في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
طهران- في خطوة دقيقة تحمل أبعادا زمنية وسياسية بالغة الدقة، حطّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رحاله بالعاصمة التركية أنقرة، صباح اليوم الجمعة، تلبية لدعوة نظيره هاكان فيدان الذي ترعى بلاده وساطة بين واشنطن وطهران، سعيا لتهدئة الأجواء المشحونة بتهديدات أمريكية علنية بشن ضربة عسكرية ضد إيران.
وتأتي الزيارة ضمن مساعي أنقرة المُكثّفة للتنسيق مع كل من طهران وواشنطن لخفض التوتر المتصاعد في المنطقة، فقد سبقتها سلسلة من الاتصالات رفيعة المستوى بين إيران و تركيا، شملت محادثات هاتفية بين الرئيسين مسعود بزشكيان و رجب طيب أردوغان، وكذلك رئيسي برلماني البلدين الإيراني محمد باقر قاليباف والتركي نعمان كورتولموش خلال الأسبوع الماضي.
وفضلا عن مباحثاته الهاتفية مع عراقجي يوم الأربعاء الماضي، استقبل فيدان السفير الأمريكي لدى بلاده توم برّاك 3 مرات خلال الأسبوعين الماضيين وبحث معه تطورات الأزمة بين الجمهورية الإسلامية و الولايات المتحدة، الأمر الذي اعتبره مراقبون إيرانيون مؤشرا على دخول برّاك على خط الأزمة إلى جانب المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف.
وبينما تنظر شريحة من المراقبين الإيرانيين إلى المحاولة الدبلوماسية التركية كعامل تهدئة في هذه المعادلة المعقدة بين طهران وواشنطن، مؤكدة أن مجرياتها قد تحدد مسار الأزمة بين الخصمين نحو الحرب أو إبعاد شبحها، يقلل آخرون من فرصها انطلاقا من الشروط الأمريكية المسبقة لأي تفاوض.
ومن منظور طهران، تظهر الوساطة التركية في ضوء مزدوج، فمن ناحية هناك إدراك أن الدبلوماسية وصلت إلى "الوقت بدل الضائع"، وأن البديل العسكري سيكون مكلفا للجميع مما يجعل أي التجاوب مع مساعي الوساطة يصب في صالح طهران وأن مجرد بدء المحادثات يعتبر مكسبا لها في هذه الظروف، بيد أن أوساطا أخرى لا تُخفي تحفظاتها مما تعتبره "أجندة أمريكية خفية" وراء السبل الدبلوماسية.
وفي السياق، يقول الباحث السياسي سعيد شاوردي أن المبدأ الأساسي لإيران هو إنجاح المسارات السياسية ومنع اندلاع حرب مدمرة لا تعود بالنفع على المنطقة بأسرها، مؤكدا أن أقل ما يمكن لبلاده أن تحصل عليه جراء التجاوب مع الوساطات هو العمل على تصحيح التقديرات الأمريكية التي تتأثر بتحليلات تروج لفكرة "ضعف إيران".
وفي حديثه للجزيرة نت، يعتبر شاوردي أن الوساطة التركية تمثل الفرصة الأخيرة لمنع انزلاق إقليمي لا تحمد عقباه، مشيرا إلى أن مباحثات أنقرة اليوم تأتي تأكيدا على استعداد طهران لاستئناف مفاوضاتها مع واشنطن والتي تجمدت بسبب الضوء الأخضر الأمريكي لشن "الكيان الإسرائيلي" هجوما على إيران عشية الجولة السادسة منها.
وبينما يعتقد بأن الجانبين الإيراني والأمريكي حريصان على إرسال إشارات للرأي العام بأنهما يسعيان إلى السلم وتحميل الجانب المقابل مسؤولية ما ستؤول إليه الأزمة، يحذر المتحدث نفسه من إمكانية تكرار "فخ التفاوض السابق الذي قد يُستخدم كغطاء لضربة عسكرية مفاجئة".
وفي قراءته لمباحثات عراقجي مع فيدان، الذي سينقل بدوره الرؤية الإيرانية للجانب الأمريكي، يؤكد شاوردي على ضرورة أن تسير الدبلوماسية جنبا إلى جنب مع استعدادات الميدان، مشددا على أن القوة الصلبة هي التي "تملأ يد الدبلوماسي" وتجعل الخصم يحسب ألف حساب قبل المغامرة وأن ما تقوم به البحرية لإيرانية في المياه الخليجية يصب في هذا الاتجاه.
وعلى وقع إبحار حاملات الطائرات الأمريكية نحو المياه الإقليمية وهبوط مقاتلات "الشبح" في قواعدها بالشرق الأوسط، تتزايد التهديدات الإيرانية بالرد "فورا وبقوة" على أي هجوم وإن كان صغيرا أو محدودا، مع التلويح بتوسيع نطاق الرد ليشمل كامل المنطقة، مما يجعل من نجاح الوساطة التركية "مهمة شاقة إن لم تكن مستحيلة"، من وجهة نظر الباحث في العلاقات الدولية علي حيدري.
وفي حديثه للجزيرة نت، يضيف حيدري أنه رغم الجهد التركي، فإن الطريق نحو نجاح الوساطة محفوف بعقبات هائلة، ذلك أن الإدارة الأمريكية تصر على شروط مسبقة قاسية للتفاوض، تجعل من العسير على طهران قبولها دون أن يُنظر إليها على أنها استسلام. ناهيك أن هوة الثقة التاريخية بين واشنطن وطهران شاسعة، وأن التصعيد الميداني يخلق واقعا ضاغطا يقوّض فرص ردم هذه الهوة.
مع ذلك، يعتقد حيدري أن الجانبين الأمريكي والإيراني يعتبران الظروف الراهنة فرصة ذهبية للنيل من الطرف المقابل، مما يدفعهما نحو التشدد وعدم التراجع عن مواقفهما المتصلبة، فبينما ترى واشنطن في قدراتها العسكرية عامل حسم للمعركة يسيل لعاب طهران لاستهداف تسليحات إستراتيجية أمريكية أصبحت في مرمى صواريخها، وذلك ردا على أي هجوم قد تشنه واشنطن على أراضيها.
من جانبه، يرى السفير الإيراني السابق في الأردن، نصرت الله تاجيك، أن زيارة عراقجي إلى تركيا تمثل محطة مهمة في مسار دبلوماسي شائك يحمل تناقضات صارخة بين أمل في خفض التوتر وشكوك عميقة في جدوى الوساطة تحت وطأة شروط أمريكية تعجيزية، مما يجعل حظوظ نجاحها مرهونة بقدرة الأطراف على تقديم تنازلات، أو على الأقل علی صياغة لغة مشتركة.
وفي حديثه للجزيرة نت، يرى تاجيك أن الهوة كبيرة جدا بين المواقف الإيرانية والأمريكية، موضحا أنه خلافا لبعض القراءات فإن تقديرات الجانبين الأمريكي والإسرائيلي تشير إلى تزايد القدرات الإيرانية مما يدفعهما للتحرك للحد منها أو تحييدها، معتبرا أن الهوة بين الجانبين نابعة من انعدام الشفافية في السياسات والأجندة التي يعتمدها الطرفان.
ويختم الدبلوماسي الإيراني السابق حديثه بالتعبير عن تشاؤمه بإمكانية نجاح الوساطة التركية في الوقت الراهن، رغم تأكيده على أنه لا يمكن اعتبار التحشيد العسكري الأمريكي مؤشرا حتميا على الحرب ما لم تنطلق الطلقة الأولى. وشدد على أن اصطفاف الشعب الإيراني وراء قيادته قادر على إبعاد شبح الحرب عن المنطقة.
وأخيرا، بين مطرقة التهديدات الأمريكية وسندان الموقف الإيراني الرافض للإذعان، يبدو أن تركيا تجد نفسها في مهمة إنقاذ إقليمي محفوفة بالمخاطر حيث يعتبر مراقبون بطهران زيارة عراقجي لتركيا أنها اختبار حقيقي لإرادة كل من واشنطن وطهران في خوض غمار الحرب، وكذلك للأطراف الإقليمية الأخرى للدفع نحو الحلول السلمية، وأن فشل هذه الوساطات لن يعني عودة الخلاف إلى نقطة الصفر، بل قد يدفع بالمنطقة إلى حافة الهاوية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة