دمشق- أعلنت الحكومة السورية و قوات "قسد" اليوم الجمعة التوصل إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار وبدء دمج القوات العسكرية ومؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة، مما أثار تفاعلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي وعلى الأرض.
ويشمل الاتفاق انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتي الحسكة و القامشلي، لتعزيز الاستقرار وبدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة، وتشكيل فرقة عسكرية تضم 3 ألوية من قوات "قسد"، إضافة إلى تشكيل لواء لقوات مدينة عين العرب (كوباني) ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب.
كما يتضمن تثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.
في تصريح للجزيرة نت، قال الكاتب والباحث محمود علوش إن هذا الاتفاق بمثابة إعلان من "قسد" عن نهاية مشروع "كردستان سوريا وما تُسمى بالإدارة الذاتية". واعتبر أنه نتيجة طبيعية للتطورات الميدانية التي حدثت على الأرض، ومن أهم الخطوات التي خطتها سوريا نحو إنهاء مشاريع الانفصال والفدراليات، واستعادة وحدة أراضيها.
واستدرك الباحث علوش أن هناك بعض التحديات التي تواجه الاتفاق الجديد، مثلما واجهت الاتفاقات السابقة، وعلى رأسها "دور حزب العمال الكردستاني".
وأشار إلى أن الحزب سيحاول عرقلة هذا الاتفاق، "كما فعل مع الاتفاقات الأخيرة، فهو لم يأتِ إلى سوريا من أجل دمج قسد، ولم يستثمر فيها من أجل ذلك ومن أجل إعادة شرق الفرات إلى سوريا، بل من أجل مشروع روج آفا (كردستان سوريا أو المناطق ذات الغالبية الكردية في البلاد) حصرا. لكنه الآن في مأزق كبير".
ويعني تنفيذ الاتفاق -وفقا له- إنهاء ما تبقى من طموحات هذا المشروع. وأضاف أن عرقلته ستضع قائد قوات "قسد" مظلوم عبدي في مأزق خطِر، خصوصا أن الولايات المتحدة تدعم اليوم الاتفاق الجديد، وهناك دعم غربي أيضا له. ويعتقد أن سوريا اليوم في مرحلة ما بعد معالجة ملف "قسد"، وأنهت عمليا مشاريع التقسيم في البلاد، والتوجه الآن هو إلى الجنوب.
وبرأي علوش، فإن هذا الاتفاق الجديد هو أكثر وضوحا من سابقيه، خصوصا في ما يتعلق بمسألة دمج "قسد" وعودة الدولة إلى كافة مناطق الشمال السوري. لذلك، لم يعد هناك هامش لهذه القوات من أجل المناورة و"اللعب" ومحاولة التفاوض على صيغ جديدة أخرى.
كما سيكون له -باعتقاده- انعكاسات إيجابية على الاستقرار الإقليمي خصوصا أن مشاريع تقسيم سوريا تستهدف وحدة واستقرار جميع دول المنطقة لاسيما تلك المحيطة بها. وأكد أن نجاح عملية الدمج هو الخطوة الأساسية في تحديد فرص تنفيذ هذا الاتفاق في نهاية المطاف، موضحا أنها ستستغرق وقتا، "لكن مجرد وضعها على الطريق الصحيح، يعني أن الأمور ستسير في المستقبل".
وأشار إلى أن خيارات التصعيد العسكري ستبقى موجودة على الطاولة، خصوصا إذا ما حاولت "قسد" التنصل من الاتفاقية، وإذا ما حاول حزب العمال الكردستاني عرقلتها. وشدد على أنها نجاح لسوريا وللكرد فيها.
وأكد مصدر حكومي لوكالة سانا الرسمية اليوم الجمعة أن الاتفاق يهدف إلى توحيد الأراضي السورية، وإنفاذ القانون، وتحقيق عملية الدمج الكامل في المنطقة عبر تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية، وتوحيد الجهود لإعادة بناء البلاد. وأضاف أن الدمج العسكري والأمني سيكون فرديا ضمن الألوية بحيث تتسلم الدولة جميع المؤسسات المدنية والحكومية والمعابر والمنافذ، ولا يكون أي جزء من البلاد خارج سيطرتها.
من جانبه، أفاد أحد المصادر المطلعة المقربة من قوات "قسد"، فضل عدم الكشف عن اسمه، للجزيرة نت بأن الأمن العام السوري سيدخل يوم الاثنين المقبل مؤقتا إلى محافظة الحسكة ويشرف على عملية الاندماج وسيخرج منها، ثم سيتم دمج قوات الأسايش ضمن قوات الأمن السورية. وأضاف "أن من مصلحة الطرفين الاتفاق لأنه في حالة واصلت قوات الحكومة محاولات التقدم، ستكون هناك حرب طويلة واستنزاف للجانبين".
وقد تباينت ردود الفعل بين السوريين، وعبّر عدد من المدنيين في محافظة الحسكة ومدينة القامشلي عن مواقف مختلفة، إذ قال أحمد الحسن، وهو موظف مدني من الحسكة، للجزيرة نت إن الاتفاق يشكّل خطوة ضرورية لإنهاء حالة عدم الاستقرار، شريطة أن ينعكس على تحسين الوضع المعيشي وعودة مؤسسات الدولة بشكل منظم يضمن حقوق جميع المكونات.
من جهتها، اعتبرت أمينة محمود، وهي معلمة من القامشلي، في حديثها للجزيرة نت أن الاتفاق قد يحمل فرصا إيجابية لا سيما في ما يتعلق بالاعتراف بالشهادات وضمان الحقوق المدنية، لكنها حذّرت من "تكرار تجارب سابقة لم تُنفذ بالكامل"، مؤكدة أن ثقة المدنيين مرهونة بجدية التطبيق على أرض الواقع.
بدوره، عبّر محمد العبد الله، وهو صاحب محل تجاري من الرقة، عن أمله في أن ينعكس الاتفاق على الحياة اليومية للسكان، مؤكدا للجزيرة نت أن الأولوية اليوم هي تثبيت الأمن ووقف أي تصعيد عسكري، لما لذلك من أثر مباشر على الحركة الاقتصادية وعودة النازحين واستعادة الحياة الطبيعية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة