"أمانة تعالوا أنا كثير خايفة"..
بهذا الصوت أحيا نشطاء مواقع التواصل الذكرى الثانية لاستشهاد الطفلة الفلسطينية هند رجب، التي لا يزال صوتها يثير الذعر والارتباك في صفوف الاحتلال الإسرائيلي الذي لم يستطع كتمه، كما فعل بأصوات أكثر من 18 ألف طفل استشهدوا خلال حرب الإبادة.
وتعود القصة إلى يناير/كانون الثاني 2024، عندما حاولت هند وعائلتها الهرب من استهداف الدبابات الإسرائيلية أثناء نزوحهم إلى مكان آمن بمدينة غزة، لكنها لم تنجُ من القصف فاستشهدت مع أفراد عائلتها وعدد من المسعفين.
خلال محاصرتهم، أجرت هند -ذات السنوات الست- مكالمة هاتفية مع والدتها، توسلت فيها لإنقاذها من السيارة التي تعرضت لاستهداف مباشر.
وأخبرت والدتها أن جميع من كانوا معها قد قُتلوا، وأنها الناجية الوحيدة، معبرة عن خوفها الشديد، ومتوسلة ألا ينقطع الاتصال قبل وصول من ينقذها.
لاحقا، تلقى الهلال الأحمر الفلسطيني اتصالا من الطفلة ليان حمادة -وهي قريبة لهند- تطلب المساعدة، وأوضحت أن دبابة إسرائيلية أطلقت النار على سيارتهم في منطقة دوار المالية بحي تل الهوا جنوب غربي غزة، وسُمع خلال المكالمة صوت صراخ ليان وإطلاق كثيف للرصاص قبل انقطاع الاتصال فجأة.
وبعد ذلك، حاول أفراد الهلال الأحمر إعادة الاتصال، وتبين أن هند ما زالت على قيد الحياة، واستمر أهلها في التواصل معها محاولين تهدئتها بأن سيارة الإسعاف في طريقها لإجلائها.
وفي مهمة بدت مستحيلة وتسابق الوقت، توجه طاقم من الهلال الأحمر -بتنسيق مع الارتباط الفلسطيني- من أجل إنقاذها، لكن الاتصال مع الطاقم انقطع بعد ساعات من انطلاقه، ومر 12 يومًا قبل العثور على جثتها.
في فبراير/شباط، وبعد انسحاب قوات الاحتلال من المنطقة؛ عُثر على جثمان هند وعائلتها داخل مركبتهم في محيط دوار المالية، إلى جانب جثث فريق الإسعاف الذي هب لنجدتهم.
ولم يقتصر التفاعل على منصات التواصل، بل أحيت عدد من المدن الأوروبية -أبرزها برشلونة وبرلين- فعاليات رمزية لتخليد ذكرى الطفلة هند رجب، في محاولة لتسليط الضوء على تضحياتها ومعاناة الأطفال الفلسطينيين خلال حرب الإبادة على القطاع.
وأكد مدونون أن قصة هند تمثل واحدة من مئات آلاف قصص الموت والمعاناة التي يعيشها أطفال غزة، مستنكرين صمت المجتمع الدولي تجاه هذه الجرائم.
وأشاروا إلى أن هذه القصص لم تعد مجرد أرقام أو إحصاءات، بل شهادات حية على أثر الحرب الإسرائيلية على الطفولة والذكريات، حيث يَترك كل طفل يُقتل أو يُصاب أثرا عميقا في أسرته ومجتمعه.
وقال مغردون إن هند رجب -تلك الطفلة التي لقّنت العالم درسا في الصبر والثبات- كشفت للجميع -صغارا وكبارا- أن من قتلها لا يرى في حياة الطفل أي قيمة.
وكتب أحد النشطاء: "عامان منذ آخر مرة سمع فيها العالم صوت هند رجب وهي تطلب أن تعيش. بعض الأسماء تصبح تاريخا، وبعضها جرح لا يلتئم".
وأضاف ناشط آخر: "عامان على الصوت الذي حُفر في ذاكرة ووجدان العالم".
وأشار مدونون إلى أن الجريمة ارتُكبت تحت مرأى ومسمع العالم، مؤكدين أن الطريقة البشعة لقتل الطفلة هند -التي أطلقت على السيارة التي كانت تحتمي بها 335 رصاصة- وكذلك أطفال غزة الآخرين، لا تُنسى، وأن معاناتهم مستمرة حتى اليوم.
ودعا نشطاء -بجانب مؤسسات حقوقية ودولية- إلى الإسراع في تقديم قتلة الطفلة هند رجب إلى العدالة، مؤكدين أن التحقيق في جريمتها لم يتم حتى اليوم، في ظل استمرار الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الأطفال في غزة.
يذكر أن الشهيدة هند رجب أصبحت رمزا تجاوز حدود غزة والمنطقة العربية، لتصبح أيقونة عالمية تشير إلى العقلية التي تحرك جنود الاحتلال في قطاع غزة، والتي أبقت طفلة حبيسة الجوع والخوف وإطلاق النار، مستغيثة بوالدتها، قبل أن تمس مأساتها العالم بأسره، ولم تستطع جميع الروايات الإسرائيلية المختلقة كتم صوتها، فقد بقيت روحها حاضرة في ذاكرة العالم.
المصدر:
الجزيرة