منذ أسابيع عدة، تراكمت الأدلة على استخدام الجيش الروسي لشبكة ستارلينك، نظام الاتصالات الفضائية التابع لإيلون ماسك. ومنذ نهاية ديسمبر تحديدًا، بدأ معهد دراسة الحرب (Institute for the Study of War)، وهو مركز أبحاث أمريكي، بتوثيق دمج أنظمة ستارلينك في طائرات مسيّرة هجومية روسية، ما يرفع مداها العملياتي إلى نحو 500 كيلومتر. ووفقًا للمعهد، فإن هذا التطور "يضع معظم أوكرانيا، وكامل مولدوفا، وأجزاء من بولندا ورومانيا وليتوانيا ضمن نطاق الاستهداف".
وقد أوضحت أجهزة الاستخبارات الأوكرانية أن المحطات التي استخدمها الجيش الروسي لم تأتِ من مبيعات رسمية لشركة سبايس إكس، بل عبر قنوات موازية شملت واردات من دول ثالثة أو أسواقًا ثانوية. هذه المعطيات عززت القلق في كييف من تحول دائم لتكنولوجيا باتت اليوم عنصرًا حاسمًا في ساحة المعركة، خصوصًا مع صعوبة تعطيلها مقارنة بوسائل الاتصال التقليدية.
وأمام هذا الواقع، أعلنت أوكرانيا دخولها في تواصل مباشر مع سبايس إكس للبحث عن حلول، وبدا أن اتفاقًا آخذ في التبلور بين الطرفين. فقد شكر وزير الدفاع الأوكراني ميخايلو فيدوروف الشركة وإيلون ماسك على اتخاذ إجراءات تمنع استخدام روسيا لستارلينك في توجيه طائراتها المسيّرة، معتبرًا أن "الخطوات الأولى بدأت تؤتي ثمارها".
من جهته، أكد الملياردير الأمريكي أن التدابير المتخذة ضد "الاستخدام غير المصرّح به لستارلينك من قبل روسيا" أثبتت فعاليتها، مشيرًا إلى أن كييف تعمل الآن "عن كثب" مع سبايس إكس، ولا سيما على نظام تسجيل للمحطات يتضمن تعطيل الأجهزة غير الموثوقة.
وفّرت ستارلينك للقوات الروسية أفضلية كبيرة في مجال الاتصالات عالية السرعة والمرونة الميدانية، لا سيما في المناطق التي تكون فيها الشبكات الأرضية التقليدية ضعيفة أو غير كافية. فقد أتاحت هذه المحطات تنسيقًا فوريًا بين الوحدات، مع وصلات مشفّرة ومتحركة تصمد بشكل أفضل أمام التشويش الإلكتروني الأوكراني مقارنة بأنظمة "غلوناس" أو الاتصالات اللاسلكية التقليدية.
كما سمح التدفق العالي للبيانات بنقل مقاطع فيديو مباشرة تُستخدم في توجيه نيران المدفعية أو في مهام الاستطلاع، ما عوّض جزئيًا نقص روسيا في بنى القيادة والسيطرة الحديثة. وإضافة إلى ذلك، منح دمج ستارلينك في الطائرات المسيّرة الهجومية الخفيفة مكسبًا تكتيكيًا بالغ الأهمية، عبر توسيع نطاق عملها إلى أكثر من ألف كيلومتر، واستهداف العمق الأوكراني، بما في ذلك البنى التحتية المدنية والقطارات وقطاع الطاقة، من خلال توجيه يدوي دقيق وعلى ارتفاعات منخفضة يصعب على الرادارات رصده.
وعلى عكس أنظمة الملاحة الفضائية التقليدية القابلة للتشويش، يصعب تعطيل ستارلينك، إذ يسمح للطائرات المسيّرة بالحفاظ على اتصال مستقر وبث الفيديو المباشر والاستمرار في التوجيه حتى في ظل التشويش الإلكتروني.
عمليًا، أتاح ذلك تنفيذ هجمات متكررة متوسطة المدى ضد أهداف حساسة، في وقت تضطر فيه أوكرانيا إلى مواجهة أكثر من 5 آلاف طائرة مسيّرة شهريًا، ما يجعل اعتراضها جميعًا مهمة شبه مستحيلة، ويزيد من دقة الضربات وفاعليتها.
وصفت الصحافة الأوكرانية الخطوة التي اتخذتها سبايس إكس لمنع الجيش الروسي من استخدام ستارلينك بأنها "ضربة قاسية لفلاديمير بوتين"، في وقت واصلت فيه روسيا إطلاق صواريخ وأكثر من مئة طائرة مسيّرة خلال عطلة نهاية الأسبوع.
ومن دون ستارلينك، ستضطر موسكو إلى الاعتماد بشكل أساسي على أنظمتها الفضائية الخاصة، وهي حلول تتيح توجيه الطائرات المسيّرة، ولكن بغطاء أضعف وقابلية أعلى للتشويش الأوكراني، إضافة إلى ضعف قدرتها على نقل الفيديو المباشر.
وعلى المدى الأبعد، قد تعزز روسيا تعاونها مع الصين عبر استخدام نظام "بايدو" أو أقمار اتصالات صينية، وهي خيارات تمنح قدرًا من المرونة، لكنها تفرض تبعية استراتيجية لبكين وفاصل زمني أطول.
وقد أثارت خطوات سبايس إكس ردود فعل حادة في موسكو، حيث صدرت تهديدات من وسائل إعلام قريبة من الكرملين باستهداف أقمار الشركة الصناعية في الفضاء.
وبين البدائل المحدودة والتهديدات التصعيدية، يبرز السؤال: هل يمهّد قطع ستارلينك لتراجع في قدرة روسيا على إدارة عملياتها الجوية عن بُعد؟
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة