على مدى أكثر من نصف قرن، دأبت الكتابات الإستراتيجية الغربية على إنتاج شكل أدبي خاص: كتابة النعي قبل وقوع الوفاة. من إيران وغواتيمالا في خمسينيات القرن الماضي، إلى تشيلي عام 1973، ثم العراق عام 2003، نادرا ما تتغير اللغة: "النظام يتعفن"، "النخب تتصدع"، "الانهيار قادم تدريجيا ثم فجأة يسقط" . تفترض هذه السرديات أن التاريخ يقف إلى جانب من يتنبأ بنهايته.
ينتمي مقال الكاتب الأكاديمي في كلية الدراسات العليا البحرية الأمريكية أفشون أوستوفار المنشور في مجلة "فورين أفيرز" في يناير/كانون الثاني 2026، حول كيفية انهيار النظام الإيراني، إلى هذا التقليد بوضوح.
فهو، وإن قدم بوصفه تحليلا محايدا، إلا أنه نص سياسي في جوهره، يندرج ضمن سلسلة طويلة من الكتابات التي لا تهدف إلى فهم المجتمعات غير الغربية المتخاصمة مع الغرب، خصوصا الولايات المتحدة، بقدر ما تسعى إلى تهيئة الأرضية الأخلاقية لتجريدها من إنسانيتها، تمهيدا لتفكيكها.
هذه النصوص لا تكتفي بتفسير علاقات القوة، بل تمنح الإذن باستخدامها ضد الأطراف الأضعف. فهي تشرعن العقوبات، وزعزعة الاستقرار، والانقلابات، والحروب. وغالبا ما يستدعي ذلك دائما نفس السبب: فلسطين.
منذ عام 1979، انتهجت الولايات المتحدة أهدافا صريحة لتغيير النظام في إيران. ففي ثمانينيات القرن الماضي، دعمت واشنطن غزو صدام حسين لإيران، وقدمت له معلومات استخباراتية وغطاء سياسيا حتى عندما استخدم النظام أسلحة كيميائية ضد خصومه
التنبؤ بانهيار الأنظمة ليس توقعا محايدا، بل أداة من أدوات السيطرة. فهو ينزع الشرعية عن الدول قبل اتخاذ أي إجراء، ويصنف الحكومات على أنها مارقة أو خارجة عن القانون أو إرهابية، ويطمئن الجمهور الداخلي بأن الضغوط تؤتي ثمارها، ويطبع إجراءات الإكراه- كالخنق الاقتصادي، والعمليات السرية، والضربات العسكرية، وتغيير الأنظمة- بوصفها ردودا مشروعة على نظام يفترض أنه يحتضر.
هذا النمط قديم. ففي عام 1953، وصف ضابط وكالة الاستخبارات المركزية كيرميت روزفلت، حكومة محمد مصدق في إيران بأنها على وشك الانهيار خلال أيام، قبل أن يدير عملية "أجاكس" التي أطاحت برئيس وزراء منتخب ديمقراطيا وأعادت الشاه إلى الحكم.
وفي عام 1970، حذر هنري كيسنجر من "تعفن" نظام سلفادور أليندي في تشيلي قبل أشهر من إقرار زعزعة الاستقرار، والتمهيد لانقلاب عسكري.
وفي عام 2002، أمضت النخب السياسية والاستخباراتية الأمريكية شهورا تتنبأ بانهيار وشيك لنظام صدام حسين قبل غزو العراق بعملية عسكرية قوامها فعل عسكري تحت مفهوم: "الصدمة والترويع". وفي عام 2011، شيطن محللون غربيون القيادة الليبية لأسابيع قبل أن يطلق "الناتو" حملة قصف لإحداث انهيار النظام.
ما يجعل مقال أوستوفار كاشفا على نحو خاص ليس نقده القيادة الإيرانية، بل محوه شبه الكامل مسؤولية الغرب عن واقع إيران.
تعرَض أزمة إيران باعتبارها انحلالا ذاتيا نابعا من الفساد والقمع والصراع الجيلي والإرهاق الأيديولوجي. ولكنه لا يذكر العقوبات إلا عرضا. ويخفي عقودا من جهود زعزعة الاستقرار، بما في ذلك الحرب الاقتصادية، والاغتيالات السياسية، ومحاولات تفكيك الدولة على أسس عرقية، والهجمات السيبرانية، والعمليات السرية، والعزلة الدبلوماسية، وسياسات إسقاط النظام الصريحة.
باختصار، هذا ليس إغفالا عارضا؛ بل تصميما إستراتيجيا لسياسة تغيير النظام بأقل كلفة.
ومع ذلك، فإن هذا لا ينفي وجود معارضة داخلية وطنية حقيقية في إيران، خصوصا نتيجة الحصار الاقتصادي الخانق كأي مجتمع حقيقي، غير أن هذا الحصار حول على الدوام المطالب الاجتماعية إلى أدوات إستراتيجية خارجية للتلاعب والضغط السياسي، لا إلى مسارات إصلاح حقيقية.
منذ عام 1979، انتهجت الولايات المتحدة أهدافا صريحة لتغيير النظام في إيران. ففي ثمانينيات القرن الماضي، دعمت واشنطن غزو صدام حسين لإيران، وقدمت له معلومات استخباراتية وغطاء سياسيا حتى عندما استخدم النظام أسلحة كيميائية ضد خصومه.
وفي عام 1988، أسقطت البحرية الأمريكية طائرة الخطوط الجوية الإيرانية الرحلة 655، ما أدى إلى مقتل 290 مدنيا. وفي عام 1996، أقر الكونغرس قانون العقوبات على إيران، وليبيا، مما عمق عزلة إيران الاقتصادية، بالتوازي مع تأجيج توترات عرقية ونزعات انفصالية كان الخطاب الغربي يشجعها باستمرار.
وفي عام 2006، صعدت واشنطن الحرب المالية متعددة الأطراف، وقطعت إيران عن الأنظمة المصرفية العالمية. ومنذ عام 2009، نفذت الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية عمليات تخريب سيبراني عبر فيروس "ستكس نت" وعملية "الألعاب الأولمبية"، ما ألحق أضرارا بمنشآت نطنز وغيرها من المرافق النووية. وخلال الفترة نفسها، اغتيل عدد من العلماء النوويين الإيرانيين في أنحاء البلاد.
وفي عام 2018، انسحبت إدارة ترمب من خطة العمل الشاملة النووية المشتركة رغم التزام إيران الموثق بها، وفرضت عقوبات "الضغط الأقصى".
وبين عامي 2018 و2022، خسرت إيران مئات مليارات الدولارات من عائدات النفط ومن الوصول إلى الأسواق العالمية. وفي يناير/كانون الثاني 2020، اغتالت الولايات المتحدة الجنرال قاسم سليماني في بغداد، مهندس إستراتيجية الردع الإقليمية الإيرانية.
قليل من الدول في التاريخ الحديث تحمل ضغوطا مماثلة دون أن تنهار. إن بقاء إيران متماسكة سياسيا عام 2026 ليس دليلا على التآكل، بل على صلابة مؤسسات تشكلت وتجذرت تحت الحصار والضغط المستمر.
لا يتساءل مقال أوستوفار عن سبب عدم إخضاع بعض أقرب حلفاء واشنطن الإقليميين مثل بعض الأنظمة الإقليمية التي تحتجز عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين لأدبيات "انهيار النظام".
كما لا يتناول بعض حلفائها الإقليميين الآخرين، حيث تجرم المناهضة السياسية وتحظر الأحزاب المعارضة. هذه الدول ليست مرشحة عند الغرب لتغيير نظامها، لأن المتغير الحاسم فيها ليس القمع أو الفساد، بل الموقف من القضية الفلسطينية.
منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، كانت إيران هي الدولة الإقليمية الكبرى الوحيدة التي تعتبر المقاومة الفلسطينية في صميم إستراتيجيتها الإقليمية. فبعد اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982، ساهمت إيران في تشكيل حزب الله، الذي أجبر إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان في مايو/أيار 2000.
وفي عام 2006، هزم حزب الله الكيان الصهيوني في حرب استمرت ثلاثة وثلاثين يوما، محطما أسطورة التفوق العسكري الإسرائيلي. ومنذ أوائل التسعينيات، دعمت إيران حركتي حماس والجهاد الإسلامي بعد أن همش مسار أوسلو المقاومة المسلحة. وبعد فوز حماس في انتخابات 2006، ساعدت إيران على صمود غزة عقب فرض إسرائيل حصارا شاملا عليها عام 2007.
ومنذ عام 2012، وصلت تكنولوجيا الصواريخ الإيرانية إلى المدن الإسرائيلية من غزة للمرة الأولى. وبعد أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين أعقب هجوم حماس حرب إبادة إسرائيلية على غزة، دعمت إيران وضعية ردع إقليمية عبر حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وفصائل مسلحة في العراق. لا تستهدف إيران لأنها سلطوية أو قمعية؛ بل لأنها تعرقل الهيمنة الإسرائيلية الإقليمية، وترفض التهميش الدائم للقضية الفلسطينية.
تنبأ محللون غربيون بانهيار إيران مرارا في أعوام 1999 و2009 و2017 و2019 و2022. في كل مرة كان يعتبرون الانهيار "وشيكا"، وفي كل مرة صمدت الدولة ولم ينهر النظام
كشفت الحرب الإسرائيلية على غزة بنية النظام الإقليمي بوضوح غير مسبوق. فبين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ويناير/كانون الثاني 2026، تشير أقل التقديرات إلى استشهاد أكثر من 70 ألف فلسطيني وإصابة أكثر من 170 ألفا.
دُمرت أحياء كاملة في غزة وخان يونس ورفح. واستهدفت المستشفيات والجامعات والمساجد والكنائس ومخيمات اللاجئين والأسواق والبنية التحتية المدنية بشكل منهجي.
وفي يناير/كانون الثاني 2024، قضت محكمة العدل الدولية بأن سلوك إسرائيل يحتمل أنه ينتهك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية. وطالبت الجمعية العامة للأمم المتحدة مرارا بوقف إطلاق النار، لكن الولايات المتحدة استخدمت الفيتو مرارا، كما علقت ألمانيا تمويل "الأونروا".
وواصلت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا تصدير السلاح. وطبعت أنظمة عربية مع الكيان الصهيوني، بينما بقيت مشلولة عاجزة تجاه غزة.
لم يطالب أي خطاب أثناء ذلك بتغيير النظام في تل أبيب؛ بل طلب من طهران ضبط النفس. يتسامح هذا الخطاب مع القتل الجماعي عندما يكون الطرف متحالفا، وتدان المقاومة أيا كان شكلها. فغزة ليست استثناء إنسانيا؛ بل هي المبدأ المنظم لنظام دولي جائر قائم قد انكشف على حقيقته.
يصر أوستوفار على أن إيران تحكم بالقمع وحده وأنها فقدت شرعيتها. ويتجاهل بذلك سوسيولوجيا الدول الثورية. فقد خرجت إيران من رحم ثورة شعبية واسعة عام 1979، وأطاحت بملكية فرضت بانقلاب نفذته وكالة المخابرات الأمريكية عام 1953. كما خاضت حربا طاحنة مع العراق استمرت ثماني سنوات أودت بحياة أكثر من نصف مليون إيراني. ولذا صممت مؤسساتها تحديدا لمنع الانقلابات العسكرية والتدخلات الخارجية.
لا يمكن أن تقوم هذه المؤسسات على ادعاءات القمع، بل على ذاكرة تاريخية من الغزو والاستهداف المباشر ومحاولات الإذلال والخيانة وكذلك القدرة على الصمود.
ولقد تنبأ محللون غربيون بانهيار إيران مرارا في أعوام 1999 و2009 و2017 و2019 و2022. في كل مرة كان يعتبرون الانهيار "وشيكا"، وفي كل مرة صمدت الدولة ولم ينهر النظام.
فالضغط الخارجي يعزز التماسك الداخلي أكثر مما يبدده. وتتغلب القومية الوطنية والإصرار على الاستقلال والسيادة باستمرار، على محاولات التلاعب والتدخل الخارجي.
يتمثل الخطأ التحليلي الجوهري لدى أوستوفار في افتراضه أن تصدع النخب يسبق الانهيار تلقائيا في الدول المحاصرة والمستهدفة. ولكن التاريخ يشير إلى العكس. فمع الضغط الخارجي المستمر، تتماسك النخب. وبالنسبة للفاعلين الداخليين، لا يعد الانهيار فرصة انعتاق، بل خطرا وجوديا.
لم تبنَ مؤسسات الحكم في إيران كترتيبات تابعة للدولة المركزية، بل كمنظومات دفاعية تشكلت عبر الثورة والحرب والصراع مع التهديدات الوجودية. إن غياب التصدع الظاهر ليس مقدمة للانهيار؛ بل دليلا على خطأ النموذج التحليلي الغربي نفسه.
يقدم أوستوفار التدخل الأمريكي بوصفه مسارا محتملا للأفكار الديمقراطية الغربية المتخيلة. لكن السجل واضح: فالعراق بعد 2003 انحدر إلى حرب طائفية، وليبيا بعد 2011 تفتتت بصورة دائمة، وأفغانستان، بعد عشرين عاما من الاحتلال، عادت إلى حكم طالبان.
لم تكن هذه حالات شاذة؛ بل نتائج متوقعة لعقيدة تخلط بين تدمير وتفكيك الآخر لصالح تحول ليبرالي غربي مصطنع خارج بيئته الحاضنة.
إن الحرب مع إيران ستشعل الخليج، وتزعزع أسواق الطاقة العالمية، وترسخ النظام السلطوي في المنطقة، بينما تثبت السردية ذاتها التي يستند إليها النظام الإيراني.
لم ينبثق النهج الأمريكي الإسرائيلي الحالي تجاه إيران تلقائيا من اضطرابات داخلية، بل كان إستراتيجية متعمدة صيغت أواخر عام 2025 عندما التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالرئيس دونالد ترمب في مقر إقامته بفلوريدا. وبحسب روايات إقليمية وغربية متعددة، ارتكزت الخطة على أربعة أعمدة مترابطة.
بيد أن هذه الإستراتيجية فشلت قبل تنفيذ العنصر الرابع. فقد قطعت السلطات الإيرانية الإنترنت، واعتقلت آلاف العناصر المخربة، وعطلت شبكات تنسيق خارجية يقال إنها اعتمدت على عشرات الآلاف من أجهزة "ستارلينك".
وأشار محللون سياسيون وخبراء دوليون، منهم جون ميرشايمر وسكوت ريتر وألاستير كروك، إلى أن المؤسسات الأمنية الإيرانية كشفت هذا المخطط – ربما بمساعدة روسية وصينية- وأحبطته قبل تجاوز عتبات التصعيد.
وفي هذا السياق، أدى مقال أوستوفار دورا أقرب إلى البنية السردية التي تهدف إلى تطبيع حملة قصف لم تقع، أكثر من كونه تحليلا.
يزعم المقال أيضا أن الديمقراطية في إيران غير ممكنة دون انقلابات أو تدخل خارجي. ويكشف ذلك الحد الحقيقي للإصلاح المقبول: فإيران ديمقراطية تواصل مقاومة الهيمنة الإسرائيلية ستظل غير مقبولة لدى النخب الغربية الحاكمة. فالتبعية المطلقة والامتثال، لا الحرية أو الحكم الديمقراطي الشعبي، هو المعيار الحاكم لدى المنظومة الغربية. ولهذا يكافأ نظام ما بعد الانقلاب في دول حليفة للغرب، ولهذا لا تواجه الأنظمة الإقليمية الحليفة عقوبات. ولهذا لا يحاسب الكيان الإسرائيلي على حرب إبادة وتحديه القوانين الدولية. المشكلة ليست القمع أو انعدام الديمقراطية؛ بل في مفهوم وممارسة المقاومة.
ستتغير إيران، لكنّ التقدم والتغيير الحقيقيين سيأتيان عبر شعبها، لا بإعادة تشكيلها على أيدي جنرالات أو جيوش أجنبية أو سرديات الانهيار. سيأتي التحول من خلال عملية تفاوض داخلية معقدة بين المجتمع والدولة، وبين مفاهيم الإصلاح والسيادة والاستقلال الوطني، لا عبر نصوص إمبراطورية استعمارية خارجية جاهزة.
إن الهوس بالتنبؤ بانهيار إيران يكشف أقل عن إيران وأكثر عن إنهاك الخيال الإمبراطوري الاستعلائي. فالإمبراطوريات لا تسقط لأن خصومها ينهارون، بل لأنها تفقد سلطتها الأخلاقية.
ولقد كانت غزة علامة على مثل هذه اللحظة. ومع تبرير الإبادة وانهيار القانون الدولي، تتآكل المنظومة الفكرية الدولية التي جعلت ذلك ممكنا أمام أنظار العالم.
وإلى أن يحدث ذلك، سيستمر التنبؤ الغربي بالانهيار. وستظل فلسطين تشرح السبب.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة