في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
روى الطبيب السوداني محمد إبراهيم تفاصيل مروعة أثناء محاولته الهروب من مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، وسط قصف وإطلاق نار من كل اتجاه ومجازر بحق المدنيين، في أعقاب سيطرة قوات الدعم السريع عليها في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
ونقلت وكالة أسوشيتد برس -في تقرير طويل- الظروف المأساوية التي واجهها إبراهيم، خلال عملية هروبه من مبنى إلى آخر بينما كانت شوارع المدينة تعج بالجثث، قبل تعرضه للأسر من قبل قوات الدعم السريع التي طلبت فدية مقابل الإفراج عنه.
وقال الطبيب السوداني (28 عاما) إن المقاتلين عند اجتياحهم المدينة فتحوا النار على المدنيين الذين كانوا يتسلقون الجدران أو يختبئون في الخنادق في محاولة يائسة للفرار، بينما دهسوا آخرين بالمركبات، مضيفا "كان شعورا حقيرا. كيف يمكن أن تسقط الفاشر؟ هل انتهى كل شيء؟ رأيت الناس يركضون في حالة رعب.. كان الأمر أشبه بيوم القيامة".
وخلصت أسوشيتد برس إلى أنه وبعد نحو 3 أشهر، بدأت تتكشف الآن فقط "وحشية ما ارتكبته قوات الدعم السريع".
وقالت نقلا عن مسؤولين في الأمم المتحدة إن آلاف المدنيين قُتلوا، لكن لا يوجد رقم دقيق للضحايا، في حين تمكن 40% فقط من سكان المدينة البالغ عددهم 260 ألف نسمة من الفرار أحياء من الاجتياح، وأُصيب آلاف منهم بجروح، أما مصير البقية فما زال مجهولا.
وحسب مسؤولين أمميين ومراقبين مستقلين، فإن عمليات القتل الجماعي حولت الفاشر إلى "مسرح جريمة ضخم"، في حين وصف فريق إنساني تمكن من دخول الفاشر في أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي، المدينة بشبه المهجورة، وانعدام أي مظاهر للحياة.
ووصفت منظمة أطباء بلا حدود، التي زارت المدينة هذا الشهر، الفاشر بأنها "مدينة أشباح" فرّ منها معظم سكانها.
وكانت قوات الدعم السريع حاصرت مدينة الفاشر لمدة 18 شهرا قبل اجتياحها، وأمام تضييق الحصار، اضطر السكان للتكدس في منطقة صغيرة غرب المدينة.
وبشأن تلك الفترة، يقول إبراهيم، الذي بقي في المدينة بسبب النقص الحاد في الكوادر الطبية، إن المدنيين اضطروا لأكل أعلاف الحيوانات جراء نفاد الطعام.
وغادر الطبيب ونحو 200 شخص آخرين، معظمهم نساء وأطفال، متجهين إلى بلدة طويلة (68 كيلومترا غربا) التي استقبلت عشرات الآلاف من النازحين، وعبر الطريق كانوا يضطرون إلى إلقاء أنفسهم أرضا عند سماع صوت شاحنات أو اكتشاف مقاتلين على ظهور الجمال في الأفق.
وذكر تقرير أسوشيتد برس أن الفارين في النهاية وصلوا إلى خندق حفرته قوات الدعم السريع على أطراف الفاشر لتشديد الحصار، وساعدوا بعضهم على تسلق الخندق الذي يبلغ ارتفاعه 3 أمتار، لكن عند الخندق الثاني ثم الثالث، عجز بعضهم عن العبور وعادوا أدراجهم، ولا يُعرف مصيرهم حتى الآن.
وعند الخندق الأخير، تعرض من كانوا أمام إبراهيم لإطلاق نار أثناء تسلقهم، فبقي هو وزميله منبطحين داخل الخندق حتى توقف إطلاق النار، وكان 5 من المجموعة قُتلوا، وأصيب كثيرون غيرهم.
وواصل الناجون السير لساعات باتجاه بلدة طويلة، لكن في ظهر يوم 27 أكتوبر/تشرين الأول، أوقفتهم قوات الدعم السريع، وطوقتهم وقتلوا رجلين بالرصاص، واحتجزوا الطبيبَين وآخرين.
وذكر إبراهيم أنه جرى ربطه وزميله و3 آخرين بسلاسل في الدراجات النارية وأجبروهم على الركض خلفها.
وفي قرية خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، قُيد المسلحون الأسرى إلى الأشجار واستجوبوهم، قبل أن يجري اقتياد الطبيبَين مكبلين إلى القرية مجددا، حيث طالب المسلحون بفدية مقابل إطلاق سراحهما.
ويقول إبراهيم "قالوا: أنتم أطباء. لديكم مال. المنظمات تعطيكم مالا، الكثير من المال".
وطلب المسلحون من الطبيبين مهاتفة عائلاتهم، لجمع 20 ألف دولار لكل واحد، فما كان من إبراهيم إلا أن يضحك من شدة الصدمة، فضربه المسلحون ببنادقهم، إذ أخبرهم "عائلتي كلها لا تملك هذا المبلغ".
وبعد ساعات من التعذيب، سألوه كم يستطيع أن يدفع، وعندما عرض 500 دولار، بدؤوا بضربه مرة أخرى، وهددوا بقتله.
وقال إبراهيم إن زميله وافق في النهاية على دفع 8 آلاف دولار لكل واحد، وهو مبلغ ضخم في بلد يتراوح متوسط الدخل الشهري فيه بين 30 و50 دولارا.
وقال "كدت أضربه.. لم أكن أثق بأنهم سيطلقون سراحنا".
واضطر إبراهيم للاتصال بعائلته، وبعد تحويل المال، فصل المسلحون بين الطبيبَين وأبقوهما معصوبي الأعين، وفي النهاية نُقلا في مركبات مليئة بالمقاتلين، ووعدوهم بنقلهم إلى بلدة طويلة.
لكنهم أُنزلوا في منطقة خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، مما أثار مخاوف من اعتقالهم مجددا، واختبأ الطبيبان بين الأشجار، وبعد ساعة، خرجا ورأيا آثار عربات تجرها الخيول، وسارا وفقها.
وبعد 3 ساعات، شاهدا راية حركة تحرير السودان، إذ سمح عناصرها لهما بالدخول، وهناك، التقاهم فريق من رابطة الأطباء السودانيين الأمريكيين، ثم واصلا طريقهما.
وعندما وصلا أخيرا إلى طويلة، التقى إبراهيم بناجين آخرين، بينهم طبيب آخر من مستشفى الولادة السعودي بالفاشر الذي عمل فيه إبراهيم قبل فراره، وقال الرجل إنه شاهد فيديو على موقع فيسبوك يظهر اعتقال الطبيبَين، وكان متأكدا من أنهما قُتلا.
وقال إبراهيم في ختام روايته "احتضنني وبكينا معا. لم يكن يتخيل أنني ما زلت حيا. لقد كانت معجزة".
وفي حديثها أمام مجلس الأمن الدولي الأسبوع الماضي، قالت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهة شميم خان إن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في الفاشر "كتتويج لحصار المدينة من قبل قوات الدعم السريع".
وأضافت "الصورة التي تتكشف مروّعة"، مشيرة إلى أن "إجراما جماعيا منظما وواسع النطاق" استُخدم "لفرض السيطرة".
المصدر:
الجزيرة