل العنف، وتحولت الفصول الدراسية إلى أنقاض، وساحات اللعب إلى ساحات قتال. فالملايين منهم نازحون داخل بلدانهم أو عبر الحدود، محرومون من منازلهم ومدارسهم ومراكزهم الصحية.
ومع فقدان الأسر مصادر رزقها وأراضيها الزراعية أو ماشيتها، تبدأ الأنظمة الأساسية التي يعتمد عليها الأطفال في الانهيار. فالغذاء، والمياه النظيفة، واللقاحات، والأدوية، والتعليم، والحماية ليست ترفًا، بل شرايين حياة. فحتى الانقطاع العابر لهذه الخدمات في مقتبل العمر كفيلٌ بإحداث أضرار لا يمكن جبرُها، وتغيير مسار حياة الطفل إلى الأبد.
لهذا، تكتسب الأخوّة الإنسانية أهميتها، لا كشعار أخلاقي فحسب، بل كالتزام عملي. ففي الرابع من شباط/فبراير تحل الذكرى السابعة لتوقيع وثيقة الأخوّة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك، التي وقّعها قداسة البابا الراحل فرنسيس وفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر أحمد الطيب. وتؤكد الوثيقة أن الأخوّة الإنسانية تتمثل في حماية الأطفال، وصون كرامتهم، واحترام حقوقهم. وأنَّ الأخوّةَ الإنسانيّة، في جوهرها العميق، هي الانحيازُ إلى الضعيف، والدفاعُ عن المظلوم حين يختار الآخرون الصمت، واتخاذُ موقفٍ شجاع عندما يكون التجاهلُ هو الخيارَ الأسهل.
يتجسد هذا المعنى بوضوح في مسيرة زرقاء يفتالي، إحدى المكرمات بجائزة زايد للأخوّة الإنسانية لعام 2026، وهي جائزة إنسانية سنوية تشرفتُ بالمشاركة في لجنة تحكيمها. فقصة زرقاء تبرهن أن المعاناة الشخصية يمكن أن تتحول إلى قوة تغيير وقيادة شجاعة. ففي ظل التحديات القاسية التي تواجه تعليم الفتيات في أفغانستان، جعلت من تجربتها منطلقًا لدعم النساء والفتيات في مختلف أنحاء البلاد.
ومن خلال برامج تعليمية ودعم نفسي واجتماعي، امتد عملها إلى أكثر من 100 ألف فتاة، استطاعت كل واحدة منهن استعادة حقها في التعلم، وفي الحلم، وفي بناء مستقبل أفضل. وبصفتها مناصرة عالمية، تؤكد زرقاء أن التعليم يتجاوز حدود المعرفة، ليصبح تجسيدًا للكرامة الإنسانية، وحماية الحقوق، وجسرًا نحو الفرص، وسدًّا في وجه الاستغلال واليأس.
ويعكس عملها رسالة اليونيسف العالمية وجهودها المستمرة لتمكين الفتيات. فالفتاة المتعلمة أقدر على حماية صحتها، وعلى ضمان نشأة أطفالها بصحة جيدة وتعليم أفضل. وحين تنجح الفتيات، تنجح المجتمعات بأكملها، ويتعاظم الأثر عبر الأجيال.
وبمناسبة اليوم الدولي للأخوّة الإنسانية، الذي أقرته الأمم المتحدة للاحتفاء بذكرى توقيع الوثيقة التاريخية، تبرز رسالة إنسانية واضحة: أن التضامن ضرورة لا غنى عنها. فالأخوّة الإنسانية تعني الإيمان بالمصير المشترك، واحترام التنوع، والعمل الجماعي من أجل عالم أكثر عدلًا واستقرارًا. أما بالنسبة لليونيسف، فهي التزام بالدفاع عن حقوق كل طفل، في كل زمان ومكان.
في هذا المساء، تحتضن أبوظبي الحفل السنوي لجائزة زايد للأخوّة الإنسانية لتكريم زرقاء يفتالي إلى جانب المكرّمين الآخرين لعام 2026: اتفاق السلام بين أرمينيا وأذربيجان، ومؤسسة "تعاون" الفلسطينية غير الربحية . يذكّرنا عملهم الشجاع بأن الحروب هي العدو الأكبر للأطفال، وأن طريق السلام يبدأ بهم.
المصدر:
سي ان ان