آخر الأخبار

إيران بين الإملاءات والاصطفافات.. دبلوماسية بلا مسار واضح

شارك
صورة عامة من العاصمة الإيرانية طهران

تدخل المنطقة مرحلة شديدة الحساسية مع تصاعد التوترات العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط، في ظل وصول مدمرة أميركية ثانية، وتزايد الحديث عن مواجهة محتملة مع إيران، مقابل حراك دبلوماسي متشظٍ لا يرتقي، حتى الآن، إلى مسار تفاوضي واضح.

وقدّم الباحث في مركز الإمارات للسياسات محمد الزغول في تصريح لـ"سكاي نيوز عربية" قراءة تحليلية تضع المشهد في إطاره الأوسع، متوقفا عند طبيعة الخيارات المطروحة أمام طهران، وحدود الوساطات الإقليمية، والتحولات العميقة في بنية النظام الدولي.

ويرى الزغول أن التصريحات الصادرة عن أطراف متعددة لا تعكس وجود مسار دبلوماسي واضح، مشيرا إلى أن المسار الذي كان قائما في عُمان قبل "حرب الاثني عشر يوما" أُغلق، لتدخل الأزمة بعد ذلك في مرحلة وساطات متفرقة.

وأشار إلى أن بعض القوى الإقليمية ألمحت إلى أنها بذلت أقصى ما لديها لمنع اندلاع الحرب، غير أن الهوة بين الجانبين لا تزال واسعة إلى حد يصعب ردمه.

وأضاف أن أطرافا أخرى تعتبر أن الاعتبارات المحركة لهذا الصراع هي اعتبارات "فوق إقليمية"، ما يجعل الوساطات الإقليمية محدودة الجدوى.

وفي هذا الإطار، شدد الزغول على صعوبة تصور أن هذا الحجم من الحشد والتحضير العسكري المستمر يمكن أن ينتهي بحل دبلوماسي بسيط لا يُنتج تغييرا جوهريا في سلوك إيران.

منطق الإملاء لا التفاوض

انتقل الزغول إلى تفكيك طبيعة الخيارات المطروحة، معتبرا أنها لا تقوم على فكرة مسار تفاوضي تقليدي، بل على منطق "إعلان الخضوع"، موضحا أن الفارق الجوهري يكمن في غياب مهلة زمنية معقولة، أو مساحة لتقديم تنازلات متبادلة، كما هو الحال في أي عملية تفاوضية كلاسيكية.

وبحسب تحليله، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يلجأ إلى صيغة إملاء الشروط، بحيث يُطلب من إيران، قبل الجلوس إلى أي طاولة مفاوضات، إعلان قبولها المبدئي بالعودة إلى "صفر تخصيب"، وفرض قيود على برنامجها الصاروخي، والتعهد بعدم دعم المليشيات.

غير أن هذه الشروط، وفق الزغول، لا تمثل كامل المطلب الأميركي، إذ يتجاوز ذلك إلى هدف أوسع يتمثل في نقل إيران عمليا من المعسكر الشرقي إلى المعسكر الغربي.

ويؤكد الزغول أن المطلب الأكبر يتمثل في أن تغلق إيران بوابة دخول القوى الشرقية إلى المنطقة، وألا تكون منفذا للصين أو روسيا.

ويصطدم هذا الطرح بحقيقة أن إيران تبنّت، لسنوات طويلة، سياسة التوجه نحو الشرق، وبنت عليها سيناريوهاتها الاستراتيجية لمستقبلها ولمستقبل المنطقة.

تغيير في النظام لا إسقاطه

يشير الزغول إلى أن الخيار الواقعي، وفق هذا المنطق، ليس تغيير النظام الإيراني كليا، بل إحداث تغيير داخل النظام يلغي "منظومة الثورة" والمنظومة الأيديولوجية.

وحسبما يرى الزغول فإن هذا النوع من التغيير وحده يمكن أن يفتح الباب أمام انتقال إيران من المعسكر الذي تنتمي إليه إلى المعسكر الغربي.

وفي المقابل، يصف الزغول فكرة نقل إيران إلى "فراغ سياسي" بأنها خط أحمر لا يريد أحد الاقتراب منه، نظرا لتداعياته الإقليمية والدولية.

فالدول الأوروبية، بحسب الزغول، لا تمتلك استعدادا لتحمل موجات لجوء جديدة بالملايين، ولا الشرق الأوسط يحتمل فوضى طويلة الأمد.

كما يشير إلى أن المعارضة الخارجية لم تنجح حتى الآن في تقديم بديل متماسك، أو رؤية مشتركة لما يجب أن تكون عليه إيران، مكتفية بالتوافق على ضرورة إسقاط النظام الحالي.

الموقف الأوروبي والتحضير لما بعد الضربة

تناول الزغول الموقف الأوروبي من تصنيف الحرس الثوري الإيراني، معتبرا أنه غير منفصل عن تصريحات المستشار الألماني حول أن "أيام النظام معدودة".

ويعتقد الزغول أن أوروبا بدأت التحضير للملحق السياسي الذي سيعقب أي ضربة محتملة، عبر استشراف سيناريو "إيران ما بعد النظام".

ويفسر الزغول فرض القيود على الحرس الثوري بأنه عملية تمهيدية تهدف إلى إبعاده عن قيادة المرحلة المقبلة، وربما دمجه لاحقا في الجيش الإيراني، مع توجيه رسالة واضحة لما تبقى من النظام بأن الرهان على بقاء الحرس الثوري في السلطة لن ينجح.

تحولات القوى الكبرى

على المستوى الدولي الأوسع، يشير الزغول إلى أن العالم ينتقل من صراع جيوسياسي تحكمه معايير واضحة، إلى مرحلة تقاسم مصالح بين القوى الكبرى.

ويستشهد الزغول بصيغة العلاقات الجديدة بين الولايات المتحدة والصين، وكذلك بين واشنطن وموسكو، حيث لم تعد الصين تُعامل كعدو، بل كمنافس اقتصادي وربما شريك محتمل.

ويربط الزغول ذلك بسلسلة إشارات، من بينها التلميحات الأميركية بشأن تايوان، وسكوت الصين وروسيا عن ملفات أخرى، معتبرا أن القوى الكبرى باتت تنسق فيما بينها، وتنتقل من منطق "الجيو بوليتيك" إلى منطق "الجيو إيكونوميك".

وخلص الزغول إلى أن هذا التحول العالمي يجعل القوى المتوسطة في النظام الدولي هي الأكثر عرضة لدفع الثمن، إذ تتقلص خياراتها بشكل كبير في ظل توافقات الكبار.

ويستحضر الزغول في هذا السياق خطاب رئيس وزراء كندا في دافوس، الذي أشار إلى أننا نتجه نحو نظام عالمي جديد تحكمه القوة أكثر مما تحكمه القواعد.

وضمن هذا المشهد، تبدو إيران، وفق توصيف الزغول، دولة تنتمي إلى عالم الحرب الباردة، في وقت يتغير فيه شكل العالم وقواعده بوتيرة متسارعة، ما يفاقم من ضيق هامش المناورة أمامها، ويجعل خياراتها أكثر تعقيدا وكلفة.

سكاي نيوز المصدر: سكاي نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا